array(1) { [0]=> object(stdClass)#13067 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 196

الظروف مناسبة لطرح المبادرة العربية للسلام لانقسام النظام الدولي حول الموقف الأمريكي

الأحد، 31 آذار/مارس 2024

يعتبر مجلس التعاون الخليجي تكتلًا محوريًا في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في النظام الإقليمي العربي بعد تراجع دول عربية بسبب أزماتها الداخلية وعدم استقرارها، فمصر تعاني من أزمة اقتصادية، وسوريا تعاني من صراع داخلي، والعراق تم تفكيكه سياسيًا وطائفيًا خاصة بعد الاحتلال الأمريكي 2003م، وحل الجيش العراقي الذي كان عمقًا استراتيجيًا لكل من سوريا والأردن وخط الدفاع الأول في مواجهة إيران، كما تعاني دول المغرب العربي من مشكلات عدم الاستقرار في ليبيا وتونس وانكفاء المغرب سياسيًا للداخل المغربي، ويتعرض السودان لحرب داخلية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولذلك  يبقى مجلس التعاون هو القوة الاقتصادية الرئيسية ليس فقط في الشرق الأوسط بل له دور في العالم لاستقراره السياسي وما يتمتع به من قوة اقتصادية جعلته قوة سياسية فالاقتصاد لا ينفصل عن السياسة فالذي يملك الموارد الاقتصادية يملك التأثير السياسي ، وكذلك الأهمية الاستراتيجية .

والمملكة العربية السعودية تأتي على قمة مجلس التعاون الخليجي اقتصاديًا وسياسيًا ولها أهميتها الاستراتيجية فهي الدولة العربية الوحيدة من دول مجموعة أوبك العضو في مجموعة العشرين وهي تشكل 67% من سكان مجلس التعاون الخليجي وتسهم 49% من إجمالي الناتج القومي بالمجلس، ويمثل مجلس التعاون مركز جذب للاستثمارات الأجنبية والعمالة الأجنبية أيضًا بسبب التطور الاقتصادي، والعلاقات التجارية والاستثمارات وتصدير الطاقة كما أن  للمجلس علاقات متنوعة مع الدول الكبرى كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا الاتحادية والهند، كما قبلت السعودية عضوية مجموعة بريكس الاقتصادية BRICS وبالتالي للمملكة  تأثيرها السياسي إقليميًا وعالميًا ولذلك لقيت مبادرة السلام العربية 2002م، إجماعًا عربيًا فهي مبادرة طرحها الملك عبد الله بن عبد العزيز  (ولي العهد آنذاك)  في القمة العربية في بيروت ورفضتها إسرائيل وفي ظل التطورات الحالية " وطوفان الأقصى " والتحرك الدولي لإيجاد حل للقضية الفلسطينية يتردد أهمية إعادة اعتماد وتفعيل المبادرة العربية كحل للقضية الفلسطينية.

