array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 198

الشراكة الخليجية ـ التركية ليست ضد طرف ثالث بل للتوازن الإقليمي وخدمة مصالح الطرفين

الأربعاء، 29 أيار 2024

منذ نهاية الحرب الباردة، كانت أمريكا هي القوة المهيمنة بلا منازع. ومع تصاعد الأحداث الدولية، أدت الاضطرابات العالمية إلى عودة المنافسة بين القوى العظمى، على خلفية نمو النشاط السياسي والاقتصادي للصين وروسيا الذي ظهر في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. ويمكن القول بأن العالم أصبح يشهد تغيرات جيوسياسية بالغة الأهمية يتجه فيها نحو عالم متعدد الأقطاب. وبالتوازي مع ذلك، تعمل تركيا على إعادة توجيه سياستها الخارجية وتوسيع دورها العالمي في محاولة الموازنة بين طموحاتها الجيوسياسية العالمية وجوارها الأوروبي ومصالحها الاقتصادية الأساسية، وقد ظهر ذلك واضحًا أثناء موافقة الرئيس التركي "أردوغان" في قمة الناتو يوليو2023م، في (فيلنيوس) على انضمام السويد للناتو، وإعادة فتح الحوار مع الرئيس الأمريكي "جو بايدن"، وإعادة مسألة حلف شمال الأطلسي إلى الطاولة. وقد خلق هذا انطباعاً بأن عصراً جديداً من التقارب بدأ بين تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

   وقد دفعت عدة عوامل إلى مزيد من التهدئة بين الدول العربية والخليجية، وبين تركيا بعد سنوات من الفتور إثر مواقف الأخيرة تجاه الثورات العربية منذ عام 2011م. وكان على رأس تلك العوامل، تداعيات وباء كورونا، والحرب الروسية / الأوكرانية، وحرب إسرائيل على غزة. وفي ظل التغيّرات الدولية الحالية سياسياً واقتصادياً خاصة في ظل استمرار الحرب التجارية القائمة بين أمريكا والصين، وبما أن دول الخليج لديها علاقات أمنية بالولايات المتحدة واعتماد اقتصادي على بكين كأهم مستورد للنفط من دول الخليج، فإنها ترفض الانحياز لأحد الجانبين، وتسعى إلى تعزيز وضعها الاستراتيجي كقوى وسطى غير منحازة خاصة في ظل المنافسة الجيوستراتيجية طويلة الأجل بين واشنطن وبكين. ولتحقيق الاستقلالية التي تسعى إليها دول الخليج، فإن ذلك سيتطلب التركيز على تنويع تحالفاتها فيما يتجاوز الولايات المتحدة.

    ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المقال تحليل واقع العلاقات الاقتصادية الخليجية التركية، مع التعرض إلى طبيعة التطور التي مرت به العلاقات الاقتصادية الخليجية / التركية، بالتركيز على آخر تطورات بدء المفاوضات لاتفاقية التجارة الحرة، ودوافع التقارب بين الجانبين سواء كانت دوافع اقتصادية أو جيوسياسية.

 

أولاً-واقع العلاقات الاقتصادية الخليجية / التركية:

  • العلاقات التجارية: تطور حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي من 1.2 مليار دولار عام 2002م، إلى 3 مليار دولار عام 2006م، ثم6 مليار دولار عام 2020م، و25 مليار دولار عام 2022م، ثم ارتفع لأكثر من 4.31 مليار دولار لعام 2023م، وذلك كما هو موضح في الشكل رقم (1)، ووفقًا للحكومة التركية، فلدى تركيا خطط طموحة لمضاعفة هذا الرقم 3 مرات تقريبًا في السنوات الخمس المقبلة. وعلى الرغم من هذا الارتفاع؛ إلا أنه مازال لا يعكس القدرات الاقتصادية للجانبين وتتمثل أهم الصادرات الخليجية لتركيا في: المعادن الثمينة والذهب، مشتقات الوقود والزيوت المعدنية، الصناعات البلاستيكية وصناعات الألمنيوم. أما الواردات الخليجية من تركيا فمعظمها من الحديد والصلب والمعدات والآلات والأجهزة والمعدات الكهربائية.

