array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 197

الوساطة تركية لوقف الحرب مستبعدة وبايدن يريد انحياز تركيا للغرب وفتح حوار مع أنقرة

الإثنين، 29 نيسان/أبريل 2024

دخلت الحرب الروسية / الأوكرانية عامها الثالث وسط تراجع الثقة الغربية بقدرات الجيش الأوكراني على استرداد الأراضي التي فقدها، وبعد فشل الهجوم المضاد الذي كان يعول على رفع معنويات الجنود وقرب الانتصار وتحرير القرم. السيطرة الروسية بالكامل على مدينة أفدييفكا الواقعة في مقاطعة دونيتسك قبل شهر، أزاح سيناريو وقوع المفاجأة على الجبهات، فاختار الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي الربط بين خسارة قواته وبين تأخر الدعم الغربي للمقاتلين.

 تهيمن موسكو عسكريًا على الأرض وتحاول كييف قيادة المشهد السياسي رغم الكثير من الخلافات والتباعد الغربي حول خطط الدعم والتمويل، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التراجع للقوات الأوكرانية ما لم تتغير التوازنات القائمة اليوم. البعض بدأ يكرر الحديث عن احتمال دخول غربي مباشر إلى ساحات القتال. فهل العواصم الغربية جاهزة لسيناريو من هذا النوع؟

 

لم يعد العالم كما كان قبل عقود. سرعة التحول في العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية باتت تقاس بالسنوات والأشهر اليوم. كان وما زال الغرب بشقيه الأمريكي والأوروبي في قلب محاولات التأثير في رسم الخرائط والمعادلات. الهدف هو التمسك بنفوذه ومصالحه في القارات والأقاليم متجاهلًا التحولات الاستراتيجية وصعود لاعبين جدد وعودة اللاعبين القدماء بصورة مغايرة. " الاختبار الأوكراني " الذي ظهر إلى السطح بعد تراكمات واحتقان سياسي وأمني واقتصادي بين الغرب وروسيا منذ عقود، يحمل معه أكثر من تساؤل حول مسار الحرب في القرم وفرص حسمها باكرا والسيناريوهات المستقبلية في إطار تقديم تنازلات متبادلة. ما هي هذه التنازلات التي يمكن أن يقدمها كلا الطرفين؟ وهل هناك فرص بروز وساطة فاعلة على طريق إنهاء الحرب، خصوصًا بعدما أعلن الكثير من العواصم الغربية عن عدم الرغبة بالتدخل العسكري المباشر لدعم أوكرانيا وهل هذا الموقف يعطي الفرصة للحلول السلمية وربما التنازلات؟ وأين أصبحت الجهود الإقليمية المبذولة وبينها التحرك التركي في أعقاب تصريحات وزير الخارجية هالكان فيدان مؤخرًا من أنه " حان وقت الحوار بين موسكو وكييف لإنهاء الحرب"؟ أم أن الأمور ستتعقد باتجاه توسيع رقعة الحرب وانتقالها لساحات أخرى بينها سيناريو استخدام روسيا للفضاء ساحة للحرب النووية؟ وما مدى واقعية هذا التحول العسكري أم هو مجرد تلويح بالتهديد فقط؟

أوراق روسيا في الحرب

 

نفذت القوات الروسية في 24 فبراير 2022م، عملية غزو عسكري لإقليم القرم الواقع تحت السيادة الأوكرانية تحت ذريعة الدفاع عن الوحدة التاريخية بين الروس والأوكرانيين " وتجريد كييف من السلاح واجتثاث النازية منها " كما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وقتها. لكن المؤكد أيضًا هو أن موسكو وضعت في طليعة أهداف غزوها للأراضي الأوكرانية مسألة قطع الطريق على تمدد حلف شمال الأطلسي باتجاه مناطق نفوذها الجغرافي ومواجهة الغرب الذي نجح في توجيه المزيد من الضربات الاستراتيجية لها في الكثير من حدائقها الخلفية في البلقان وشرق أوروبا وحوض البحر الأسود.

