array(1) { [0]=> object(stdClass)#13061 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 197

روسيا تتسلح وأوكرانيا يذبل عودها ويتلكأ الغرب في تنفيذ وعوده ويتعثر الإسناد المالي والتسليح

الإثنين، 29 نيسان/أبريل 2024

ولجت الحرب الروسية – الأوكرانية – الأمريكية - الناتوية عامها الثالث، وبات مآلها قضية جدال سياسي واستراتيجي عسكري وأكاديمي شأنها شأن ما كانت عليه الحال في عامها المنصرم. ويغيب الإجماع على أفق واحد، بل يغلب الترجيح لخاتمة دون أخرى. ولكل صاحب رأي ما يشفع له من الحجج ليدافع عن صواب توقعاته وتكهناته وحدسه. فالتطورات تتدافع. وتارة تسند فرضية هذا الرأي. وتارة أخرى تفنده.

إن الفرض الذي ما كان في خلد أحد أن يقع قد وقع، وهو الأمر الذي يجيز الاجتهاد في العواقب والخواتم للحرب الأوكرانية. لقد كاد أن يكون الرأي الاستراتيجي والسياسي والأكاديمي يتمتع بالصدقية، حتى وإن كانت بقدر دون الكمال والتمام، بأن حربًا عالمية بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة – الغرب، لا نصيب لها من الوقوع في ظل الخيار النووي. وكانت أوروبا الفضاء الاستراتيجي الذي ينعم بالعصمة الأكثر، دون سواه من الفضاءات، ولم تقع فيها، سوى على يوغسلافيا في 1999م، وكان ذلك قراراً أوروبياً صرفاً، بعد أفول الاتحاد السوفيتي، وانكماش روسيا وعجزها.

إن الجدل في أسباب الحرب الأوكرانية لا يشبع أو يغني عن جوع في الوقت الراهن، فالرئيس بوتين له حجته بأن أمريكا – الغرب يهددون البقاء الروسي ويطمعون في موارد روسيا ويزحفون إليها. والحق معه. والغرب يزعم أن روسيا تسعى لعودة نفوذها ودورها وسيطرتها على الفضاء السوفيتي السابق ويسوقون الحجج والشواهد على ذلك.

إن السؤال المركزي هو إلى أين تذهب الحرب في عامها الثالث، ومعها العالم، خاصة نحن شعوب المناطق المحيطية، الذين لا ضلع لهم في الحرب، سوى أن عواقبها تصيبهم.

إلى أين تسير الحرب؟

تفيض الدراسات الاستراتيجية والأكاديمية بالتوقعات والتكهنات والحدس، بل الخيال العلمي أحياناً، وقلما تشح على أصحابها. ففي طرف يجادل البعض أنها حرب بلا نهاية ويركبهم اليأس. وفي الطرف النقيض يقف أصحاب خسارة روسيا، وهؤلاء المفرطون في التفاؤل. وكل في عدله بضاعة. وبين هذين الحدين يعثر المرء على اجتهادات.

لقد حسب البعض أن أوكرانيا كانت على شفا حفرة من دحر روسيا بعيدًا عن أراضيها بعدما شرعت في هجماتها الاستراتيجية المضادة، وتمكنت من استرداد بعض أراضيها التي تحت السيطرة الروسية. فقد مدتها أمريكا وبعض دول الاتحاد الأوروبي والناتو بالأسلحة والتدريب. ثم انتكست. وطفأ الحماس السياسي والإعلامي الغربي. وخابت الأمال بعدما أُعتقد أن ضخ المال والسلاح والخطاب السياسي يتكفل في تحرير الأراضي الأوكرانية.  وكان عام 2023 م، عام إفراط في التفاؤل، كما قال الأدميرال بوير، رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو، ظننا أن تزويد أوكرانيا بالأسلحة والعتاد يضمن نصرها.

وعاد الترويج لاحتمال طرد روسيا من أراضي أوكرانيا في 2024 ذلك أن الاستراتيجية العليا هي بلوغ هذا الهدف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن الخطاب السياسي الغربي يفوح بأن الغرب لن يكّل ويعزف عن دعم أوكرانيا " طالما الأمر استدعى ذلك".