شكل رقم (1) تطور حجم التبادل التجاري بين دول مجس التعاون الخليجي وتركيا للفترة (2015-2022)

مليار دولار

  • المصدر: المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، العلاقات الاقتصادية بين مجلس التعاون الخليجي وتركيا، (مسقط: المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون الخليجي، 2023)، ص. 3.
  • العلاقات الاستثمارية: تأتي دول الخليج في المرتبة الثالثة بين أكبر مصادر الاستثمارات الأجنبية بعد بريطانيا وبولندا. وارتفع حجم الاستثمارات الخليجية في تركيا نحو 8.15 مليار دولار عام 2020م، بما يمثل 1.7% من الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا. ومن المرجح أن يرتفع هذا المبلغ إلى الضعف ليصل إلى 30 مليار دولار على مدى السنوات القليلة المقبلة من خلال الاستثمارات التي تعطى الأولوية لقطاع خطوط كذلك مجالات الطاقة والدفاع والتمويل وتجارة التجزئة

   وقدمت قطر لتركيا أكبر قدر من الاستثمار الأجنبي المباشر بين دول مجلس التعاون الخليجي، حيث استثمرت 9.9 مليار دولار. وتأتي الإمارات في المرتبة الثانية بمبلغ 3.4 مليار دولار، والمملكة العربية السعودية في المرتبة الثالثة بمبلغ ملياري دولار. وتعتبر قطاعات النقل والمواصلات والعقارات والطاقة وصناعة الأغذية الأكثر من حيث التوجه الاستثماري الخليجي في تركيا أما تركيا فقد تركزت استثماراتها في دول الخليج في قطاع المقاولات، كما إن هناك إمكانية وفرص استثمارية في مجال صناعات التسليح والدفاع.

ثانيًا -تطور العلاقات الاقتصادية الخليجية / التركية:

  بدأت العلاقات المؤسسية لتركيا مع دول مجلس التعاون من خلال "الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي " الموقعة في 30 مايو 2005م، في المنامة بالبحرين. وتهدف إلى متابعة مجالات التعاون الاقتصادي. ثم تم التوقيع على مذكرة التفاهم لإنشاء آلية للحوار الاستراتيجي بين تركيا ودول المجلس في 2 سبتمبر 2008م، بجدة. وتمهد آلية الحوار الاستراتيجي الأساس لتعميق العلاقات بين الجانبين في المجالات السياسية والثقافية، بالإضافة إلى التعاون الاقتصادي القائم، وتعتبر تركيا هي الدولة الأولى التي أنشأ معها مجلس التعاون مثل هذه الآلية الثنائية. وفي هذا الإطار، عُقدت خمسة اجتماعات للحوار الاستراتيجي نتج عنها خطة العمل المشتركة 2011-2012م. وانعقد الاجتماع الخامس للحوار الاستراتيجي رفيع المستوى بين تركيا ودول المجلس على مستوى وزراء الخارجية في الرياض 13 أكتوبر 2016م. وتمت مناقشة القضايا المتعلقة بتعميق التعاون في مختلف المجالات. وقرر الوزراء إحياء عمل اللجان الفرعية للتعاون الاقتصادي، وتمديد خطة العمل المشتركة حتى نهاية عام 2018م.

  وبعد سنوات من التباطؤ والتوتر في العلاقات خلال الاضطرابات السياسية بعدد من الدول العربية منذ مطلع عام 2011م، شرعت تركيا عام 2020م، في مبادرة دبلوماسية لإصلاح العلاقات مع الدول العربية بشكل عام ودول الخليج بشكل خاص، وخاصة جمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية والإمارات. ويتمثل السبب الرئيسي وراء اهتمام تركيا المتجدد بتعزيز العلاقات مع دول الخليج في جذب تدفقات رأس المال والحفاظ على إرث أردوغان كزعيم حقق النمو الاقتصادي على مدى العقدين الماضيين، وفي سبتمبر 2022م، أعلنت الإمارات أنها تسعى إلى إبرام اتفاق تجارة حرة مع تركيا، كما أعلنت السعودية وتركيا بعد زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي إلى تركيا في يونيو 2022م، عن توقيع اتفاقات اقتصادية تتعلق بالطاقة والتجارة والسياحة.