تحاول موسكو بعد اندلاع القتال على جبهات القرم بناء منظومة تحالفات وعلاقات جديدة مع العديد من الدول. تحاول أيضًا توحيد مصالح الصين وإيران وتركيا في أكثر من بقعة مشتركة لقطع الطريق على سيناريوهات التمدد الغربي في مناطق نفوذها. بقدر ما تسعى موسكو للإيقاع بين واشنطن والعواصم الأوروبية، وتعلن أن إعادة إحياء النفوذ

والحضور العسكري والسياسي في الشرق الأوسط، بات جزءًا أساسيًا من خطط موسكو الإقليمية.

نجح الرئيس الروسي في خلط الأوراق الإقليمية لصالحه ونشر البلبلة وسط صفوف الغرب وتعزيز نفوذه في ملف الحرب التي شنها ضد أوكرانيا، رغم أنه هو الذي غزا أراضيها.

هو يسيطر على أهم المناطق الحيوية بالنسبة لأوكرانيا. ويواصل الحشد في المناطق المحيطة بها من كل صوب في مواجهة الخطط الغربية.

تكرر موسكو ردًا على دعوات أوكرانيا لعقد قمة دولية للسلام في سويسرا، أن قمة من هذا النوع تستبعد روسيا وتعقد من أجل تبني " خطة السلام الأوكرانية " التي تدعو إلى انسحاب القوات الروسية واستعادة حدود أوكرانيا عام 1991م، بما في ذلك شبه جزيرة القرم، هي مجرد عبث وغير قابلة للتنفيذ وسوف تفشل. الكرملين يذهب أبعد من ذلك حين تردد المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليس له مكان في "عالم متعدد الأقطاب". روسيا تسيطر على الأرض وتعلن أنها جاهزة لكل السيناريوهات بما فيها توسيع رقعة الحرب وتحويلها إلى حرب عالمية يستخدم فيها السلاح النووي عند الضرورة.

أمريكا توحد الغرب تحت جناحيها

أشعلت تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول عدم استبعاد إرسال قوات أوروبية للقتال في أوكرانيا ضدّ روسيا، الجدل من جديد في صفوف العواصم الغربية أولًا ثم بين الغرب والشرق ثانيًا. ما الذي يريده الرئيس الفرنسي: تحذير روسيا من مخاطر اتساع رقعة الحرب في القرم أو نقلها إلى جغرافيا جديدة؟ أم دعوة شركاء الأطلسي لتبني سياسات مغايرة أبعد من الدعم العسكري والمالي لكييف؟ أم الدعوة للتدخل العسكري المباشر على الجبهات الأوكرانية ضد روسيا متخليًا عن مواقفه السابقة التي كانت تدعو للأخذ بما يقوله الرئيس الروسي بعين الاعتبار؟

جاء الرد الغربي على الغزو الروسي لأراضي دولة كانت تستعد للالتحاق بالمنظومة الأطلسية عبر تدابير وخطوات عسكرية وسياسية واقتصادية بينها المزيد من الدعم الحربي والتسليح للجيش الأوكراني. عقوبات مالية وتجارية لروسيا وحصار متعدد الأهداف. لكن بين الإنجازات الأهم التي حققها الغرب في مواجهة التمدد والنفوذ الروسي خطوة التوسعة الأطلسية حيث احتفلت دول الحلف في مطلع نيسان المنصرم، بذكرى مرور75 عامًا على تأسيسه وسط توسعة جديدة بضم فنلندا والسويد أوصلت عدد الدول الأعضاء إلى 32، مع طلبات عضوية لبلدان تنتظر بينها أوكرانيا وجورجيا والبوسنة والهرسك. المؤكد هو أن الرئيس الروسي لعب دورًا كبيرًا في تسريع توحيد حلف شمال الأطلسي وتفعيل خطط التوسعة عقب قرار غزو أوكرانيا قبل عامين. وأمريكا هي من يفوز هنا.

 

صمود الحلف على هذا النحو وتثبيت تمدده خارج أوروبا والجغرافيا الإسكندنافية وأمريكا الشمالية هو الهدف الاستراتيجي الأول لأمريكا بعد اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية.

لكن هناك في الغرب من يريد إطالة عمر الحرب الروسية الأوكرانية وربما يهمه اتساع رقعتها مثل اللاعب الأمريكي البعيد جغرافيًا عن ساحات القتال. هدف واشنطن هنا هو أن تكون هي من يقرر شكل العلاقة مع روسيا ومسارها ومستقبلها باسم الجميع ونيابة عن أوروبا التي بدأت ترفع صوتها في مواجهة التمدد والنفوذ الأمريكي فوق جغرافيتها .

