array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 197

3 فرضيات خاطئة رسمت توجهات الغرب تجاه روسيا وموسكو أجبرته على إعادة النظر في قناعاته

الإثنين، 29 نيسان/أبريل 2024

حتى نستطيع فهم جوهر الحرب الروسية / الأوكرانية لابد لنا للعودة إلى أصل المشكلة، فهذه الحرب ليست إلا عملية عسكرية محدودة تقوم فيها روسيا على الأراضي الأوكرانية من أجل إجبار الغرب على احترام روسيا والاعتراف بها كدولة عظمى ولها مصالحها وأمنها الاستراتيجي الذي يجب احترامه. وبكل تأكيد كنت قد توقعت أن تقوم روسيا بالضرب على طاولات الدبلوماسية والسياسية إن أرادت الحفاظ على روسيا كدولة بحدودها الحالية وقد حذرت في مقال كتبته في عام 2020م، حيث قلت في مقدمته:

"انتظروا غضب الدب الروسي وردة فعله، عندها سيقف العالم على قدم واحدة، وإذا لم يجرؤ هذا الدب على ضرب الطاولة بقبضتيه وقلبها فوق رأس من يتجرأ عليه، فسنرى روسيا مقطعة إلى أقاليم وجمهوريات مستقلة، على أبعد تقدير في 2025م"

لم تكن توقعاتي عبثية فقد بنيتها على عدة عوامل فالغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ينظر إلى روسيا من خلال ثلاث نظريات يعتمد عليها في سياسته معها.  

النظرية الأولى:

– روسيا بلد ضعيف، مع ديموغرافيا متدهورة، واقتصاد غير فعال ومنهار، ولذلك يكفي فقط الانتظار لفترة أطول قليلاً مع الضغط الخفيف عليها حتى تتابع في هذا الاتجاه، وتسقط بوقت أقل، وعندها ستتقلص جغرافياً واقتصاديا ولن تستطيع أن تكون منافساً جاداً، لأنه لن يبقى لديها أي فرص لذلك. فهي بلد ضعيف ومهلهل ـ حسب الاعتقادات الغربية، لأنهم مقتنعون أن تفكك الاتحاد السوفيتي لم تنته تداعياته التي ستؤدي حكماً إلى تفكك الاتحاد الروسي الفيدرالي أيضاً، والمسألة مسألة وقت لا أكثر وأنه لولا وجود بوتين في السلطة لبدأ التفكك قبل سنوات.

وبالتالي يعتقدون أنهم يمكنهم ممارسة الضغط على روسيا الضعيفة بفرض العقوبات، ويتعمدون عدم احترامها، تمامًا كما لا يتم احترام الضعيف على الإطلاق في الثقافة الأمريكية.

النظرية الثانية:

– روسيا والصين لن تتفقا أبداً، فهما عدوان، وواقع العلاقة يحكمها، تناقضات عميقة وما يحدث بين الزعيمين الصيني والروسي (شي وبوتين) للدعاية وذر الرماد في العيون، فقط لا غير، وبالتالي الولايات المتحدة لا تخاطر بأي شيء، وتستطيع الضغط على الصين وفي نفس الوقت على روسيا، فهما لن يتحدا أبداً، لأنهم أعداء لدودان وسيظهر التاريخ ذلك.

النظرية الثالثة:

– يعتقد الغرب اليوم أن التجربة التي قام بها بدفع الاتحاد السوفيتي للانهيار يمكن إعادتها بنفس السيناريو مع الاتحاد الروسي، والجيل الذي عاش هذه التجربة في الغرب هو الآن في السلطة، وليس لديهم أي خبرة أخرى. لذا قاموا بإعادة إنتاج جميع الآليات التي تم استخدامها ونجحت في ذلك الوقت.

من هنا فإن الغرب لم ينتج أجيال سياسية تختلف عن سابقاتها ومازلت نفس المدرسة القديمة تدير دفة السياسة، وهؤلاء لديهم قناعة راسخة بأنهم يستطيعون إعادة اللعبة من جديد تماماً كما قاموا وقتها بالضغط على النخبة السياسية السوفيتية التي اختارت في نهاية المطاف الاستسلام لهم والجلوس إلى طاولة مفاوضات خاسرة بالنسبة للسوفييت ورابحة للأمريكان، عندما جلس ريغان وهو الأذكى بتقديري إلى طاولة المفاوضات مع غورباتشوف، كان ريغان يعرف تماماً ما يريده وما يمكن التفاوض عليه وما هو الشيء الذي لن يفرط به على الإطلاق، بينما كان غورباتشوف يذهب إلى المفاوضات تائهاً ضائعاً وفي رأسه فوضى عارمة ورغبة وحيدة وهي أن يعجب الغرب به، وأن يدون اسمه في التاريخ كبطل سلام كما كان يعتقد، ومن بعده كلينتون كان يتصرف كما يحلو له مع بوريس يلتسن الضعيف التائه، وهو الذي أعلن الاستسلام و خسارة الحرب الباردة في الكونغرس الأمريكي عندما مد يده للغرب مسالماً ومعلناً بفخر هزيمة الشيوعية (الاتحاد السوفيتي).

