array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 197

اعتماد الدول على الذات في اقتصاداتها وتوسع التحالفات الدولية وظهور تحالفات جديدة

الإثنين، 29 نيسان/أبريل 2024

مع نهاية العام الثاني ودخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الثالث ما زالت تداعياتها على الاقتصاد العالمي واقتصادات الخليج قائمة وإن خفت حدتها في الآونة الأخيرة نتيجة لــتأمين دول الاتحاد الأوروبي للنفط والغاز بديلاً عن موارد الطاقة الروسية من خلال الشراكات مع الولايات المتحدة والنرويج والجزائر ودول مجلس التعاون، وكذلك اتفاق البحر الأسود الذي بموجبه تصدير السلع الزراعية الأوكرانية للدول الأخرى، علاوة على قيام الهند وأستراليا والأرجنتين بزيادة حجم إنتاجها الزراعي والاستفادة من ارتفاع الحبوب، حيث تم تغطية العجز الذي حصل  بعد امتناع العديد من الدول من استيراد القمح والذرة من روسيا.

 سنتناول في هذا المقال التأثير الاقتصادي للحرب الروسية الأوكرانية، سواء كان هذا التأثير على الاقتصاد العالمي، أو اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، مع توضيح مدى تأثير هذه الحرب على التكتلات الاقتصادية الكبرى التي تكون روسيا عضواً فيها ومنها تجمع بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون، وما هو موقف دول مجلس التعاون الخليجي حال تفعيل دور هذه التكتلات أو تشابكها مع السياسة وظهور تحالفات جديدة، مع توضيح مستقبل إمدادات الغذاء والطاقة في حال استمرار هذه الحرب مع الأزمات التي تضرب القرن الإفريقي والبحر الأحمر وتأثير ذلك كله على سلاسل الإمدادات العالمية وطرق النقل البحري.

أولاً- تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على الاقتصاد العالمي:

1- التأثير على أسواق الطاقة العالمية:

   أحدثت الحرب الأوكرانية الروسية سلسلة من الصدمات في أسواق الطاقة العالمية والعلاقات الدولية في تلك الأسواق، بما في ذلك سوق النفط. ففي بداية الأزمة، أنخفض إنتاج الخام الروسي بنحو مليون برميل يومياً، وبخلاف معظم التوقعات، أثبت الإنتاج الروسي مرونته وتعافيه بشكل سريع، حيث نجحت الشركات الروسية في إيجاد مشترين جدد لصادراتها من خارج الدول الصناعية الكبرى بأسعار منخفضة، وعلى وقع تلك المعطيات كان الانخفاض في الإنتاج الروسي محدوداً، حيث أنخفض في ديسمبر 2022م، بمقدار 230 ألف برميل ليصل إلى 10.8 مليون برميل مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة خلال الفترة (يناير- فبراير) 2022 م، البالغة 11 مليون. ورغم أن غالبية التوقعات تشير إلى انخفاض إنتاج النفط الروسي عام 2023، غير أن ذلك قد يكون أقل من المتوقع، في ظل استمرار تدفق الصادرات الروسية المنخفضة الثمن إلى الوجهة الآسيوية.

  أما فيما يتعلق بصادرات النفط الخام الروسية، فقد انخفض متوسطها السنوي إلى أقل من (3) مليون برميل للمرة الأولى، غير أن متوسطها خلال الفترة (مارس – ديسمبر 2022) بلغ (3.4) مليون برميل وهو مستوى مرتفع بشكل هامشي قياساً بمستوى (3.3) مليون برميل قبل بداية الأزمة. فالعقوبات المفروضة على روسيا جعلت أوروبا تعتمد على دول الشرق الأوسط لاسيما الدول العربية والولايات المتحدة لتوفير احتياجاتها من الطاقة. وساهمت الأزمة الروسية الأوكرانية بشكل نسبي في تراجع معدل نمو الطلب العالمي على النفط عام 2022م، حيث تأثر الطلب سلبياً بارتفاع أسعار النفط الناجمة عن الأزمة، ليبقى الطلب أقل من مستوياته المسجلة قبل جائحة كورونا. كما أدت الأزمة الروسية الأوكرانية إلى ارتفاع مخزون النفط العابر للموانئ في تغيير مسار التدفقات التجارية. ولجأت الولايات المتحدة إلى استخدام مخزوناتها النفطية الاستراتيجية كأداة لإدارة السوق النفطية، من خلال عمليات السحب التي أجرتها من تلك المخزونات بالتعاون مع باقي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ولم تكن أسعار النفط الخام بمنأى عن تداعيات الأزمة الروسية، فقد شهدت تقلبات حادة في مستوياتها، فخلال مارس 2022 اقتربت أسعار عقود خام برنت من حاجز 140 دولار للبرميل، وتخطت أسعار عقود خام غرب تكساس مستوى 130 دولار، وهي أعلى مستويات لها منذ يوليو 2008م.

2- تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على القطاع الصناعي:

  تتفاوت الآثار الاقتصادية للحرب الروسية / الأوكرانية من بلد لآخر، ومن صناعة لأخرى وذلك طبقاً للبنيان الاقتصادي لكل بلد وحجم علاقاته التجارية مع روسيا وأوكرانيا، حيث يعتمد عدد هام من البلدان ومنها دول مجلس التعاون على الواردات من الدولتين في سلاسل التوريد لاسيما من الحديد والمعادن مما يؤثر في العديد من سلاسل القيم الصناعية التحويلية ذات الصلة.

 ومن بين الصناعات التي تأثرت وبشكل كبير ومباشر، صناعة مواد البناء والتشييد وذلك نتيجة الارتفاعات المتتالية في أسعار مواد البناء المختلفة وعلى رأسها أسعار الحديد الذي ارتفع سعره بنسب تراوحت بين 17و47%، نتيجة تأثر سلاسل الإمداد العالمية بعد التوقف التام لمصانع الصلب الأوكرانية وتوقف الشحن من موانئها وحصار روسيا الاقتصادي خصوصاً وإن إنتاج الدولتين يقترب من (100) مليون طن وهو الثالث عالمياً بعد الصين والهند.

شكل (1) حصة روسيا وأوكرانيا من الصادرات العالمية لبعض السلع خلال العام 2022

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على:

International Trade Centre, World Trade Organization, Information Base, 2023 

    كما شهدت صناعة الأسمنت تقلبات كبيرة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية بسبب تراجع تزويد مختلف المدخلات الرئيسة وارتفاع تكاليفها، بما في ذلك أسعار مصادر الطاقة الرئيسة كالفحم، حيث تعتبر روسيا ثاني أكبر مصدر للفحم بعد الولايات المتحدة وتساهم بحوالي (8%) من الإنتاج العالمي من هذه المادة التي تعتبر المصدر الرئيس للوقود المستخدم في الإنتاج، مما أثر في الواردات والأسعار وساهم بالتالي في زيادة الأعباء على هذه الصناعة بصفة عامة.

   ومن ناحية أخرى، تُعد روسيا أكبر مصدر للأسمدة في العالم، حيث تشكل حوالي (14%) من الصادرات العالمية، وقد نتج عن الحصار الذي فرض على الصادرات الروسية اضطراب كبير في السوق العالمية نتج عنه ارتفاع قياسي للأسعار لاسيما مع تأثرها بمتغيرات أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي، حيث ارتفعت أسعار فوسفات ثنائي الأمونيوم بأكثر من ثلاثة أضعاف وأسعار صخور الفوسفات بأربعة أضعاف تقريباً، مما انعكس سلباً على الإنتاج الزراعي خاصة والأمن الغذائي عامة.