هدف واشنطن – حتى ولو حاول الرئيس الفرنسي ماكرون أن يغرد خارج السرب -هو إبقاء العواصم الأوروبية التي كان يطالب بعضها بالانفصال العسكري عن أمريكا تحت جناحيها لمواجهة العودة الروسية الاستراتيجية والصعود الصيني في العالم. فهل يبقى الأطلسي على مواقفه في التعامل مع تطورات المشهد في أوكرانيا؟ أم سنرى حركة عصيان وتمرد على واشنطن التي تغامر بالجغرافيا الأوروبية لإضعافها في مواجهة الخطر الروسي الجديد؟

المفاجأة قد تأتي من الداخل الأمريكي نفسه بعد أشهر وفي أعقاب الانتخابات الرئاسية ومع سيناريو عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. خصوصًا بعدما بدأ ترامب يردد أنه في حال إعادة انتخابه رئيساً لن يقوم الجيش الأمريكي بحماية الدول الأعضاء في حلف الناتو التي لا تخصّص سوى 2% من دخلها القوميّ للمنظومات الدفاعية. " سأشجّع الروس على فعل ما يريدون "، هو ما دفع مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبيّ جوزف بوريل للرد بأن " الناتو لا يمكن أن يكون تحالفاً انتقائيًا ولا يمكن أن يكون تحالفاً يعمل بحسب مزاج الرئيس الأمريكي “. احتمالات عودة ترامب إلى البيت الأبيض تذهب باتجاه أن التباعد الأمريكي الأوروبي تحت سقف حلف الأطلسي في التعامل مع ملف الحرب الروسية الأوكرانية سيظهر إلى العلن أكثر فأكثر كلما تعقدت الأمور على الجبهات ونجحت موسكو في مواصلة استنزاف الخصوم والأعداء أولًا. وأن الموقف الأمريكي سيتبدل لأن لترامب حساباته المختلفة حيال الحرب في أوكرانيا ومسار العلاقة مع روسيا ثانيا.   لماذا يعرقل الجناح الجمهوري في الكونغرس الأمريكي خطط الديمقراطيين ومطالبهم لناحية تقديم المزيد من الدعم للرئيس الأوكراني زيلينسكي؟ ولماذا يردد رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، صديق ترامب، أن الأخير " لن يمنح بنسًا " واحدًا للمجهود الحربي الأوكراني؟

خطة بوتين للإيقاع بين أمريكا والعواصم الأوروبية في ملف الحرب مع أوكرانيا تتقدم بالاتجاه الذي يريده حتى ولو تمسكت قيادات حلف الأطلسي مثل ينس ستولتنبرغ بأنّ الناتو " أكبر وأقوى وأكثر وحدةً من أيّ وقت مضى "، وترامب قد يسهل له الوصول إلى ما يريد.

القوى الإقليمية والحرب الروسية الأوكرانية

 

المؤكد إقليميًا أن الفراغ الأوروبي وبروز أمريكا إلى الواجهة في التعامل مع ملف الحرب في أوكرانيا، يمنح لاعبين كثر مثل الصين وتركيا وإيران دورًا إضافيًا لتجيير ما يجري إلى فرص سياسية واقتصادية وأمنية.  والمؤكد أيضًا أن حسابات هذه الدول تلتقي وتتعارض مع حسابات روسيا والعواصم الغربية مما يمنحها المزيد من الأوراق لتعزيز نفوذها في الإقليم. فالعقوبات الغربية على روسيا بعد قرار موسكو ضم القرم وتوغلها في أوكرانيا والعقوبات الغربية على إيران على خلفية برنامجها النووي وتمددها العسكري في سوريا قربت بين البلدين أكثر فأكثر.

تركيا من ناحيتها بين الدول التي تبحث عن رسم مسار سياساتها الخارجية على ضوء هذه المعطيات. تريد أن تبقى جزءًا من حلف الأطلسي، لكنها لا تريد التفريط بمتطلبات مصالحها مع القوى الإقليمية الأخرى مثل المنظومة العربية والإسلامية وروسيا والصين.