الانتقال من الدفاع للهجوم

أتت بوادر الانتقال من الدفاع للهجوم بعد ان فقدت روسيا بقيادة بوتين الثقة بشكل كامل في الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية عبر التهديد غير المباشر قبل بدء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، حيث أن اللهجة الروسية كانت حازمة وللتذكير بهذا الخطاب الموجه للغرب سأذكر بما تم نشره على موقع وزارة الخارجية الروسية بتاريخ 17.12.2021:

المادة 1

يتفاعل الطرفان على أساس مبادئ الأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة، وعدم الإضرار بأمن بعضهما البعض، ولهذه الأغراض، لا تتخذ إجراءات أو تنفذ أنشطة تؤثر على أمن الطرف الآخر، ولا تشارك فيها أو تدعمها؛ ولا يجوز تنفيذ الإجراءات الأمنية التي يتخذها كل طرف بشكل فردي أو في إطار منظمة دولية أو تحالف عسكري أو ائتلاف من شأنه أن يقوض المصالح الأمنية الأساسية للطرف الآخر.

المادة 2

يتعين على الأطراف التأكد من التزام أي منظمة دولية أو تحالف عسكري أو ائتلاف يشارك فيها أحد الأطراف بالمبادئ الواردة في ميثاق الأمم المتحدة على الأقل.

المادة 3

لا يستخدم الطرفان أراضي الدول الأخرى للتحضير أو تنفيذ هجوم مسلح ضد الطرف الآخر، أو أي أعمال أخرى تؤثر على المصالح الأمنية الرئيسية للطرف الآخر.

المادة 4

تتعهد الولايات المتحدة الأمريكية باستبعاد المزيد من التوسع في منظمة حلف شمال الأطلسي في الاتجاه الشرقي ورفض انضمام الدول التي كانت في السابق أعضاء في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية إلى الناتو.

لن تنشئ الولايات المتحدة الأمريكية قواعد عسكرية على أراضي الدول التي كانت في السابق أعضاء في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية وليست أعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي، واستخدام بنيتها التحتية للقيام بأي أنشطة عسكرية، أو تطوير تعاون عسكري ثنائي معهم.

المادة 5

يمتنع الطرفان عن نشر قواتهما المسلحة وأسلحتهما، بما في ذلك في إطار المنظمات الدولية والاتحادات والتحالفات العسكرية، في المناطق التي قد يرى فيها الطرف الآخر تهديدًا لأمنه القومي، باستثناء الانتشار داخل الأراضي الوطنية للأطراف.

تمتنع الأطراف عن تحليق القاذفات الثقيلة المجهزة بأسلحة نووية أو غير نووية وعن تواجد سفن حربية من جميع الفئات، بما في ذلك في إطار التحالفات والائتلافات والمنظمات، في المناطق خارج المجال الجوي الوطني وخارج المجال البحري الوطني، والتي يمكن من خلالها ضرب أهداف على أراضي الطرف الآخر.

يحافظ الطرفان على الحوار والتعاون لتحسين آليات منع الأنشطة العسكرية الخطيرة في أعالي البحار والمجالات الجوية، بما في ذلك الاتفاق على أقصى مسافة لاقتراب السفن الحربية والطائرات.

المادة 6

يتعهد الطرفان بعدم نشر صواريخ أرضية متوسطة وقصيرة المدى خارج أراضيهما الوطنية، وكذلك في المناطق على أراضيهما الوطنية التي تستطيع هذه الأسلحة منها ضرب أهداف على أراضي الطرف الآخر.

المادة 7

تستبعد الأطراف نشر الأسلحة النووية خارج الأراضي الوطنية وتعيد الأسلحة التي تم نشرها بالفعل خارج الأراضي الوطنية وقت دخول هذه المعاهدة حيز التنفيذ إلى الأراضي الوطنية. ستقوم الأطراف بإزالة جميع البنية التحتية القائمة لنشر الأسلحة النووية خارج أراضيها الوطنية.