وما كان الفعل كالقول. فقد روج مؤتمر الأمن في ميونخ في 2023 م، فبعدما عجزت أوكرانيا عن تحرير أراضيها بدأت تفقد المزيد، ذلك أن الهجوم الروسي المضاد كان ناجحًا. وظهر من جهة أن روسيا لم تفقد زمام المبادرة. ومن الوهم قياس العمليات في مطلع الحرب مع ما يقع على الأرض الآن. فروسيا تتسلح. وأوكرانيا يذبل عودها. وتستجدي المزيد. ويتلكأ الغرب في تنفيذ وعوده. ويكاد يتعثر الإسناد المالي والتسلحي وتنفرط عقدة وحدة الموقف بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الوقوف صفًا واحدًا وراء كييف. والجدل المحتدم في الكونغرس وتعطيل التخويل للإدارة شاهد صارخ، بل إن الصحافة أخذت تنساق إلى هذا الجدل. فريق مع استمرار الحرب على الرغم من العواقب. وزمرة مع التريث والمراجعة لميدان الحرب وفواعل السياسة الدولية. وبات عسيرًا على أمريكا أن تقود الاتحاد الأوروبي والناتو بيسر، فقد ارتفعت أصوات التذمر من سير العمليات.

وبات الاتحاد الأوروبي يزر العبء الثقيل وحده. وفي مؤتمر ميونخ في فبراير 2024 م، طفح الكيل. فوزير خارجية أوكرانيا قد سأم من سماع الخطاب الأوروبي بلغاته المتعددة في التفاني في دعم أوكرانيا بالمال والأسلحة، فما كان منه إلى أن يبوح ما يختلج في نفسه وحكومته وشعبه " إني أبصر الإرادة السياسية، ولكن يجب ترجمة الإرادة السياسية إلى أفعال." وتعاطف معه رئيس وزراء الدنمارك بقوله " إننا ليس بنا حاجة إلى كلمات أكثر، وإنما نحتاح إلى قرارات. إن أوكرانيا تنتصر في الحرب بالأسلحة. إن الكلمات لاتغني." لقد هزت انتصارات روسيا ثقة الغرب بآمال فوز أوكرانيا.

فما البديل في 2024؟

فطالما أنه لا بصيص أمل في فوز مباشر وسريع لكل من روسيا وأوكرانيا – الغرب، فإما التصعيد. وإما الاستنزاف والإعياء. وإما نفق مسدود.

 إن أمام أوكرانيا- الغرب فرص المناورة في 2024 م، والتصعيد. فالتدريب على الأسلحة الغربية يتقدم والتزود بالأسلحة الحديثة يتصاعد كماً ونوعاً. ولكن التصعيد لا يمكن أن يكون طليقاً من القيود. وهذه هي المعضلة. فهل التصعيد يغير ميزان القوة أم لا. إن التصعيد يراد به ثني الخصم عن التصعيد ودفعه إلى المستوى الذي لا طاقة له على مجاراة خصمه في سلم التصعيد، سواء في الهدف السياسي والهدف الميداني أو نظام السلاح. وتشهد الحرب علامات التصعيد على جميع هذه الدرجات. ولم يأت التصعيد بالمراد منه الإتيان به وهو هزيمة روسيا، أو أوكرانيا، أو وقف إطلاق النار، أو الجلوس على طاولة المفاوضات.

إن التصعيد الأوكراني ليس خياراً مفتوحاً. لقد عرفت الحرب العراقية /الإيرانية ضربًا من استراتيجيات التصعيد لثمان سنوات حتى آلت إلى الإرهاق والاستنزاف فأذعنت إيران إلى تجرع " السم الزعاف". إن الحرب في أوكرانيا لا يسري عليها منطق وديناميكية مثل هذه الحرب. أولاً، إنها روسيا. ثانيًا، لها من يناصرها، كل بقدر وضرب من القيد على حرية التصعيد الأوكرانية الغربية.

العامل الحاسم في التصعيد هو الخيار النووي.

لقد امتازت هذه الحرب في خطاب استراتيجي وسياسي في أنه يطرق باب الخيار النووي. لقد شهدت العلاقات الدولية في العصر النووي مشاهد حامَ حولها شبح التصعيد النووي. ففي الحرب الكورية 1950- 1953م، روج عسكريون أمريكيون ضرب كوريا الشمالية نوويًا بعد تدخل الصين. وفي الأزمة النووية الكوبية في 1962 م، لم يكن الجدل الاستراتيجي والسياسي غافلًا لخيار الضربة النووية. وفي النزاع الحدودي بين الصين والاتحاد السوفيتي في نهاية الستينات راود خرتشوف والكرملين ضربة نووية تكتيكية ضد الصين، بل وحتى في الحرب بين إسرائيل والعرب.