انسحاب موسكو من اتفاقية نقل الحبوب الأوكرانية التي ساهمت أنقرة والأمانة العامة للأمم المتحدة في صناعتها. التقارب التركي / الأمريكي الأخير في ملفات استراتيجية تقلق روسيا وتتعارض مع حساباتها خصوصًا بعد خطوة تسهيل التوسعة الأطلسية باتجاه فنلندا والسويد. عدم تحديد موعد لقمة تركية / روسية جرى الحديث عنها قبل أشهر وما زالت تنتظر حتى الآن. تمسك واشنطن بدورها ونفوذها في حوض البحر الأسود رغم الرفض والتشدد الروسي.  كلها ملفات تعكس حقيقة أن فرص تفعيل أي وساطة تركية لوقف الحرب في أوكرانيا مستبعدة في هذه الآونة.

يريد الرئيس الأمريكي بايدن الذي قرر فتح صفحة جديدة من الحوار مع أنقرة أن يساهم ذلك بانحياز تركي أكثر إلى الجانب الغربي. ويريد أيضًا أن يكون ذلك وسيلة لتصفية الحسابات مع موسكو في سوريا والبحر الأسود وجنوب القوقاز. القادر على فعل ذلك هو الموقع والدور التركي وهذا ما يقلق الرئيس الروسي أكثر من غيره. لكن مشكلة أردوغان تبقى في استحالة المناورة في مساحة تضيق جغرافيًا واستراتيجيًا يومًا بعد يوم لناحية مستقبل العلاقات التركية مع الغرب وروسيا. كلما تعمقت الخلافات الغربية / الروسية تراجعت حظوظ أنقرة في اللعب على حبال المناورة بين الشرق والغرب. قرار دعم عضوية السويد والتفاهم مع واشنطن من جديد وتذكير القيادات الأوروبية بالعضوية التركية في الاتحاد تؤكد ذلك.

إيصال الحوار مع موسكو إلى درجة الصفر باتجاه وضع حد للحرب في أوكرانيا بين أهداف السياسة الأمريكية الحالية. روسيا بالمقابل تكرر باستمرار أنها لن تتردد في الذهاب وراء التصعيد والمواجهة مع الغرب الذي يحاول اختراق مناطق نفوذها والتوغل فيها منذ 3 عقود. لذلك يشكل الصعود الصيني والتقارب الروسي الإيراني والتمسك التركي بالعلاقة مع موسكو وتحذيرات اللاعبين الإقليميين بضرورة إنهاء الحرب مع الأخذ بما تقوله روسيا، فرصة إضافية لبوتين للتمسك بما يقول ويريد.

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن بلاده لن تشارك في حرب عالمية ثالثة تقع بسبب ما يجري في أوكرانيا. رسالة متعددة الجوانب، لكن أنقرة مدعوة للإجابة على سؤال ما الذي ستقوله عند قرار دول حلف الأطلسي تفعيل المادة الخامسة من ميثاق الحلف في مواجهة روسيا؟

بكين وحدها تقلق العواصم الغربية أكثر من غيرها بسبب قوتها البحرية والسيبرانية المتصاعدة، وانتقالها إلى مجالات عالم الفضاء في التكنولوجيا السلمية والحربية. ترامب يريد أن يكون جاهزًا للمفاجآت الصينية على أكثر من جبهة، بقدر ما يريد أن يجد صيغة تفاهمات مع روسيا على المحور الأوكراني.

يراهن الرئيس الروسي بوتين على توتر في العلاقات الأمريكية مع كل من الصين وتركيا وإيران. قد لا يكون له كل ما يريد لكن احتمال حدوث الانفجار بين واشنطن وطهران بسبب التوتر الإسرائيلي الإيراني يخدم أهداف موسكو حتمًا.

الجهود السياسية والدبلوماسية المبذولة من قبل بعض العواصم والقيادات لوقف الحرب هي بين الفرصة المتبقية للحؤول دون الانفجار الكبير.

سيناريو الحرب العالمية / النووية

 

في أول تعليق له بعد مؤشرات اكتساحه الانتخابات الرئاسة، نقل عن الرئيس الروسي بوتين قوله، إنه في حالة نشوب صراع واسع النطاق مع حلف الناتو، فإن العالم سيكون على بعد خطوة واحدة فقط من حرب عالمية ثالثة. يؤكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ من جانبه، أنّ " الناتو مستعد لأي سيناريو يدفعنا للحرب ".