التحرك الإقليمي والدولي وإدانة إسرائيل

تراجعت القضية الفلسطينية في العقدين الأخيرين على الصعيد الإقليمي والدولي بسبب رفض إسرائيل تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اتفاقية أوسلو التي فرغتها  من محتواها إلى التركيز على التنسيق الأمني بين السلطة الوطنية الفلسطينية وإسرائيل وجوهر الاتفاقية في نظر إسرائيل استغلالها إعلاميًا أمام الرأي العام الدولي أن إسرائيل حققت السلام مع الفلسطينيين ولا يتعدى الاتفاق سوى استخدام السلطة لمواجهة المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل فالرئيس الفلسطيني محمود عباس أعلن صراحة أن "التنسيق الأمني مقدس" ، وفي ظل الانقسام الفلسطيني والخلافات بين حركة فتح التي في السلطة الفلسطينية وحركة حماس أضعف هذا الخلاف الموقف الفلسطيني، كما شهد النظام الإقليمي العربي موجة مما أطلق عليه "الربيع العربي" الذي أصبح فيما بعد خريفًا عربيًا، أدخل بعض الدول العربية في حالة عدم استقرار سياسي وصراع داخلي مما أثر على موقف هذه الدول من القضية الفلسطينية وانعكس الضعف العربي على أهمية القضية على الصعيد الدولي وتراجع التأثير العربي دوليًا، ولذلك فإن الانقسام الفلسطيني أثر على  الموقف العربي والأخير انعكس على تأثيره على الصعيد الدولي واستغلت إسرائيل هذه الظروف في بناء المستوطنات في الضفة الغربية وأعلنت الحكومات الإسرائيلية المتتابعة عن تصميمها على ضم الضفة الغربية، ولم يخف نتنياهو أهدافه بحلم إسرائيل الكبرى كما عبر عنه في كتابه "مكان تحت الشمس"، ويعتبر نتنياهو أول رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل في مدة سنوات توليه منصب رئيس الوزراء، وتجاوز شعار الأرض مقابل السلام وأخذ يردد "السلام مقابل السلام ثم السلام من أجل الازدهار" كما طرحت في صفقة القرن، وتبنى استراتيجية القفز عن السلطة الفلسطينية وعقد اتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية والتطبيع معها وبالتالي ينفرد بتنفيذ ضم الضفة العربية والسيطرة على فلسطين كاملة رغم أنه يسيطر فعليًا على الضفة الغربية وأصبح يفكر في تصفية المقاومة في غزة رغم أن شارون انسحب من القطاع 2005م، واحاطتها بالمستوطنات، كما استغل نتنياهو فترة تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة فعزز بناء المستوطنات وأعلن ترامب من جانبه نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل كما اعترفت إدارة ترامب بضم إسرائيل للجولان وضغطت إدارة ترامب على بعض الدول للتطبيع مع إسرائيل وعلى ما أطلق عليه السلام الإبراهيمي لإعطاء بعدًا دينيًا له،  وأعلن  "صفقة القرن" لتصفية القضية الفلسطينية في 28 يناير 2020م، التي اعتبرها نتنياهو "طريقًا واقعيًا للسلام" لأنها تحقق أهدافه، فطبعت كل من الإمارات العربية سبتمبر 2020م، وتلتها كل من البحرين والمغرب بالإضافة أن مصر والأردن لكل منهما اتفاقية سلام مع إسرائيل، وعندما جاءت إدارة بايدن استمرت في الضغط على بعض الدول للتطبيع مع إسرائيل ولم تغير شيئًا من سياسة الرئيس ترامب حتى أن مستشار الرئيس بادين للأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان ذكر في مقالته في مجلة الشؤون الخارجية ديسمبر الماضي  " أن الشرق الأوسط يشهد استقرارًا في عهد الرئيس بايدن، ولكنه عدل مقالته بعد 7 أكتوبر مع طوفان الأقصى بقوله " إن التحديات الدائمة لا تزال قائمة، بما في ذلك التوتر بين إسرائيل والفلسطينيين والتهديد الذي تفرضه إيران،" وأضاف " إن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بالمطلق" ، وبالـتأكيد إن سياسة الولايات المتحدة تأييد مطلق لإسرائيل وهي مستمرة في سياسية الضم وبناء المستوطنات وتهميش السلطة الفلسطينية وإضعافها لتبقى شكلًا بدون فعالية سوى تسخيرها للتنسيق الأمني وهي تجتاح المدن الفلسطينية وتقتل وتعتقل بالإضافة لحصار غزة منذ 2007م، والتخطيط لتنفيذ سياسة التهجير للفلسطينيين من  غزة والضفة الغر بية ؟

