array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 196

الجهود الخليجية للأمن الإقليمي

الأحد، 31 آذار/مارس 2024

رؤية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للأمن الإقليمي التي اعتمدها المجلس الوزاري الخليجي في دورته رقم 158 في 3 ديسمبر الماضي وكشفت عنها وزارة الخارجية السعودية في 26 يناير من العام الجاري، جاءت في وقت دقيق للغاية نظرًا للظروف التي يشهدها الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وتشابك هذه الظروف مع المتغيرات العالمية والصراع على تشكيل النظام الدولي الجديد وما يترتب عليه من إعادة تموضع القوى العالمية التقليدية والصاعدة في عالم متغير ومضطرب، مع إدراك دول مجلس التعاون لهذه المتغيرات وسعيها الدائم لتثبيت استقرار المنطقة العربية وإقليم الشرق الأوسط.  

ومن نافلة القول إن اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي بالأمن الإقليمي ليس وليد هذه الفترة ـ رغم خطورتها ـ ولكنه ظل هاجسها منذ زمن بعيد، ومن أجل ذلك تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في عام 1981م، وكان في مقدمة أهدافه تثبيت أمن منطقة الخليج، والمجلس يقصد الأمن بمفهومه الشامل الذي يتجاوز التعريف التقليدي المباشر بحيث يشمل الأمن العسكري، الاجتماعي، الاقتصادي، الفكري، السيبراني، والوقائي، أو غير ذلك. حيث أدركت دول المجلس منذ زمن الزعماء الذين أسسوا هذا الكيان الخليجي أن الأمن هو صنوان الاستقرار والتنمية، فلا يوجد تنمية ونهضة اقتصادية واجتماعية وعلمية إلا في ظل الاستقرار الأمني والابتعاد عن الصراعات، وإزاحة شبح الحروب والنزاعات، أو في ظل وجود أحلاف عسكرية تؤدي إلى عسكرة المنطقة وتسمح بالتدخلات الأجنبية التي لها أجندات ليست في صالح دول وشعوب المنطقة.

 و المفهوم الخليجي للاستقرار الإقليمي أنه جزء لا يتجزأ عن الأمن العالمي، وأنه حلقات متصلة ومتداخلة، و يتجاوز الحدود الجغرافية ويتخطى الإقليمية فما يحدث في أي منطقة من العالم يؤثر في أماكن كثيرة حتى وإن كانت بعيدة جغرافيًا، وليس أدل على ذلك من تأثير الحرب الروسية / الأوكرانية على الاقتصاد والاستقرار العالميين، وكذلك امتداد تأثير الحرب الإسرائيلية على غزة الذي وصل إلى البحر الأحمر وبحر العرب والقرن الإفريقي، وزاد من تأثير هذه التداعيات تشابك المصالح الاقتصادية وتطور الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، وزيادة حدة الاستقطاب العالمي والرغبة الجامحة للقوى الصاعدة في تقاسم النفوذ والمشاركة الفعالة فيما يطلقون عليه النظام العالمي الجديد.

    ولتقليل مخاطر تداعيات الأحداث العالمية والإقليمية، وفي محاولة لتحجيم تأثيراتها السلبية تساهم المملكة العربية السعودية في الاستقرار العالمي ، وقدمت العديد من المبادرات والمقترحات، واستضافت الأطراف المتنازعة وصناع السياسات من شتى دول العالم لإنهاء الحروب واحتواء الصراعات ليس في المنطقة فقط، بل شملت التوترات والصراعات في مناطق عديدة من العالم، ومن هذا المنطلق قادت المملكة مبادرات للسلام بين روسيا وأوكرانيا، ومن قبل قادت جهودًا للمصالحة الأفغانية/ الأفغانية، واللبنانية/ اللبنانية، والفلسطينية / الفلسطينية، والسودانية / السودانية، واليمنية / اليمنية وغيرها ؛ من منطلق الحفاظ على الاستقرار الإقليمي والدولي، واستضافت العديد من القمم العالمية والإقليمية وأبرمت الشراكات مع الكثير من الدول والتكتلات. كما عملت على التهدئة في الإقليم وبدأت مرحلة جديدة من العلاقات السعودية / الإيرانية من أجل نزع فتيل الصراع الإقليمي والتفرغ لبناء المستقبل وتحقيق التنمية المستدامة في إطار من الاحترام المتبادل والعيش المشترك في إقليم واحد، وهدفها النهائي يرمي لبناء الإنسان ورفاهيته وتحسين مستوى معيشته، هذا الإنسان المقصود هو الإنسان أينما كان في العالم، أي شمولية رؤية التنمية؛ ولتحقيق ذلك قدمت المملكة مساعدات بأكثر من 108 مليارات دولار استفادت منها 169 دولة ومولت 6834 مشروعًا في 44 قطاعًا.