 "الحلفاء الأوروبيون يضاعفون قوة أمريكا من خلال الجيوش والمخابرات والنفوذ الدبلوماسي " كما يردد. أرسلت دول حلف الناتو منذ بدء حرب أوكرانيا أسلحة بقيمة عشرات مليارات الدولارات إلى كييف، لكنها تجنّبت الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع روسيا تحمل خطر التحوّل إلى حرب عالمية أو نووية. لن تتراجع هذه الدول عن خياراتها، وستحاول ان تبقيها تحت سيطرة تفاهمات عدم التصعيد أكثر من ذلك تجنبًا لانفلات الوضع حتى ولو أعلنت واشنطن أن لا عودة عن هدف إخراج القوات الروسية من القرم، وتكرار موسكو أن دول الناتو يمكن أن تكون التالية في مرمى روسيا بعد حسم الوضع على الجبهة الأوكرانية.

وسط الجو العام المتوتر بين روسيا والاتحاد الأوروبي، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، أمام الجلسة العامة للبرلمان الأوروبي، إن التهديد الروسي بالحرب قد لا يكون وشيكاً، لكنه ليس مستحيلاً، مشددة على أنه حان الوقت لأوروبا أن تستعد. ويحذر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان من خطر قيام الرئيس الروسي بمهاجمة دولة أوروبية وحليفة في الناتو، ليحاول اختبار تعهد الدفاع المشترك للحلف. " في حال دخول أية دولة أطلسية الحرب ضد روسيا فسيتحول ذلك سريعًا إلى حرب عالمية ثالثة ". مواجهات عسكرية من هذا النوع قد لا تكون بين أولويات بقية القيادات والعواصم الغربية.

 

أثارت الحرب في أوكرانيا أعمق أزمة في علاقات روسيا مع الغرب منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962م. وحذر بوتين عدة مرات من أن الغرب يخاطر بإثارة حرب نووية إذا أرسل قوات للقتال في أوكرانيا. رسالة الناخب الروسي سيقابلها بعد أشهر جواب الناخب الأمريكي عندما سيقرر المواصلة مع سياسات بايدن والديمقراطيين أم سيسهل عودة الجمهوريين مع ترامب مرة أخرى؟

 

سيناريوهات اليوم التالي

بين أبرز ما يناقش في الغرب وفي أوكرانيا بعد مرور عامين على اشتعال الجبهات:

 - مطالبة الرئيس الفنلندي سولي نينيستو دول حلف شمال الأطلسي بالاستعداد لنزاع مباشر مع روسيا، " لأنه بين نوايا موسكو اختبار مسألة تفعيل المادة 5 من ميثاق حلف الناتو للدفاع الجماعي من خلال مهاجمة إحدى الدول الأطلسية ".

- وإعلان رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أن عصراً جديداً قد بدأ ، وهو عصر ما قبل الحرب. " لا أريد إخافة أحد، لكن الحرب لم تعد مفهوماً من الماضي. إنها حقيقية، وقد انطلقت منذ أكثر من عامين .. على الاتحاد الأوروبي ككل، باعتباره منظمة قوية، أن يكون مستعداً ذهنياً للقتال من أجل أمن حدودنا وأراضينا ".

- وقرار وزراء خارجية الناتو البحث في إنشاء صندوق دعم وتمويل بقيمة 100 مليار يورو لأوكرانيا لتمكينها من مواصلة الحرب ضد روسيا. وتعميم برلين لتقرير أعدته هيئة البحوث في البرلمان الألماني (بوندستاج) يقول " أن نشر قوات برية من قبل إحدى دول حلف شمال الأطلسي في أوكرانيا لن يجعل جميع دول الناتو الأخرى أطرافًا في الصراع تلقائيًا ".

- وكشف الرئيس الروسي بوتين عن أن بلاده مستعدة من الناحية العسكرية والفنية لحرب نووية، وأن " استخدام الأسلحة النووية منصوص عليه في العقيدة النووية للكرملين، وسياستها تحدد الظروف التي قد تستخدم فيها روسيا أسلحتها.