لا تقوم الأطراف بتدريب العسكريين والمدنيين من الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية على استخدام هذه الأسلحة. ولا يجري الطرفان مناورات وتدريبات للقوات، بما في ذلك سيناريوهات الاختبار باستخدام الأسلحة النووية.

المادة 8

تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ اعتبارًا من تاريخ استلام آخر إخطار مكتوب يفيد باستكمال الطرفين الإجراءات الداخلية اللازمة لذلك.

 

في وقتها قال وزير الخارجية سيرغي لافروف أنه ولاستعادة الثقة فعلى الولايات المتحدة والناتو قبول هذه البنود وإلا سيكون الرد عسكريًا وعسكريًا تقنيًا.

كان الرد الأمريكي استفزازياً حيث ضرب بعرض الحائط كل ما تقدمت به روسيا ولم يتم الاكتفاء بذلك، بل طالبت الولايات المتحدة روسيا بتحريك جيوشها على اراضيها وإبعادها عن الحدود الأوكرانية، وأعلنت أن الناتو حر بضم أي دولة ترغب بالانضمام إليه، وإن هذا الأمر سيادي بالنسبة للناتو والدول الراغبة. ما يعني دعوة للحرب أو العار وترك الخيار لروسيا.

انتظرت روسيا حتى 24.02.2022 حيث قامت القوات الروسية بالدخول إلى الأراضي الأوكرانية ووقف يومها العالم على قدم واحدة ومازال حتى لحظة كتابة هذه السطور مذهولاً.

إذن استفاق الدب الروسي من سباته الشتوي الذي استمر ثلاثة عقود، وأراد ان يدافع عن نفسه ومازال في حالة الدفاع رغم الهجوم.

النتائج بعد مرور أكثر من سنتين تدل على أن الدب الروسي ينتصر فقد اثبت للغرب أن الاقتصاد الروسي صامد حتى الآن، ويتقدم، وإن الذخائر الروسية والصواريخ الدقيقة والفرط صوتية لم تنضب، والأهم من كل ما سبق التفاف الشعب الروسي حول قيادته السياسية والعسكرية.

وبالتالي أعتقد أن روسيا لن تتراجع عن المبادئ التي جاءت أعلاه حتى تحققها، أما أوكرانيا فهي تفصيل بسيط على طاولة المصالح الروسية. فالدبلوماسية لم تعد تحمل نفس المعنى، والسياسة تحولت للأسف الشديد إلى كسر عظام، ففي ظل التدمير الممنهج للقانون الدولي لا شيء يدعو للطمأنينة، بل على العكس تماماً.

وأنا أكاد أقول جازماً أنه كان على روسيا الإعلان عن خطوطها الحمراء ليس في نهاية عام 2021م، بل قبلها بكثير وإذا ما تخطاها أحد عليها الضرب بيد من حديد. فالغرب يفرض عقوبات على روسيا الاتحادية، لأسباب مختلقة ودون أية أدلة، المنظمات والجمعيات والمؤسسات الدولية تحولت إلى أدوات مسيسة وفقدت مصداقيتها، حصار روسيا مستمر منذ مؤتمر ميونخ. وما يشهده المجتمع الدولي اليوم من صراعات ومواجهات، يدفع إلى العودة بالذاكرة إلى عام 2007م، وإلى خطاب بوتين حول قضايا الأمن الدولي، خلال مؤتمر الأمن العالمي في ميونخ، حيث وضع الجميع أمام ضرورة تحمل مسؤولياتهم للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وتجنب الصراعات الطائفية، وأبرز أهمية صيانة المصالح المشتركة لكافة الأطراف، في إطار ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي المعاصر، حيث أكد وقتها على أن روسيا لن تقبل بعالم القطب الأوحد. ورغم تفسيره وشرحه للقانون الدولي وماله من أهمية قصوى في حفظ الأمن والسلام الدوليين، يبدو أن الغرب لم يعطِ أي أهمية لذلك وتابع سياسة العجرفة والفوقية ولم يستوعب الدرس جيداً، ولم يسع إلى الشراكة الحقيقية مع شعوب لن تقبل بعودة سياسة القطب الأوحد لإدارة شؤون المجتمع الدولي، وبالتالي عليه أن يتحمل عواقب اختياره.