وما يثير القلق في الحرب الراهنة أن الخطاب السياسي من أعلى السلطات يأتي على الخيار النووي في سياق التصعيد. وقد جاء رد الرئيس بوتين على ذلك في أكثر من مرة. ولم يبخل في الوضوح. وأكد أن أمن روسيا الوجودي إذا أصبح مهدداً فلا مفر من اللجوء إلى السلاح النووي التكتيكي. وهنا يضع هيبته وصورته لنفسه ومنزلته تحت الاختبار في حالة أن قوله أو تهديده يفتقر إلى الصدقية. وكان قد أشار إلى ذلك في أيام قبل الانتخابات. وقد أردف بعد ذلك " بأنه ليس هناك من حاجة إلى ذلك". ولكن قال إن الحرب تدنو بالعالم على هذه الحافة. ويتعذر تحديد كم هي قريبة أو بعيدة. الرأي عندي أن بوتين لا يخوض في سجال سايكولجي مع أمريكا- الغرب أوترويجي في الساحة الروسية لانتخاباته لفترة قادمة أو تليها.

إن الخيار النووي في سلم التصعيد لا يلوح قريباً. فالطرفان لديهما البصيرة السياسية والاستراتيجية والقدرات. ويواجهان روافع ضغوط محلية وإقليمية ودولية مما يحعل التصعيد تقليديًا، ولكن بمستويات تتباين مع التطورات على الأرض، والبيئة المحيلة، والإقليمية، والدولية. إن المراد من التصعيد ليس هزيمة أوكرانيا بسقوط نظامها ومجيء نظام موالي لروسيا، وليس هزيمة روسيا وإخراجها من الأراضي الأوكرانية.

إن غرض التصعيد دفع الخصم إلى تقديم التنازلات، ورجحان الطاولة على ميدان القتال، وعلوية المنطق والحجة على السلاح. ويعمل التصعيد عمل صنع أجندة التفاوض.

عام الطريق المسدود

إن عام 2024 م، هو عام يوحي بأن الحرب تدب في طريق مسدود. وإنه لا بصيص نور في النفق. فروسيا تعزز دفاعاتها في المناطق التي عادت واحتلتها وتوسعت فيها بعد انسحاب القوات الأوكرانية منها. والرأي هو أن ذلك استعدادًا للهجوم الغربي المرتقب، شريطة أن يغذي الغرب أوكرانيا بكل احتياجات نجاح الهجوم المضاد، ولكن روسيا تقوم باتخاذ التدبيرات اللازمة لصد مثل هذا الهجوم. وتبقى المراهنة على فرضية أي من الطرفين سوف يفلح في تحقيق انتصارات في الميدان، وبأي كلف بشرية ومادية يتعذر وزرها، تفضي إلى تغيير في المواقف السياسية في اتجاه طاولة المفاوضات.

ولا جرم أن الغرب بقادر على إحداث تغيير في واقع الميدان، لكنه لن يحسم الأمر بإرغام روسيا عن التخلي عن أهدافها أو حرمانها من قدرة شن الهجوم المضاد. وهكذا، تصبح الحرب في طريق مسدود، تعرض – دفاع وتعرض – دفاع- على نمط متواتر، ولكن من غير المحتمل أن يكون بذات الزخم والنتائج الميدانية والسياسية والنفسية ترغم أي من الطرفين على المساومة. الأرجح سيؤول الحال إلى وضع شبه ثابت، دون تغيير استراتيجي في الميدان. وطالما أنه لا يحصل ذلك، فإن الدبلوماسية أوالسياسة لن تفعل فعلها.

إن حالة الانسداد لا تعني أن الأزمة أصبحت متجمدة. فثمة مشاهد من الممكن أن تنجم بسبب انعطافات غيرحربية. إن التماسك الغربي آخذ بالتآكل. فثمة شروخ طافحة وتتوسع وتتعمق على أكثر من صعيد. إن الوضع في أوكرانيا قد يجنح نحو التوافق بسبب وطأة الحرب. والحال في روسيا يختلف. إن المساعدات الغربية لا تغير معادلة القوة لصالح أوكرانيا. فقد عول على معول العقوبات بأنه سيرغم روسيا على تغيير أهدافها، لكنها لم تأت بالمراد. وظُن أن روسيا ستكون معزولة. ولم يقع ذلك. إن لها من المناصرين السياسيين كالصين، ولها الداعمون حربيًا ككوريا الشمالية وإيران. وهناك محايدون.

إنه لا طرف له القدرات على إنهاء الحرب لصالحه. ولكل حرب نهاية. فلا مفر أن يذهب النزاع في أحد اتجاهين. إما حرب طويلة الأمد، وهذا احتمال ضعيف، وإما التوافق. وهذا الأرجح. ويعود ذلك إلى تغيير المعطيات الميدانية والسياسية المحلية في أوكرانيا، أكثر مما هو في روسيا، وإلى ما يجري في جبهة الغرب.