اليمين الإسرائيلي وسياسة التهجير: خطة موضوعة منذ عقود

إن المشروع الصهيوني يقوم على تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، وهو ما يعرف بسياسة (الترانسفير) التهجير القسري بالقوة وهذا ما أكدته المذابح التي تعرض        لها الشعب الفلسطيني عام 1948م، مثل مذبحة دير ياسين، ولقد أكد المؤرخون الجدد في إسرائيل بناءً على الوثائق الصهيونية والبريطانية والأمريكية سياسة الترانسفير كما ظهر كتاب المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس " مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين " 1988م"،  والذي أثار ضجة لما كشفه من سياسة التهجير وكيف أن قرى فلسطينية تلاشت من الذاكرة إثر تسويتها بالأرض على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي وبناء مستوطنات جديدة على أنقاضها، كما يكشف الكتاب الفظائع التي ارتكبتها المنظمات الصهيونية منذ نوفمبر 1947م، ويؤكد على تواطئ القيادة السياسية والعسكرية مع مرتكبي تلك الفظائع والتي لا تختلف عما نشهده اليوم في غزة بسبب توفر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الحديثة التي كانت غير متوفرة آنذاك، والجدير بالذكر أن 80% من سكان غزة هم من اللاجئين الذين فقدوا قراهم ومدنهم عام 1948م، واستمرت سياسة بناء المستوطنات، وبعد حرب يونيو 1967م، واحتلال الضفة الغربية  وغزة ، وبذلك أصبحت كامل فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، وبدأت إسرائيل مباشرة في بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس وغزة ، ويعتبر قطاع غزة أكثر تجمع سكاني في العالم في بقعة محدود المساحة 365 كيلومترًا مربعًا وعدد سكانها 2.5 مليون نسمة، وقد فكرت إسرائيل بتهجير سكان غزة أكثر من مرة ففي عام 1970م، كشفت وثائق سرية نشرتها صحيفة الدستور الأردنية في 11 مارس من نفس العام حول خطة إسرائيل تهجير  300 ألف من سكان غزة إلى سيناء وتم حشد عربي لإجهاض الخطة التي تهدف أيضًا إلى تهجير سكان الضفة الغربية للأردن فما نشهده اليوم من سياسة التهجير وبناء المستوطنات ليست بالجديدة فهي خطة مستمرة حسب الظروف والأحوال السياسية الإقليمية والدولية وتمارسها الحكومات المتتابعة في إسرائيل،  فالقضية ليست يمين متطرف أو  أحزاب علمانية فكلها متفقة على التهجير والتوسع فالمستوطنات بدأت في عهد حزب العمل الذي كان يسطر على تشكيل  الحكومات فأول وزارة لليمين شكلها حزب ليكود عام 1977م، برئاسة مناحم بيغن، وعادت فكرة التهجير عام 2000م، عندما قدم اللواء في الاحتياط غيورا أيلاند وكان حينها يرأس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي مشروعًا يعرف " البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين " نشر في مركز بيغن –السادات للدراسات الاستراتيجية، وتم في عام 2004م، إعادة نفس المشروع للواجهة، حيث قدم يوشع بن آريه الرئيس السابق للجامعة العبرية مشروعًا مفصلًا هو نفس مشروع "غيورا أيلاند" الذي يحمل اسمه تتضمن الفكرة تخصيص أراض في سيناء للدولة الفلسطينية وتحديد منطقة العريش الساحلية تحت شعار تبادل الأراضي مع مصر ، وهذا يعكس عدم رغبة إسرائيل في السلام فهذه المشاريع مستمرة وقد أعلنت  بعد اتفاق أوسلو الذي وقع  في  البيت الأبيض في عهد الرئيس كلنتون ، سبتمبر 1993م . وعادت عملية التهجير من جديد أيضًا مع " عملية طوفان الأقصى "، فقد كشفت صحيفة كالكاليست الإسرائيلية Israeli Calicalist وثيقة للتهجير القصري لسكان غزة إلى سيناء أوصت بها وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية غيلا غملائيل وتتضمن الوثيقة ثلاث مراحل: إنشاء مدن من خيام في سيناء جنوب غرب القطاع، وإنشاء ممر إنساني لمساعدة السكان وبناء مدن في منطقة شمال سيناء، وتشير هذه الوثيقة إلى إقامة منطقة محصنة لا يمكن للسكان الذين يتم إجلاؤهم العودة إلى القطاع؟