أما على مستوى الصناعات الغذائية فقد تأثرت بدورها نظراً للدور الذي تلعبه كل من روسيا وأوكرانيا في أسواق الغذاء العالمية، حيث يُعدان البلدان منتجان رئيسان للقمح والشعير والذرة إذ يبلغ متوسط حصة إنتاجهما نحو 24%و22% و14% على التوالي، وكلاهما يمثلان نحو (56%) من إنتاج زيت عباد الشمس، حيث تُعد أوكرانيا المصدر الرئيس والأساسي لهذا الزيت في العالم. كما ساهم أيضاً نقص توفير مستلزمات الإنتاج سواء الزراعية أو من المواد الخام نتيجة تفاقم نقص سلاسل التوريد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن، في تعطل الإنتاج في عدد من المصانع العربية وعدم اشتغالها بطاقاتهم الإنتاجية الكلية، فيما التجأت بعض المصانع الأخرى على تعليق الإنتاج مؤقتاً والاعتماد على بيع المخزونات وذلك سعياً لمواجهة التكاليف المرتفعة لاسيما المتعلقة بالطاقة.

3- تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العالمي

شهدت الاقتصادات العالمية في الربع الأول من 2022 م، تعافياً من آثار جائحة كورونا، وبدأت سلاسل التوريد العالمية في التحرك نحو إعادة ربط دول العالم ببعضها البعض، وإعادة توصيل المنتجات إلى الأسواق المستهلكة، بيد أن اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية جاء ليزيد من معاناة الاقتصادات العالمية ويضيف لها أزمات جديدة في نقص الغذاء العالمي وارتفاع أسعار السلع الأخرى، بسبب أهمية الدولتين في السوق العالمي للسلع الزراعية، حيث تصدر الدولتان نحو ثلث الإنتاج العالمي من القمح والشعير، وأكثر من (50%) من زيت دوار الشمس، وحوالي 12% من صادرات الذرة العالمية، فيما تعتبر روسيا أكبر منتج عالمي للأسمدة.

   ومع نهاية عام 2022 برزت بصورة واضحة آثار الحرب الروسية الأوكرانية، والتي تمثلت في التعثر والاختناقات في سلاسل الإمداد العالمية، وتأزم الأسواق العالمية، وكانت النتيجة المباشرة لذلك الارتفاع الكبير في معدلات التضخم لاسيما أسعار المواد الغذائية في جميع الدول بمختلف مستوياتها الاقتصادية، ولكن تفاوت مدى تأثر الدول بارتفاع أسعار المواد الغذائية، والمُحدد الرئيسي هو مدى اعتمادية الدولة على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من الغذاء، فمن المتوقع أن وفرة الإنتاج والمخزون والاحتياطي ستساعد الدولة في تخفيف الآثار السلبية للحرب وتقليل حدة ارتفاع الأسعار في الأجل القصير. أما في الأمد الطويل وفي حال استمرار الحرب، فإن نقص السلع وارتفاع أسعارها يُعد نتيجة حتمية.

   ونظراً لاعتماد غالبية الدول العربية على استيراد السلع الزراعية والمواد الغذائية لتوفير احتياجات سكانها، والاعتماد بشكل متزايد على استيراد السلع الزراعية (القمح والذرة) من روسيا وأوكرانيا، فقد تأثرت الدول العربية ذات الدخل المنخفض والمتوسط بدرجة كبيرة في صور نقص السلع من الأسواق وارتفاع أسعارها بدرجة تخطت قدرات مجموعة كبيرة من المستهلكين، بينما استطاعت الدول ذات الدخل المرتفع ومنها دول الخليج العربي من تخطى تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على أوضاع الأمن الغذائي فيها وذلك لامتلاكها الخزين الاستراتيجي من الغذاء، علاوة على تأمين احتياجاتها الغذائية من مصادر بديلة.

ثانياً- تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية على اقتصادات الخليج:

بالرغم من التأثيرات السلبية التي تسببت فيها هذه الحرب على القطاعات الاقتصادية كافة، إلا أن دول مجلس التعاون تمكنت من تحقيق إيرادات هامة من ارتفاع أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية نتيجة تزايد الطلب العالمي عليه لاسيما مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية، حيث بلغ متوسط سعر برميل النفط في عام 2022 م، حوالي 100 دولارًا للبرميل مقابل (69.9) دولارًا في عام 2021م، فيما ارتفع إجمالي إنتاج النفط العربي بنحو 13%. وقد استفادت الدول العربية المُصدرة للنفط والتي تبلغ حصة صادراتها على مستوى العالم (30.2%)، من إيرادات وعوائد مالية هامة وكانت فرصة لدعم واستكمال مشروعات التنمية في تلك الدول لا سيما على صعيد دفع الاستثمارات في مجالات عدة. كما شكل أيضاً فرصة للدول الخليجية المنتجة للغاز على غرار قطر من كسب أسواق جديدة خاصة مع سعي الاتحاد الأوروبي عن مصادر غاز أخرى مما مكنها من تسجيل رقم قياسي في صادرات الغاز الطبيعي لعام 2023م، بلغ حوالي (80) مليون طن متري، كما استفادت الدول الخليجية المنتجة للنفط من مقاطعة الاتحاد الأوروبي للنفط الروسي، الأمر الذي مكنها من زيادة تصديرها مما ساهم في مساهمة الصناعات الاستخراجية في الناتج المحلي الإجمالي الخليجي في العام 2022م، الأمر الذي ساهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي في جميع دول المجلس.

شكل (2) معدل النمو الحقيقي في الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون لعام2022

المصدر: من عمل الباحث بالاعتماد على: صندوق النقد الدولي تقرير آفاق الاقتصادي العالمي 2023

كما استفادت دول مجلس التعاون الخليجي من تداعيات الحرب الأوكرانية الروسية، حيث ارتفع حجم الفائض في ميزان الحساب الجاري في جميع الدول وذلك نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز وزيادة حجم المبيعات منهما لسد النقص في النفط والغاز الروسي الذي كان يصدر إلى دول أوروبا.

شكل (3) الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي

2021و2022

المصدر: من عمل الباحث بالاعتماد على: صندوق النقد الدولي، تقرير آفاق الاقتصادي العالمي 2023

    وفي ظل حالة عدم اليقين الكبيرة التي تشوب هذه الحرب وما يمكن ان يتسبب فيه طول أمدها أو اشتداد حدتها في قوع أضرار أكبر بكثير مما هو عليه، لاسيما بالرجوع إلى الانعكاسات الحالية على سلاسل توريد المدخلات الصناعية عالمياً وما تسببت به من تعطل كبير لسلاسل التوريد وشبكات الإنتاج، ينبغي للدول الخليجية مراجعة السياسات والاستراتيجيات المتعلقة بربط الصناعات الوطنية بسلاسل التوريد العالمية لتكون جزءًا منها

ثالثاً- تأثير الحرب الروسية الأوكرانية على التكتلات الاقتصادية الكبرى

   يتفاوت إثر الحرب الروسية الأوكرانية على التجمعات والتكتلات الدولية من منظمة لأخرى، فتأثيرها على منظمة الآسيان غير ملحوظ في الكثير من الملفات، رغم تمتع أعضائها بإمكانات اقتصادية وبشرية هائلة، حيث تمثل نحو (44%) من سكان العالم وأكثر من (30%) من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبالرغم من أن الكتلة لديها أيضاً إمكانات كبيرة مع انضمام المزيد من الدول كأعضاء جدد، لكنها تبقى اقتصادات متنافرة في ظل وجود اقتصادات مافيوية كالاقتصاد الروسي والإيراني، وأن المنظمة تهيمن عليها الصين وروسيا. وتعتبر روسيا آسيا الوسطى مجال نفوذها التقليدي عبر قرون، لكن الدور الاقتصادي لبكين في هذه المنطقة يتوسع بشكل مطرد مما أكسبها نفوذاً سياسياً كبيراً أيضاً على حساب النفوذ الروسي.

  وتجدر الإشارة إلى أن من أكبر التحديات التي تواجه منظمة شنغهاي يتمثل في التوصل إلى تفاهمات بين المصالح السياسية المختلفة للدول الأعضاء فيه، وكذا التعقيدات الإقليمية في بعض المناطق. كما يرى الكثير من الخبراء والمفكرين صعوبة تحول منظمة شنغهاي لتحالف قوي يدعم روسيا نظراً لتنوع شراكات دول آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط مع دول العالم لاسيما مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبقي الاقتراح الصيني الذي أعلن عنه قبل عقدين من الزمن بإنشاء منطقة التجارة الحرة بين دول منظمة شنغهاي للتعاون مجرد حبر على ورق.