  وفي مارس 2023م، تم اعتماد خطة العمل المشتركة بين تركيا ومجلس التعاون الخليجي للفترة (2023 -2027م)، في إطار استئناف الحوار الاستراتيجي بين الجانبين. كذلك جاءت جولة الرئيس التركي في يوليو 2023م، لعدة دول خليجية (السعودية وقطر والإمارات) في مستهل ولايته الرئاسية الجديدة لتؤكد مسار التهدئة مع القوى الإقليمية، وتفتح باب العلاقات على مرحلة جديدة تشكل التعاون الاقتصادي. وكانت الحزمة الجديدة من الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها خلال رحلة أردوغان تركز على الاستثمارات الرأسمالية في الأصول الإنتاجية مثل الأراضي والمصانع والبنية التحتية. كما عقد بإسطنبول في نوفمبر 2023م، المنتدى الاقتصادي الخليجي -التركي الذي شهد تسليط الضوء على الفرص الاستثمارية الواعدة بين الجانبين.

   دخلت العلاقات الاقتصادية بين تركيا ودول مجلس التعاون مرحلة جديدة بعد التوقيع على إعلان مشترك لبدء المفاوضات الرسمية حول اتفاقية التجارة الحرة في مارس2024م، وتهدف الاتفاقية إلى إنشاء واحدة من كبرى مناطق التجارة الحرة في العالم بقيمة إجمالية تبلغ 2.4 تريليون دولار، وتتضمن تحرير التجارة في السلع والخدمات، بالإضافة إلى تسهيل الاستثمارات، وتعد خطوة استراتيجية لتعزيز العلاقات الاقتصادية بين تركيا ودول الخليج في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة بالعالم[i]. وتعكس هذه المفاوضات التحول الأهم في السياسة الخارجية التركية من التركيز الأيديولوجي إلى أولويات الاستثمار والتجارة، وهو جزء من جهد أوسع تبذله حكومة أردوغان لتقليل التوترات ليس فقط مع العالم العربي ولكن أيضًا مع أوروبا والولايات المتحدة، والتي من المقرر أن يزورها أردوغان في منتصف العام الحالي، في أول دعوة له إلى البيت الأبيض منذ عام 2019م. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإعلان عن مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة يأتي في أعقاب الاتفاق الأخير بين تركيا وبريطانيا لبدء محادثات حول اتفاقية تجارة حرة موسعة تشمل السلع والخدمات. وتؤكد هذه التطورات الدور المتنامي الذي تلعبه تركيا باعتبارها لاعباً رئيسياً في التجارة العالمية والتعاون الاقتصادي.

    وتعتبر اتفاقيات التجارة الحرة منفذًا للتجارة الخليجية، إذ تتمتع دول الخليج في المنطقة باقتصادات أكثر تنافسية من حيث أداء التصدير كما إنها قاعدة صناعية متنوعة؛ لذلك هناك عدد لا بأس به من القطاعات التي إذا تم إبرام اتفاقية التجارة الحرة هذه بالفعل، فقد تصبح الصادرات الخليجية أكثر قدرة على المنافسة، كما أنها ستكون فرصة لبعض البنوك الخليجية الرئيسية لتعميق وجودها في سوق كبيرة ومتنامية مثل تركيا، اذ يتمتع المقرضون في دول مجلس التعاون الخليجي، مثل بنك الإمارات ، دبي الوطني ، وبنك قطر الوطني، بوضع جيد نسبياً في تركيا.   ومن الممكن أن يكون للاتفاقية التجارية بين تركيا ودول مجلس التعاون تأثير إيجابي على اقتصادات الشرق الأوسط الأخرى في المستقبل. مثل العراق باعتباره ممر نقل محتمل، يمكنه على وجه الخصوص الاستفادة من التوسع في السياحة وحركة البضائع بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي، خاصة بعد أن أعلن العراق عن إطلاق مشروع كبير للنقل بين الشمال والجنوب يسمى طريق التنمية في مايو 2023م، ويدعو هذا المشروع إلى بناء طريق سريع وسكك حديدية بطول 1200 كيلومتر يمتد من ميناء الفاو التجاري في الخليج العربي إلى الحدود التركية. ومن ثم الاتصال بنظام النقل بين الشرق والغرب في تركيا.