العدد رقم (1027) 11 مارس 1970

وتحمل الوثيقة شعار وزارة الاستخبارات، وتستخدم بالمناقشات الداخلية بين الوزارات، ومن المفترض ألا تصل الجمهور، لكنها وصلت لمجموعة تقوم حاليًا بتأسيس حركة تسمى "مقر الاستيطان-قطاع غزة" التي تسعى لإعادة الاستيطان إلى غزة وتهجير السكان بالقطاع وهو ما يرفضه الشعب الفلسطيني والسلطة وقيادة المقاومة وكل من مصر والأردن والمجتمع الدولي ؛ دوله وشعوبه، فحكومة اليمين المتطرف تفرض سيطرتها على الضفة الغربية وتريد العودة للهيمنة الأمنية على القطاع  وتعلن رفضًا  لدولة فلسطينية وتريد إدارة بلديات في مدن الضفة، ولكن هناك رفض دولي وإقليمي للمشروع الإسرائيلي الذي ما زال يواصل الحرب على غزة في ظل فشل رئيس الوزراء نتنياهو وحكومته ومجلس الحرب في تحقيقهم أهدافهم في غزة بصمود المقاومة الفلسطينية والصبر الاستراتيجي الذي يمارسه الشعب في غزة رغم حرب الإبادة والتطهير العرقي فطوفان الأقصى يهزم السيوف الحديدية فالمقاوم بعقيدته وإيمانه يهزم سيوف الباطل الحديدية .مهما كانت قوتها.

ويظهر أن إسرائيل ما زالت لم تستوعب أن الشعب الفلسطيني ما زال متمسكًا بأرضه وحق العودة وفي مقالة لألوف بن رئيس تحرير صحيفة هآرتس الإسرائيلية في فبراير الماضي تحت عنوان "إسرائيل قد تدمر نفسها بنفسها "، يذكر حديثًا لوزير الدفاع الأسبق موشيه ديان في مارس 1956م، عندما حضر حفل تأبين ليهودي قتل على أطراف غزة قال للحضور الغاضبين "دعونا لا نلقي اللوم على القتلة. فعلى مدى السنوات الثماني الماضية، أقاموا في مخيمات للاجئين في غزة، وشاهدونا بأم العين نحول أراضيهم وقراهم، حيث كانوا يعيشون مع آبائهم وأجدادهم في السابق، إلى وطن لنا". كان ديان الذي شارك في تهجير الفلسطينيين يلمح إلى "النكبة" الفلسطينية، فقد استوعب مبكرًا أن الفلسطينيين لن ينسوا أراضيهم ومدنهم وقراهم، وهذا يذكرنا بقول بن غوريون مؤسس إسرائيل وأول رئيس وزراء لها بقوله في حديث له مع ناحوم غولولدمان رئيس الحركة الصهيونية الأسبق أوردها في مذكراته " أعرف بالتأكيد أين سأدفن، وأعرف تقريبًا أين سيدفن ابني عاموس، لكنني لا أعرف أين سيدفن حفيدي"؟ وإذا كان بن غوريون لا يعرف أين يدفن حفيده فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نتنياهو يتمنى أن تعمر إسرائيل 100 سنة فقال قبل عدة سنوات " سأجتهد لأن تبلغ إسرائيل عيدها المائة، لكن  هذا ليس بديهياً، فالتاريخ يعلمنا أنه لم تعمر دولة للشعب اليهودي أكثر من 80 سنة، وهي دولة الحشمونائيم ".وقال أيضًا المؤرخ بيتي موريس " إسرائيل لا تزال تدعو نفسها دولة يهودية لكن حكمنا لشعب محتل بلا حقوق ليس وضعاً يمكن أن يدوم في القرن الحادي والعشرين، في العالم الحديث وما أن تصبح لهم حقوق فلن تبقى الدولة يهودية "، بل يقول رئيس الموساد السابق أفراييم هيلفي " نحن على أبواب كارثة إنه ظلام ما قبل الهاوية "؟