موسكو استطاعت حتى اللحظة إجبار الغرب على إعادة النظر بقناعاته الراسخة حول روسيا، فقد أثبتت له أن إحدى الفرضيات الثلاث السابقة خاطئة أو كلها غير صحيحة ولهذا سيبدأ الحديث عن تكافؤ في القوة واحترام المصالح. فقد قامت روسيا ببناء سياستها الخاصة والإعلان بقوة عن خطوطها الحمراء والدفاع عن تلك الخطوط، بناءً على مصالحها الوطنية، واثبتت أن تلك الفرضية لا تعمل، وأنها خاطئة، وذلك بإنتاج نمو اقتصادي واستقلال مالي، الأمر الذي يدفعها لتصبح دولة مستقلة عن كل أنواع العقوبات والضغوط.

القيادة الروسية استطاعت تعزيز الشعور الوطني لدى النخبة وليس فقط عند العامة بحيث حرمت الغرب فرصة التفكير بأنه من الممكن انتزاع بعض الشخصيات من النخبة السياسية المسؤولة في روسيا للعب عليهم وتقسيم المجتمع، وبالتالي انهارت الخطة المبنية على تلك الفرضيات، وسيعيد الغرب حساباته الخاطئة حتماً.

وبالتالي

اقتصاديًا:

نجد اليوم كل هذا الضغط الهائل على روسيا ومن كل الجوانب المؤلمة، عن طريق عقوبات لإخراجها من حلبة التنافس في السوق العالمية.

سياسياً:

خلق بؤر الاضطرابات والتوتر في البلدان المجاورة لروسيا، من خلال استثمار تكنولوجيا "الثورات الملونة"، واستغلال السعي الحقيقي والمشروع للشعوب في بحثها عن الحرية والديمقراطية، وتزكية مشاعر الغضب واستخدام العنف وزرع الفتن الطائفية والعرقية، لتغيير الأنظمة السياسية والتدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، ليس سوى استكمال للسياسات الغربية الرديئة التي تنتهجها الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو، سعيًا نحو الهيمنة وفرض سياسات الأمر الواقع، وسيادة القطب الواحد. وهو ما يتسق تمامًا مع إلغاء الاتفاقيات الخاصة بالأسلحة النووية الصاروخية المختلفة، وآخرها معاهدة ستارت الجديدة، أو عن طريق الحملة المجنونة إعلامياً لشيطنة روسيا وبوتين شخصياً.. وكما قال تشرشل إذا اختار بلد ما العار بدل الحرب، فإنه سيحصل على كل من الحرب والعار معاً.

عسكرة الفضاء

أما فيما يتعلق بالفضاء، وبعد نجاح موسكو بإطلاق أول قمر اصطناعي عام 1957م، ظهر مفهوم الدفاع والهجوم من الفضاء، ومثل هذه المشاريع قد بدأت منذ عام 1960م، باقتراح إنشاء مجمع لاعتراض المركبات الفضائية والدفاع الصاروخي. وبالفعل تم تدمير قمر اصطناعي روسي باستخدام قمر آخر أواخر عام 1971م. هذه البرامج أثارت مخاوف عديدة دفعت إلى إيقاف مثل هذه المشاريع بعدما أطلق الرئيس الأمريكي رونالد ريغان برنامج حرب النجوم لعسكرة الفضاء إبان الحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية. ومع تأكيد روسيا دوماً على معارضتها لنشر أسلحة نووية في الفضاء إلا أن الطرف الغربي يحذر وباستمرار من مخططات موسكو لهذا الأمر.

واليوم تثار ضجة كبيرة حول إمكانية تطوير روسيا لسلاح نووي فضائي رغم النفي الروسي. ولعل تصريحات الخارجية الروسية حول إمكانية اعتبار الأقمار الاصطناعية المدنية والتجارية الغربية أهدافاً مشروعة ـ بسبب استخدامها لأغراض عسكرية ـ هو ما فتح هذا الباب، علماً أن التحذير الروسي كان يقصد منع استخدام الموارد السلمية لأغراض عسكرية.

وبالفعل قامت روسيا بتفعيل نظام تحكم أرضي عن بعد في المركبات الفضائية بما في ذلك التحكم المداري والصواريخ، والذي يمكن استخدامه كذلك في الإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية البالستية، وتحديد التهديدات في الفضاء ومن الفضاء. ومن المنتظر أن يتم نشر 12 مركزاً أرضيًا من الجيل الجديد حتى عام 2025م.