ثالثًا-دوافع إعادة بدء المفاوضات التجارية بين الخليج وتركيا:

  • الدوافع التركية:

      منذ عام 2021م، أعادت تركيا ضبط سياساتها في الشرق الأوسط وخاصة مع المملكة العربية السعودية والإمارات. وسبق إعلان بدء مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الخليجية التركية، إعلان تركيا أنها أبرمت اتفاقيات إطارية للاستثمار الثنائي مع الإمارات وصلت إلى 50 مليار دولار -كما أعلنت عن اتفاقيات مع المملكة العربية السعودية وقطر (لم يتم الكشف عن قيمتها بعد). ويرتكز محور أنقرة لإذابة الجليد مع الدول الخليجية على حسابات ذات شقين تتمثل فيما يلي:

  • المصالح الاقتصادية، وتتمثل فيما يواجه الاقتصاد التركي من ظروف اقتصادية متوترة إلى حد كبير، إذ ارتفعت معدلات التضخم لنحو 3.21% عام 2023م، كما شهدت عجزًا مزمنًا في الحساب الجاري، وانخفضت قيمة الليرة لتفقد 45% من قيمتها أمام الدولار للعام ذاته، وتم استنفاد جزء من احتياطيات العملات الأجنبية التي تشتد الحاجة إليها، كما ارتفعت البطالة إلى 14% وتشير التقديرات إلى أن الزلازل التي وقعت في فبراير 2023م، كلفت تركيا 104 مليارات دولار من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية والخسائر الاقتصادية - أي ما يعادل 12 % من ناتجها المحلي الإجمالي - لذلك تحتاج تركيا إلى تنويع وتعميق شراكاتها التجارية للتعافي الاقتصادي بسرعة. وقد دفعتها تلك الظروف إلى البحث عن منفذ نحو مزيد من الاستقرار ودفع الاقتصاد، فضلًا عن توسيع اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الثنائية الشاملة إلى اتفاقية متعددة الأطراف مع دول مجلس التعاون الخليجي.

   علاوة على ذلك، يتمثل أحد العوامل الدافعة الرئيسية وراء هذا التعاون الاقتصادي أن دول الخليج توفر أسواقًا جذابة للصادرات التركية، كما أنها مصادر للطاقة ورأس المال الاستثماري مما سيساعد على إنعاش القطاعات الاقتصادية التركية وعلى رأسها العقارات والمقاولات والصناعة والزراعة والأغذية وتكنولوجيا المعلومات والمدن الذكية والموانئ، كما تهتم تركيا بجذب الاستثمارات في مجال قطاع الطاقة سواء من ناحية الإنتاج والتصدير والخدمات، وإضافة إلى ذلك تقوم تركيا بالاستثمار في قطاع خدمات الاتصالات المتنقلة واللاسلكية وخدمات الانترنت والتجارة الإلكترونية. كما يمكن أن يأخذ التعاون بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة حيزاً هاماً في التعاون الصناعي بين دول المجلس وتركيا.

   يضاف إلى ذلك إمكانية أن تلعب دول مجلس التعاون دورًا هامًا للدول العربية الأخرى في تنشيط تجارة إعادة التصدير والترانزيت فيما يتعلق بالسلع المختلفة التي تستوردها دول مجلس التعاون والدول العربية والشرق الأوسط من تركيا، حيث يمكن للشركات التركية أن تستفيد من الموقع المتميز لدول الخليج بين قارتي آسيا وإفريقيا، بحيث تقوم الشركات التركية باتخاذ دول الخليج كمحطة رئيسية لتنشيط إعادة تصدير منتجاتها لدول المنطقة وإقامة مخازن استراتيجية لمنتجاتها في دول الخليج، بالإضافة إلى إمكانية تأسيس مراكز تجارية تركية في دول التعاون لترويج وتسويق المنتجات التركية. 