تراجع الدعم الغربي لإسرائيل وشعوب العالم ضد الإبادة الجماعية

إن حرب الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل مقصودة وهدف استراتيجي لإسرائيل، ويؤكد ذلك ما قاله رئيس إسرائيل الأسبق شمعون بيرس أن إسرائيل أمام قنبلة سكانية أخطر من القنبلة الذرية، ولذا ترى إسرائيل تقليص عدد الفلسطينيين بالتهجير أو الإبادة الجماعية وهو ما تمارسه إسرائيل، فعدد الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة والقدس والداخل عرب 48 يفوق عدد اليهود في فلسطين، ولذا ترفض جميع الأحزاب الإسرائيلية قيام الدولة الفلسطينية أو الدولة الواحدة ثنائية القومية، واعتبر مارك لينش الخبير في الصراع العربي الإسرائيلي والاستاذ في جامعة جورج واشنطن أن حل الدولتين ما هو إلا سراب، لأن إسرائيل ترفض ذلك لأنها تغلغلت في الضفة الغربية بالمستوطنات وتهيمن على غور الأردن غربي النهر ، ولكن التطورات المهمة مع طوفان الأقصى تراجع التأييد الغربي لإسرائيل وتأييدهم  لحقوق الشعب الفلسطيني، ورغم هرولة زعماء الغرب  الولايات المتحدة وكندا والاتحاد الأوروبي في بداية الحرب فقد أدت الإبادة الجماعية والمظاهرات في مدن العالم للضغط على الحكومات الغربية، وقال رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي في عهد ترامب وهو من أشد المؤيدين  لإسرائيل ومن تيار اليمين المحافظ ، جون بولتون" إن الأمريكيين من أبناء جيله مذهولون من استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت تراجعًا كبيراً في تأييد إسرائيل، وإن تراجع التأييد في أوساط الشباب وضع ملفت للنظر وربما أثر على موقف البيت الأبيض "، وليس أدل على تحول الرأي الأمريكي اتجاه إسرائيل هو إشعال الجندي الأمريكي أورون بوشنيل لنار في نفسه أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن والمظاهرات الشعبية أمام الكونغرس والبيت الأبيض والجامعات مما حرك اللوبي اليهودي لدفع الكونغرس للتحقيق مع ثلاثة رؤساء جامعات عريقة، ولكن واشنطن استعملت حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع إدانة إسرائيل أو اتخاذ قرار لوقف الحرب ولعل أكبر تمرد لنتنياهو على واشنطن ما قاله السفير الأمريكي السابق في سوريا والجزائر روبرت فورد " إن إجبار الولايات المتحدة الآن على القيام بإنزال جوي للمساعدات إلى غزة كما لو أن الولايات المتحدة ليست أفضل من مصر والأردن هو أسوأ إذلال إسرائيلي للولايات المتحدة رأيته في حياتي "؟ ولذلك عندما  تعلن إدارة بايدن لدولة فلسطينية بحل الدولتين، فإنه إعلان تكتيكي لامتصاص رد فعل ما تتعرض له إدارة بايدن من انتقادات حول سياسته المؤيدة لإسرائيل في الإبادة الجماعية، ولتسويق إعلانه بدولة فلسطينية لأنه يواجه  الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأمريكية في نوفمبر القادم، كما أن بايدن معروف بولائه لإسرائيل منذ شبابه وتاريخه في الكونغرس وأحاط نفسه في إدارته بأحد عشر  من اليهود في مناصب حساسة مثل بلينكن وزير الخارجية وأفريل هاينز مديرة المخابرات الوطنية ورونالد كلاين كبير موظفي البيت الأبيض وآن نيوبيرغر مديرة الأمن السيبراني بوكالة الأمن القومي وويندي شيرمان نائبة وزير الخارجية وديفيد كوهين نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، بالإضافة إلى  تدفق الأسلحة لإسرائيل وما تردد عن  مشاركة قوات من النخبة الأمريكية في القتال مع الجيش الإسرائيلي يعطي عدم مصداقيته ورفضه لدعوى  اتهام  جنوب إفريقيا لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب أمام محكمة العدل الدولية وهي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، بينما اصطفت كثير من دول العالم إلى تأييد دعوى جنوب إفريقيا وترافع أمام المحكمة أكثر من خمسين دولة، بل قامت دولة نيكاراغو بتقديم دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد ألمانيا لتقديمها مساعدات مالية وعسكرية لإسرائيل ولتوقفها عن تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. وعلى عكس الموقف الأمريكي أدانت روسيا الاتحادية الإبادة الجماعية الإسرائيلية واستقبلت الوفد الفلسطيني وقيادات المقاومة للتوفيق بينهم للمصالحة الفلسطينية وأيدت وقف إطلاق النار في مجلس الأمن الدولي وقال وزير الخارجية الروسي لافروف إن حل القضية الفلسطينية يكون " بإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على أساس القانون الدولي وحده ما يكفل السلام الدائم بالمنطقة". ولا يختلف الموقف الصيني عن روسيا بإدانة الإبادة الجماعية وموقفها في مجلس الأمن الدولي لوقف الحرب والجدير بالذكر أن الصين أول دولة اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية وقدمت لها الدعم العسكري والتدريب عام 1965م، في عهد ماوتسي تونغ وكانت الصين عندئذ خارج الأمم المتحدة، ولا شك أن الحرب الروسية الأوكرانية ودعم حلف الناتو لأوكرانيا ودعم إسرائيل لأوكرانيا أثر على الموقف الروسي في التقارب مع الدول العربية كما أن الصين في حالة توتر في علاقاتها مع واشنطن بسبب مطالبة الصين بتايوان ودعم واشنطن للأخيرة.