إن 2024 م، قد تكون نهاية استراتيجية الثلاثي: بايدن – بلنكن- سوليفان. ومن العصي بمكان حدس ما يكون عليه الحال في إدارة ترامب، فحتى لو حملنا عباراته النارية على إنها من زاد مفردات استراتيجية حملته الانتخابية، فلا يصح استبعاد الصواب عن بعض منها. إن مواقف الكونغرس من الحرب سوف لن تكون مطاوعة لأهواء زيلينسكي والأوكرانيين. فكما يقول ترامب إنه سوف لن يجد سوقًا ليبيع فيه بضاعته ويجني المليارات.

إن الناتو سوف لن يكون متماسكا.  كما هو عليه الحال الآن في ظل حالة الوضع القائم الساكن نسبيًا في مستوى العمليات الحربية. إن دعاة التصعيد في أنظمة التسليح، بل تفضيل إرسال قوات من الناتو إلى الميدان، كذاك الذي ما انفك ينادي به الرئيس ماركون، لا يجد آذانًا صاغية ومستجيبة من كل الأطراف.

إن الناتو في إدارة ترامب سوف يكون تحت وطأة اختبار حرج. ومن الراجح أن يذعن إلى خيارت ترامب، وقد فعل ذلك من قبل في تخصيص نسب الإسهام في ميزانية الحلف.

إن الإعياء يطفح في جبهة أوكرانيا أكثر مما في روسيا.

وإن التصعيد بدون سقف معلوم ليس من خصائص هذه الحرب، لذا لا يرغم على التوافق لغير صالح روسيا. إن التنازلات من أوكرانيا هي التي تأخذ بالطرفين إلى طاولة المفاوضات.

وهكذا، لعل عام 2024م، تكون فيه حظوظ التوافق أكثر احتمالاً من حالة الحسم بالانتصار أو التصعيد أوالانسداد أو الحرب الجامدة أو الطويلة.

النظام العالمي وحرب أوكرانيا

لم تلح فرص إيجابية في تغيير النظام الدولي بعد أن شاع الطرح الأيديولوجي بأن العالم أضحى عالم ما بعد الحرب الباردة، وأن المسار إلى مستقبل جديد لنظام عالمي ليبرالي- ديمقراطي- عادل فيه يعلو الحق على جبروت القوة. ولكن سرعان ما تبدد الفرض. فجنحت الولايات المتحدة إلى بسط نفوذها وسيطرتها وهيمنتها كونها تجسد المُثل.

وبزغت احتجاجات إيديولوجية وعملية عثرت لها في الصين وروسيا وبعض من الدول النامية وشعوبها على مساند لتاخذ بالنظام الدولي إلى غاية أنبل وأصدق وأعدل من تلك التي أرادها الغرب. ومع ذلك، لم يكن السير في ركب التحول في طينة النظام الدولي بخطى سريعة وعلامات فارقة. إن منظمة شنغهاي للتعاون وبركز، وما تبقى من عدم الانحياز، كلها لا ناتو لديها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لا قوة كبرى نووية تقدم على التدخل بالقوة ومن طرف واحد وبالحرب الاستباقية كالولايات المتحدة ومناصريها من حلفاء وشركاء.

إن حرب أوكرانيا قد يسرت فرصاً في تحول النظام الدولي. إن نظام الليبرالية الجديدة لما بعد الحرب الباردة في مرحلة انحسار سريع. إن العالم قد أصبح أكثر انقسامًا. وتغيرت خارطة الاصطفاف. وإن أمريكا خسرت قدرة التحشيد طواعية أو مجاني، كما حصل في الحرب على العراق، ومن قبله في يوغسلافيا.

لم تعد التعددية في النظام الدولي فرضًا نظريًا وطموحًا بل إنها قد ضربت في الأرض. وإن صورها التطبيقية شاهدة للأعين. فقد كشف طراز التصويت في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة على الحرب في أوكرانيا إن زعم الغرب أنه يقف مع الحرية والعدل لا يعثر له على واثقين به ومؤيدين له.

إن حرب أوكرانيا تعزز الراي القائل إن تدبر السياسة الدولية لا يصح أن يترك لسياسة القوة والأحلاف، بل أن تكون الأمم المتحدة هي المنصة لتسوية الخلافات والنزاعات. فنحن شعوب الدول النامية كفانا التوسل إلى آلية التوازن بين كفة وأخرى. إن مصلحتنا، كما يتضح من سلوكنا في حرب أوكرانيا، عالم متعدد الأقطاب نحن فيه نمثل قطباً. فالراجح أن العالم سوف يكون مشحونًا بنزاعات كما في فلسطين، وفي أزمة تايوان، والنزاع على بحر جنوب الصين، والكوريتين، تطفح في بيئة الحرب في أوروبا.