  • مصالح جيوسياسية، اذ تعتبر الشراكات التجارية محاولة نحو تنويع الحلفاء الاقتصاديين والاستقلال الاستراتيجي عن الغرب، كذلك التحوط ضد التغيرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه تركيا وجوار الخليج بعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة وما بعدها، وزادت الحرب في أوكرانيا من أهمية تركيا الجيوسياسية وزودتها بنفوذ في المفاوضات مع أمريكا وحلف الناتو، على أساس نهج يحقق الفائدة للجميع وتطبيق فعلي للشعار الذي ترفعه تركيا "زيادة عدد الأصدقاء وتقليل عدد الخصوم".

   كما جاء تكثيف علاقات تركيا مع دول الخليج مع النهج الاستباقي الجديد للسياسة الخارجية التركية، الذي يتم من خلالها إقامة علاقات اقتصادية وسياسية أعمق مع كل من جيرانها. وكان الهدف الرئيسي لهذا النشاط هو استراتيجية التنويع، فقد سعت تركيا لتقليل اعتمادها على الشراكة مع الغربي الأوروبي، وصياغة سبل جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي مع المناطق الأخرى، وقد أعطى الصراع في غزة لأردوغان فرصة لزيادة الانتقادات لإسرائيل وأمريكا في الجنوب العالمي. علاوة على ذلك، نجح أردوغان في إقناع شريحة كبيرة في المؤسسة السياسية والمجتمع التركي بأن الصراع الإسرائيلي / الفلسطيني يشكل أهمية مركزية لموقع تركيا العالمي وطموحاتها الإقليمية. وفى 3 مايو 2024م، أعلنت تركيا وقف جميع المعاملات التجارية مع إسرائيل.

  • الدوافع الخليجية:
  • الدوافع الاقتصادية: تتطلع دولالخليج للتعاون مع تركيا من أجل المساعدة في تطوير الصناعات المحلية ونقل التكنولوجيا، بالإضافة إلى ضمان وجود أسواق قوية وكبيرة للسلع والخدمات التي توفرها دول المجلس، كما أن هذه الاتفاقيات تأتي ضمن الجهود الرامية إلى تنويع مصادر دخلها واقتصاداتها بعيدًا عن النفط، وبالتزامن مع المناقشات التركية، يشارك مجلس التعاون الخليجي في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع العديد من الدول والمجموعات الإقليمية الأخرى. وتشمل هذه المحادثات مع الاتحاد الأوروبي، والصين، ومفاوضات اتفاقية التجارة الحرة الأخيرة مع المملكة المتحدة كما أن الخليج يرى في تركيا سوقًا واسعًا يضم أكثر من 85 مليون نسمة، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يعتبر منفذًا لأوروبا وآسيا الوسطى.

    ويسهم التعاون التجاري في دفع وتعزيز المجالات الاستثمارية التي يمكن الاستعانة فيها بخبرات تركيا في مجالات تتمتع فيها بميزة نسبية مثل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتكنولوجيا الزراعية. كذلك قطاع الصناعات الزراعية والغذائية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، إذ تعد تركيا من بين الأعلى عالميًا في تحقيقه، وتمتلك المقومات الزراعية والمائية اللازمة لتكون قادرة على توفير الغذاء لدول الخليج التي تعاني فجوة غذائية، وقد بلغت قيمة الواردات الغذائية الخليجية من تركيا 500 مليون دولار عام 2020م، كذلك عملية تملك محافظ العقارات في تركيا التي تشكل سوقـًا جذابـًا، واستغلال المساحات والسواحل البحرية المفتوحة في الخليج لإقامة المشاريع الفندقية والمنتجعات. كما عززت الأرباح من مبيعات النفط والغاز-بعد ارتفاع أسعارهم جراء تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب إسرائيل على غزة، كذلك العمليات في البحر الأحمر -صناديق الثروة السيادية الخليجية التي تتطلع إلى زيادة التجارة غير النفطية وتنويع محافظها إلى استثمارات مستدامة طويلة الأجل مثل الطاقة المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية والسياحة والصناعات التحويلية. يضاف إلى ذلك دعم صناعة الدفاع والتسليح، حيث من المحتمل قيام تصنيع مشترك بين تركيا ودول الخليج، خاصة في مجال تصنيع التسليح والدفاع ومنها صناعة الطائرات بدون طيار.