- وتذكير المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إن اتفاق سلام غير مكتمل في عام 2022م، بين روسيا وأوكرانيا قد يكون الأساس لمفاوضات جديدة، " لكن لا يوجد ما يشير إلى أن كييف مستعدة للمحادثات ". فروسيا وأوكرانيا كانتا على وشك الاتفاق لإنهاء الأعمال القتالية في محادثات إسطنبول قبل عامين، لكن أوكرانيا تراجعت عنه بمجرد انسحاب القوات الروسية بالقرب من كييف. مع الإشارة إلى رفض الرئيس الروسي للمبادرة السويسرية وفكرة عقد مؤتمر دولي بمشاركة حوالي 100 دولة في يونيو المقبل دون دعوة روسيا للحضور، " فالاجتماع لا يأخذ في الاعتبار الحقائق الجديدة، بما في ذلك ضم موسكو لأراض جديدة في أوكرانيا ".

- وأن كلا الطرفين الروسي والأوكراني ما زالا على موقفيهما حيث تتمسك موسكو بحيادية أوكرانيا من الناحية الجيوسياسية وعدم الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي، والحد من حجم قواتها المسلحة ومنح وضع خاص لشرق أوكرانيا. بينما تطالب كييف في إطار "صيغة السلام" التي طرحها الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، على انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية، ودفع موسكو تعويضات مالية وإنشاء محكمة خاصة لمحاكمة المسؤولين الروس على غزو الأراضي الأوكرانية.

- وتحميل كيرت كامبل نائب وزير الخارجية الأمريكي المسؤول عن إعادة رسم السياسات الأمريكية تجاه آسيا الصين المسؤولية إذا حققت روسيا مكاسب في أوكرانيا، بعد أن جددت بكين تعهداتها بالتعاون مع موسكو. الرد الأمريكي جاء سريعًا عبر توسيع رقعة التعاون العسكري والأمني مع اليابان والفلبين في جنوب آسيا والباسيفيك وإقرار المزيد من المناورات العسكرية الضخمة وإرسال الصواريخ البعيدة المدى إلى المنطقة، وهو ما يعكس حجم الاصطفافات العسكرية وتبدل المعادلات والتوازنات على أكثر من جبهة باتت عرضة لخطر الانفجار.

خاتمة: مؤشرات التصعيد تتقدم

بعد سنتين من القتال في أخطر الحروب الأوروبية التي تدور منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حقّق الكرملين تقدّماً عسكرياً في القرم باتجاه بحر آزوف وخيرسون ومناطق الدونباس، لكن موسكو نسيت ما كان يردده البعض حول أن " العملية الخاصة " ستحمل معها انهياراً أوكرانياً شاملاً في غضون أسابيع. بوتين يردد إن روسيا مستعدة لإجراء محادثات جادة بشأن أوكرانيا، لكن ذلك يجب أن يستند إلى الواقع، وليس إلى رغبة جامحة ".

في المقابل كان الغرب يعول على أن يقود الدعم الهائل الذي قدّمه سياسياً وماليّاً وعسكرياً لأوكرانيا، إضافة إلى الحصار النفطي والغازي والماليّ والسياسي غير المسبوق الذي فُرض على روسيا، إلى انهيار روسي خلال أشهر لكن شيئًا من هذا القبيل لم يحدث.

لا مؤشّرات باتجاه انتهاء الحرب قريباً. لا روسيا مستعدّة أن تتراجع خطوة واحدة عمّا تسمّيه حقّها الشرعي بالدفاع عن أمنها الاستراتيجي، ولا الولايات المتّحدة مستعدّة أن تدع خصمها يفلت من المصيدة التي تواصل محاصرة بوتين بها.

سنتان مكلفتان من الحرب على الدولتين المتحاربتين وعلى العالم بأكمله. الخطورة هي ليست فقط بانتقال المعارك إلى جبهات أوسع، بل في تبديل الأسلحة المستخدمة وإقحام السلاح النووي في المعارك وحيث تزايد الحديث عن احتمال وقوع حرب عالمية ثالثة في صفوف الخبراء والدارسين الغربيين. الحديث يدور أيضًا حول احتمال اللجوء لاستخدام السلاح النووي عند الشعور ان أحد الأطراف سيهزم استراتيجيًا وعندها سيكون قد فات الأوان على ما يقوله وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني حول أن قرار إرسال قوات أطلسية إلى أوكرانيا سيحمل معه خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة. وأننا " ندافع عن حقوق أوكرانيا لكننا لا نريد محاربة روسيا ".

مقالات لنفس الكاتب