    أما فيما يتعلق بتحالف "تحالف بريكس" الذي يُشكل سكانه (45%) من سكان العالم وتنتج دول ثلاثة في التجمع هي السعودية والإمارات وإيران نحو (44%) من الإنتاج العالمي من النفط الخام، ويشكل اقتصاد تكتل بريكس البالغ (28.5) تريليون دولار نحو 28% من الاقتصاد العالمي، فهو الأخر يضم دول غير متجانسة فكرياً واقتصادياً وهذا يشكل أكبر تحدي للتحالف ليكون نظام اقتصادي مواز للنظام الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

المصدر: تم إعداد الشكل من الباحث بالاعتماد على بيانات قاعدة البنك الدولي لمؤشرات التنمية العالمية

   وأخذ أعضاء البريكس يطورون خططهم الاقتصادية ككتلة واحدة، وصولاً إلى قوة اقتصادية قادرة على مواجهة القوة الاقتصادية الغربية الحالية. كما أصبح “بريكس" منتدى لمعالجة القضايا العالمية الحرجة، كالتجارة والتمويل وتغير المناخ وأمن الطاقة، وسطوة الغرب على مفاصل اقتصادية رئيسة، كالدولار -عملة التجارة والاحتياطي الأولى عالمي. من المقرر أن تستضيف روسيا في أكتوبر 2024م، قمة دول البريكس، وتسعى فيها إلى زيادة دور البريكس في النظام المالي الدولي وتطوير التعاون بين المصارف، وتوسيع استخدام عملات البريكس، علاوة على تعزيز التعاون بين السلطات الضريبية والجمارك، علاوة على إظهار رغبتها للغرب أنه لا يزال لديها أصدقاء وحلفاء في بقية العالم، على الرغم من غزوها لأوكرانيا.

    كما اقترح سياسيون بارزون في البرازيل وروسيا إنشاء عملة البريكس للحد من هيمنة الدولار. يقول البروفيسور كارمودي إنه سيكون من غير العملي بالنسبة لدول البريكس إنشاء عملة مشتركة لأن اقتصاداتها مختلفة تمامًا. مع ذلك، ترى مجموعة البريكس أن الدول الغربية تهيمن على الهيئات العالمية المهمة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذان يُقرضان المال للحكومات. إنها تريد أن ترى "صوتًا وتمثيلًا أكبر" للاقتصادات الناشئة وفي عام 2014م، أنشأت دول البريكس بنك التنمية الجديد لإقراض الأموال لتعزيز البنية التحتية. بحلول نهاية عام 2022م، كانت قد قدمت ما يقرب من 32 مليار دولار للدول الناشئة لمشاريع الطرق والجسور والسكك الحديدية وإمدادات المياه الجديدة. هذا هو الهدف الرئيسي للصين بالنسبة لبريكس، حيث إنها تريد أن تكون الصوت الرائد الجنوب. أما بالنسبة لروسيا فإن لديها هدف يختلف عن هدف الصين، حيث تعتبر روسيا بريكس جزء من معركتها ضد الغرب وتساعده في التغلب على العقوبات المفروضة بعد غزوها لأوكرانيا. أما بالنسبة للقوة الاقتصادية الثانية في التكتل الهند، فإنها تسعى للاستفادة منه في الحصول على النفط من روسيا والسعودية والإمارات بأسعار تفضيلية، لكن في ذات الوقت ترتبط بعلاقات وثيقة مع الدول الغربية التي تسعى ليكون مشروع الممر الاقتصادي الهندي بديلاً لطريق الحرير الذي تحاول الولايات المتحدة إفشاله.

  إن التفاوت في الإمكانات الاقتصادية لدول البريكس واختلاف فلسفاتها وأيدولوجيتها في الحكم ما بين نظم شمولية وثيوقراطية وليبرالية يجعل من الصعوبة بمكان أن تكون كتلة جديدة تنافس الزعامة الأمريكية للعالم نتيجة لهيمنتها على النظام المالي والاقتصادي العالمي منذ أكثر من سبعة عقود.  