  • دوافع جيوسياسية: وتتمثل مواجهة الاضطرابات والتحولات المحيطة بدول الخليج العربي في ظل ظروف دولية متوترة ، وتعزيز ثقلها السياسي والاقتصادي والأمني في المنطقة، ورغبتها في أن تكون جزءاً مهماً من القوى المتوسطة الصاعدة ، وكل ذلك يتطلب موازنة تحالفاتها مع مختلف القوى الإقليمية والعالمية مع الأخذ في الاعتبار الطابع الشمولي، خاصة أن فترة عدم الاستقرار في علاقات تركيا مع بعض الدول الخليجية في السنوات الماضية خلقت هامشًا لقوى أخرى مثل إيران لتعزيز حضورها الإقليمي؛ وبالتالي فإن مواءمة السياسات الإقليمية بين تركيا والخليج تساعد في المساهمة في إعادة تحقيق التوازن كما تتفق دول الخليج مع تركيا فيما يتعلق بالاستعداد لاحتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025م، واتباع سياسة خارجية مختلفة في مواجهة في الشرق الأوسط وضرورة التحوط لذلك، فضلاً عن أن دول الخليج لا ترغب في الانجرار إلى الحروب التجارية بين الولايات المتحدة والصين والتي تمتد تأثيراتها لتشمل الاقتصاد العالمي ككل ولكن بشكل غير متكافئ..

    ومن هنا جاء الانفتاح مع تركيا ومراجعة العديد من المواقف والسياسات خاصة في ظل تكامل القدرات الخليجية / التركية في مجالات عسكرية واقتصادية وتنموية. وإذا كان التقارب الاقتصادي التركي الخليجي يخدم مصلحة الطرفين، إلا أنه من المنتظر أن يكون دافعًا لإيجاد مجال مشترك وطرح مبادرات لحل الصراعات في المنطقة بما يحفظ المصالح الاستراتيجية لكل منهما.

 

خاتمة:

   تُظهر التوجهات نحو دعم العلاقات التجارية والاستثمارية بين دول الخليج وتركيا إلى أن كل منهما ينظر إلى بعضهما البعض كشركاء متبادلي المنفعة، ومن الواضح أن هذه الشراكة المتطورة هي وضع مربح للجانبين وفقاً لمبدأ المصلحة المشتركة، كما تربط الجغرافيا المشتركة لتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي ثلاث مناطق فرعية مربحة ــ الخليج، وشرق البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، وهو ما من شأنه أن يساعد تلك الدول على بناء علاقاتها وتعزيز اعتمادها المتبادل. كما يعكس الانفراج التركي-الخليجي الجديد الحاجة المتبادلة إلى فصل العلاقات الاقتصادية عن التوترات الجيوسياسية، كما أنها تشير أيضًا إلى إعادة التنظيم لتقاسم المخاطر السياسية في منطقة مضطربة وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وجاء ذلك في ظل ظروف عالمية مختلفة عما سبق، إذ تتشكل قوى عظمى جديدة لا تتمحور حول الولايات المتحدة فحسب، فنحن نشهد بشكل واضح قوة الصين وروسيا وتوسعات تمت وستتم لعضوية تكتل البريكس شملت السعودية والإمارات، وانضمام دول خليجية أخرى لمنظمة شنغهاي، كذلك العلاقات القوية مع دول رابطة الآسيان ...الخ، وكل ذلك يشير إلى سياسات خارجية خليجية تتجه نحو تنويع التحالفات بما يدعم القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية للمنطقة. وأخيرًا، لا ينبغي النظر إلى الشراكة الجديدة بين تركيا والخليج على أنها موجهة ضد طرف ثالث، إنها حاجة للتوازن والاستقرار الإقليمي قبل أن تكون مصلحة للطرفين.


 

مقالات لنفس الكاتب