إن الانشغال بالحرب في أوكرانيا قد يدفع بالقوى المتنافسة في مناطق النزاعات إلى تفجير الأوضاع طمعًا في فرض صيغة معينة للتسوية لصالحها. إن الحرب الإبادية التصفوية في غزة قد أُغفلت لأن الرأي العام العالمي، الموجه بأذرع إسرائيلية – غربية، تمضي دون قيود عليها سوى الاحتجاجات العفوية. وقد تندلع أزمة في شرق آسيا وبحر جنوب الصين.

فرص العالم العربي

إن وقع الحرب في أوكرانيا على الأقطار العربية من الناحية الاقتصادية غير متوازن. فالدول العربية النفطية غنمت منها من حيث إن سوق الطاقة العالمي قد ارتبك بسبب العقوبات على روسيا وما ترتب عليه من ارتفاع في الأسعار، أما الدول غير النفطية فقد تعمقت محنتها الاقتصادية في ارتفاع أسعار الطاقة والسلع الغذائية وأمن الغذاء.

لقد أثرت الحرب في جيوبولتكس الشرق الأوسط. لقد كان مجالاً متاحًا لحركة السياسة الأمريكية بالضغط والإغراء والابتزاز ولا يعترض حركتها إلا القليل من الروادع. لقد تحول إدراك القيادات وصناع القرار في تقييم قدرة ودور الولايات المتحدة في رسم سياسة الإقليم.

توسعت مساحات المناورة للعواصم العربية، وكذلك أصبحت أدواتها في التأثير في القرار الأمريكي أمضى، وهذا لا يعني التمرد على واشنطن. فالروافع بيدها ما تزال فاعلة ومؤثرة. ولكن في وسع العواصم العربية أن تطالب بتكييف المواقف الأمريكية في قضايا مركزية كالقضية الفلسطينية وأمن الخليج العربي والمسألة النووية الإيرانية.

لقد كان القادة العرب أكثر تحوطًا وخشية من اغتنام الفرص وتفعيل روافعهم، فأصبحوا أكثر إقداما وجاهزية لوزر بعض العواقب السلبية لسلوكهم. لقد اتخذوا سلوكًا تصويتيًا في الأمم المتحدة فيه مغازي كثيرة. فقد أظهروا قدرة على استدامة موقف الحياد. وكذلك المناورة ما بين تصويت " مع" و "ممتنع" في قرارات ذات علاقة بروسيا. وإنها رسائل استنكار للازدواجية بين الموقف من غزة وأوكرانيا. وقد كان الموقف من روسيا أكثر تماسكًا، باستثناء الكويت وقطر. وعدلوا عن اتباع أمريكا في تنفيذ العقوبات على روسيا. ويرجح عند الدول العربية التوازن ما بين أوكرانيا وروسيا، وبادرت الجامعة العربية في محاولة للوساطة.

 إن رفض السعودية الامتثال إلى طلب واشنطن في رفع القيد على سقف إنتاج النفط له أكثر من مغزى. إن الرياض لم تعد مصفدة بالاعتمادية الأمريكية. إن التوافق مع روسيا في سياسة الطاقة، وهي الخصم والعدو الحربي لأمريكا والغرب، ضرب من استقلالية تدل على أنها فاتحة لقرارات مستقلة في بيئات دولية وإقليمية في المستقبل. إنها تضع الفواصل بين المصالح الأمريكية والسعودية. فالحرب في أوروبا. والمتحاربون أوروبيون. وإن انعكاساتها محدودة. وإن واشنطن لم تعد معصومة من تأثير الضغط والتحدي من الدول العربية. وإن سياسة واشنطن في العالم العربي ليس تحددها المصالح الأمريكية وحليفتها إسرائيل وحسب، فشركاؤها وحلفاؤها العرب لهم مصالح كذلك. إن صيغة السلام والاستقرار والأمن والتنمية مطالب عربية ولهم رؤيتهم في صوغها وتنفيذها. إن سلوك الأقطار العربية في حرب أوكرانيا علامة صارخة بأن النفوذ والدور الأمريكي- الغربي في انحسار.

وصفوة القول، إن فرص التحرك العربي تتزايد. والأمر يتطلب حسن التدبر.  وتبني موقف عربي متماسك. وأجندة مصالح قومية، لا قطرية. وصوغ استراتيجية. والتزام بتنفيذها.

مقالات لنفس الكاتب