ورؤية دول الخليج للأمن الإقليمي تركز على عدة مجالات أمنية رئيسية تأتي منسجمة تمامًا مع الاستراتيجية الخليجية للأمن الشامل وتتسق مع السلوك الخليجي المدرك للتحديات العالمية والإقليمية وتتفق مع الجهود المبذولة منذ زمن، فجاءت هذه الأهداف كما يلي: حل الخلافات عبر التفاوض والحوار وتجنيب المنطقة تداعيات الحروب ـ المحافظة على عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل ـ مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه ـ تفعيل مبادرة السلام العربية وحل القضية الفلسطينية ـ تطوير القدرات الذاتية وتعميق الشراكات للحفاظ على الأمن البحري وأمن الممرات المائية ـ إيجاد الحلول الفاعلة للتعامل مع تحديات التغير المناخي وتنفيذ نهج الاقتصاد الدائري للكربون ـ تعزيز مبادئ التعايش والاحترام المتبادل مع دول العالم. وهذه المرتكزات توضح أهمية المنطلقات الخليجية وشموليتها وانسجامها مع السياسية الخارجية لدول مجلس التعاون، ويتطلب تفعيلها وتنفيذ بنودها عدة أدوات تبدأ بتوحيد الجهود الخليجية عبر آلية داخل جهاز الأمانة العامة لمجلس التعاون لوضع الخطط المرحلية لتنفيذ الاستراتيجية في مجملها، وكذلك التعاون الإقليمي والدولي مع الدوائر الأقرب فالأبعد تبدأ من جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الإفريقي وتجمعات الآسيان والبريكس ومنظمة شنغهاي، والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لأن الأهداف التي جاءت في الرؤية تستهدف مشاركة أطراف إقليمية ودولية حتى تمضي في طريقها لحل الخلافات بالتفاوض، ودعم المبادرة العربية للسلام، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، ومكافحة الإرهاب، وتحديات التغير المناخي وغيرها من الأهداف التي تتطلب التعاون الإقليمي والدولي، وقد استندت هذه الرؤية إلى عنصرين مهمين لضمان النجاح وهما "تطوير القدرات الذاتية وتعميق الشراكات "، وبالفعل بدأت دول الخليج بتطوير القدرات الذاتية ولكن أعتقد أن الوقت حان لتطوير القدرات الجماعية الخليجية بما يعزز تنفيذ هذه الرؤية لأن الأخطار المحدقة بالمنطقة تستهدف جميع دول الإقليم وليس دولة واحدة ،ومواجهتها تتطلب جهودًا مشتركة وآليات عمل جماعية وتوزيع الأدوار والمهام. ومن حيث تعميق الشراكات، فقد اتخذت دول التعاون خطوات كبيرة جدًا على هذا الطريق وفتحت أبوابها للتعامل مع جميع دول العالم دون استثناء من أجل تنويع الشراكات لتوطين التكنولوجيا وتوسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل وهو ما يتفق مع الرؤى التنموية الخليجية .. ويتبقى أن تستجيب الدول الإقليمية لهذا النهج وأن تشارك في صناعة الاستقرار والسلام الإقليميين، وأن تتعاون من أجل البناء والتنمية وتتوقف الحروب والصراعات، وأن يتم نزع أسلحة الميليشيات المسلحة، وتتوقف الحروب بالوكالة، وألا تكون منطقة الشرق الأوسط ساحة لتصفية حسابات دولية بين القوى المتصارعة، وأن تتعاون الدول الكبرى مع دول الخليج بدون أجندات خفية أو مصالح ذاتية لتحقيق الرؤية الأمنية الإقليمية من أجل مستقبل عالم يسوده السلام والبناء.

مقالات لنفس الكاتب