أما موقف الاتحاد الأوروبي فكان مؤيدًا لإسرائيل في بداية الحرب وزار بعض قادة دول الاتحاد إسرائيل ولكن ضغط الرأي العام والمظاهرات التي اجتاحت المدن الأوروبية، أدى لتحول في الموقف لدى بعض الدول الأوروبية ولكن حدث انقسام اتجاه إسرائيل في دول الاتحاد الأوروبي، فموقف كل من إسبانيا وبلجيكا يختلف عن موقف ألمانيا وبريطانيا، ودعا رؤساء وزراء إسبانيا وبلجيكا وإيرلندا ومالطة لوقف دائم للحرب وهذا موقف يتماشى مع نبض الشارع الأوروبي وتغير الموقف الفرنسي وأصبحت محطة للتفاوض لوقف الحرب، وبالطبع بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي، وبرغم أن الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية موحدة ويستخدم عملة واحدة هي اليورو لكن السياسات الخارجية للدول غير موحدة، وكل دولة تصيغ سياستها الخارجية بما يتفق مع مصالحها، وبشكل تحول الموقف الأوروبي في أغلبه بسبب فظاعة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل ضد المدنيين الفلسطينيين العزل.

أما موقف الهند، فقد كانت في السابق مؤيدة قوية وحليفًا لفلسطين، وصوتت عام 1947م، ضد قرار التقسيم واعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا وحيدًا وشرعيًا للشعب الفلسطيني 1974م، ومن أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين عام 1988م، ورغم اعترافها بإسرائيل 1950م، إلا أنها لم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا عام 1992م، ولكن التحول وإقامة علاقات قوية مع إسرائيل جاء مع الحكومة الهندوسية ووصول مودي لرئاسية الحكومة الهندية والتعصب الهندوسي ضد المسلمين وأراد مودي تقوية علاقاته مع واشنطن من خلال إسرائيل وأدان مودي هجوم المقاومة الفلسطينية في الساعات الأولى من بدايته، ولكن التأييد الشعبي في الهند لا زال قويًا رغم ضغط الحكومة الهندوسية وبسبب المصالح الهندية مع دول الخليج العربي وخاصة العمالة الهندية والعلاقات التجارية والحاجة للطاقة والممر الاقتصادي الجديد من الهند للبحر المتوسط  يمكن الضغط على الهند لتأييد الموقف العربي إذا شعرت أن موقفها مع إسرائيل يهدد مصالحها في المنطقة العربية؟

المبادرة العربية: الظروف الدولية والإقليمية مناسبة

الظروف الدولية والإقليمية الحالية مناسبة لإعادة طرح المبادرة العربية للسلام، فهناك انقسام في النظام الدولي مما يؤثر على الموقف الأمريكي المؤيد الرئيس لإسرائيل سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، وهناك تحول مهم في الرأي العام الأمريكي اتجاه إسرائيل ويواجه الرئيس بايدن معارضة قوية في أوساط الناخبين في الولايات الأمريكية وحسب استطلاعات الرأي، فقد أظهر استطلاع لصحيفة نيويورك تايمز أن نسبة رفض الناخبين الشديد للأداء الوظيفي للرئيس بايدن  وصلت 47% وهي أعلى نسبة استطلاع سلبي خلال فترة رئاسة، إضافة إلى تقدم المرشح الجمهوري المحتمل عليه في استطلاعات الرأي للناخبين الأمريكيين.

وحيث أن أمريكا في مرحلة انتخابية تبقى مؤيدة بقوة لإسرائيل سواء كان الفائز جمهوريًا أو ديمقراطيًا إلا أنها تتراجع في تأثيرها دوليًا وهناك تأييد عارم لفلسطين فحسب رصد شبكات التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بالحرب على غزة فإن 83% من التدوينات مؤيدة لفلسطين، كما أن إسرائيل نفسها تعاني من الانقسام  السياسي داخليًا بسبب الصراع بين الأحزاب السياسية وداخل حكومة اليمين المتطرف، فهناك مطالبة بانتخابات مبكرة لإسقاط نتنياهو لفشله في تحقيق أهداف الحرب وهزيمته العسكرية وحسب استطلاعات الرأي في إسرائيل 52% من الإسرائيليين يعتقدون أن نتنياهو يستخدم الاستمرار في الحرب لمصلحته وهو المعرض للمحاكمة .

تؤيد الدول الإقليمية المبادرة العربية وبعض الدول العظمى ودول عدم الانحياز فإسرائيل أصبحت دولة مارقة، لذا يمكن تفعيلها في طرحها بإجماع عربي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي والمنظمات الدولية التي جلها أدانت الإبادة الجماعية وتجد القضية الفلسطينية تعاطفًا شعبيًا عالميًا في مختلف المحافل الدولية الشعبية والرسمية مما يوفر الفرصة لطرحها، ولقد أعلنت المملكة العربية السعودية صراحة أنه لا علاقة ولا تطبيع مع إسرائيل إلا بتنفيذ بنود المبادرة العربية بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس والحل العادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين، فالإجماع العربي والظروف الدولية كلها مناسبة حاليًا للمبادرة العربية وخاصة خشية الدول من توسع الحرب إقليميًا وقد تصبح دولية فلا استقرار ولا سلام بدون حل عادل للقضية الفلسطينية ،وأثبتت الأحداث أنه لا يمكن تجاوزها.

مقالات لنفس الكاتب