رابعًا- مستقبل إمدادات الغذاء والطاقة في حال استمرار الحرب الروسية الأوكرانية

انخفض التأثير السلبي في سلاسل إمداد الغذاء باتفاق تصدير الحبوب برعاية الأمم المتحدة وتركيا وأطراف الحرب، تراجع تضخم أسعار الغذاء، في الدول الغنية، إلى أدنى مستوى له قبل اندلاع الحرب الروسية / الأوكرانية في فبراير 2022م، وتراجع متوسط أسعار الغذاء في (38) دولة صناعية شملها الاستطلاع إلى 5.3% في فبراير 2024م، من 6.2% في يناير الماضي، ومن ذروته البالغة 16.2% في نوفمبر 2022م، طبقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. والسبب في ذلك يعود إلى تراجع أسعار السلع الزراعية “بدرجة كبيرة”، وعودة سلاسل التوريد إلى طبيعتها، أسفل النموذجوفي عام 2022م، كانت أسعار الغذاء قد ارتفعت بسبب ارتفاع تكاليف الطاقة، وانخفاض التجارة بسبب الحرب في أوكرانيا، في حين أثرت أيضًا حالات الجفاف الأكبر من المتوقع، واضطرابات سلسلة التوريد المرتبطة بفيروس كورونا.

   لقد انخفضت أسعار السلع الزراعية بشكل كبير في العامين المنصرمين، منذ أن بلغت الأسعار ذروتها في أعقاب حرب أوكرانيا، وهذا يعمل كقوة انكماشية حتى على مستوى التجزئة. وطبقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة، أن أسعار المواد الغذائية بما في ذلك الحبوب، والسكر، واللحوم، انخفضت بشكل عام من ذروتها القياسية في عام 202م.

    ومن التداعيات الأخرى للأزمة الروسية الأوكرانية إجبار ناقلات النفط الخام على قطع مسافات أطول للوصول إلى مشترين للنفط الخام الروسي، الأمر الذي حد من توافر الناقلات وتسبب في ارتفاع أسعار الشحن، كما تسببت في حدوث تحول هائل في علاقات واتجاه تدفقات تجارة النفط الخام العالمية خلال فترة زمنية قصيرة، مع ظهور سوق موازي للناقلات. وبات تسعير النفط الخام يتم على أساس المصدر وليس على أساس الجودة، مع وجود فروقات كبيرة في أسعار النفط الخام الخاضع للعقوبات وغير الخاضع لها، لاسيما في فرض سقف سعري على صادرات النفط الروسية. وعلى وقع تلك المعطيات، باتت الهواجس المرتبطة بأمن الطاقة للدول الأوروبية بشكل خاص والقدرة على تحمل تكاليفها المرتفعة هي المحرك الرئيس لسياسة الطاقة في تلك الدول وعلى المستوى العالمي أيضاً.

  وبالرغم من التوترات السياسية والعسكرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، مع استمرار الهجمات في البحر الأحمر، والحرب الأوكرانية الروسية غير أن إمدادات الطاقة لاسيما من النفط الخام ستبقى مستقرة، وذلك بسبب القدرة الإنتاجية الفائضة الوفيرة لدى أعضاء منظمة أوبك التي تقدر نحو (4.5) مليون برميل يومياً من الطاقة الفائضة، علاوة على زيادة كميات إنتاج النفط الخام من الولايات المتحدة وكندا، واستمرار تدفق النفط الرخيص من روسيا، وانخفاض الطلب الصيني على النفط الخام.

   وصفوة القول، فإن من أهم نتائج الحرب الأوكرانية الروسية يتمثل بتوجه كثير من الدول نحو الاعتماد على الذات في اقتصاداتها لاسيما في الأمن الغذائي والطاقوي والمواد الأولية، علاوة على تغير موازين القوى العالمية، حيث شهدنا توسعاً في التحالفات الدولية كتكتل بريكس ومنظمة شنغهاي، وتوقع ظهور تحالفات جديدة.

مقالات لنفس الكاتب