روسيا اختارت الحرب، فقد ردت بقوة وحافظت على استقلاليتها وأعادت هيبتها المفقودة، لأن كل ما يحدث حولها اليوم هو تدريبات لإشعال روسيا من الداخل، وقد فشلت حتى اليوم كل المحاولات التي كانت تخطط لتقسيمها في 2024م، عند الانتخابات الروسية فالطابور الخامس لم يستطع فعل شيء يذكر. فقد تجاوزت نسبة المشاركة الإجمالية في الانتخابات الرئاسية الروسية 77%، وتقدم بوتين في الانتخابات الرئاسية بنسبة تقارب 88% من الأصوات.

من كل ذلك نرى بأن المشهد العام بات واضحاً ومن المستبعد أن يتغير، فروسيا تملك الميزة في الحرب مع الغرب، لا سيما وأن المعركة الحقيقة في هذه الحالة هي الأوضاع الداخلية والاستقرار. وبعد فوز بوتين وتبين مدى جماهيريته الواسعة بات بإمكان موسكو التركيز على الصراعات الخارجية، بينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية لدى الأطراف الأخرى.

وكما بتنا نعرف فلا يمكن التكهن بتصرفات الرئيس بوتين الذي يدهشنا في كل مرة بردود الفعل، وعلى الرغم من أنه من غير المتوقع حدوث تغييرات كبيرة في السياسة الروسية الخارجية إلا أن الحرب الروسية مع الغرب ـ ومنها تلك التي تجري بالوكالة مع أوكرانيا كإحدى ساحات هذا القتال ـ مازالت مستمرة. وروسيا اليوم جاهزة لأي مواجهة مباشرة مع الناتو ولكنها لا تريد هذه الحرب، أما الناتو بقيادة الولايات المتحدة فغير جاهز على الإطلاق، ولذلك نجد تصريحاته المتكررة حول أنه لا يريد المواجهة المباشرة مع روسيا، فالغرب يسابق الزمن ليلحق روسيا في مجال الأسلحة الفرط صوتية، ويلزمه لذلك حسب تقدير الخبراء العسكريين أكثر من عقد من الزمن.

اما روسيا فتتابع الغرب عن كثب وتلعب معه لعبته التي اختارها في أوكرانيا وتنتظر حتى تقتنع الولايات المتحدة أنها تخسر أكثر مما تكسب في حرب البروكسي التي تخوضها مع حلفائها ضد روسيا، وعندها سيكون لكل حادث حديث.

ويجب ألا ننسى ما يدور اليوم من حديث حول طائرات (F16) وتصريحات بوتين حولها أثناء لقائه طيارين عسكريين، إن "المقاتلات يمكنها حمل أسلحة نووية، وسيتعين على موسكو أن تأخذ ذلك في الاعتبار في تخطيطها العسكري" وأشار إلى أنه إذا تم إطلاق هذه الطائرات من أراضي دولة ثالثة فإنها ستصبح هدفًا مشروعًا لروسيا.

 وعلى الرغم من أن روسيا لم تغلق باب الحوار مع أوكرانيا، بل كانت تلك الأخيرة هي من اتخذ قانوناً يجرّم الحوار مع الجانب الروسي، وحتى تكون روسيا مستعدة لبدء الحوار، علينا أن نفهم أن الخصم ينوي الإصغاء إليها. فلا معنى للحديث عن مثل هذه الأمور المعقدة مع دولة غير مؤهلة حتى افتراضيًا للموافقة على مقترحات موسكو.

 إلا أن نقطة التحول على الأرجح ستكون العملية الإرهابية التي وقعت على أطراف موسكو في مركز كروكوس سيتي، ربما بغية تحقيق زعزعة الاستقرار في روسيا ـ كما ذكرت سابقاً ـ سواءً كانت أوكرانيا أم داعش وراءها، فكلاهما أدوات لواشنطن، وفي الحالتين تعلم موسكو يقيناً أن التخطيط والتدبير لهذه العملية يحتاج إلى جهاز استخبارات قوي ما يعني وجود أيد خفية تقف وراء هذا التخطيط. وقد تساءل الرئيس الروسي حول أسباب سعي واشنطن الحثيث لتبرئة ساحة كييف؟ وتساءل كذلك عن رغبة تنظيم راديكالي (إسلامي) بضرب روسيا وهي تعمل على حل القضية المحورية للصراع في الشرق الأوسط؟ ولكنه وعد في الوقت نفسه المواطنين الروس بأن جميع المتورطين من مخططين ومنظمين ومنفذين، سيلقون عقابهم العادل أيا كانوا هم ومن يقف وراءهم.

مقالات لنفس الكاتب