array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 196

الرؤية الخليجية فرصة تاريخية إقليمية والمطلوب التفاهم لتثبيت مبدأ التفاوض في تسوية الخلافات

الأحد، 31 آذار/مارس 2024

حققت تجربة دول الخليج الست باتجاه التنسيق والتكامل تحت سقف " مجلس التعاون لدول الخليج العربية " الكثير من الأهداف المعلنة في نظامها الأساسي عام 1981م. ولعبت خصوصيات السمات المشتركة وأنظمة الحكم المتشابهة والمتقاربة والعلاقات الخاصة دورًا أساسيًا في بناء هذه الصيغة التعاونية على طريق الوحدة التي هي بين أهداف الدول الأعضاء إلى جانب تفعيل خطط التوسعة الجغرافية التي إنطلقت باتجاه 4 دول مجاورة حتى الآن.

إلى جانب ذلك يشكل هدف " مواجهة الأخطار المحدقة بمنطقة الخليج العربي " مادة أساسية بين مواد الانفتاح والتعاون داخل هذه الصيغة التوافقية التي نجحت في توحيد الكثير من استراتيجياتها بعيدة المدى وتثبيت دورها كمركز ثقل سياسي وأمني واقتصادي إقليمي ودولي، وسط الكثير من التحولات الإقليمية والتوازنات القائمة في منطقة الخليج والدوائر المحيطة بها، وحيث تجتهد العديد من الدول المؤثرة لتفعيل دورها في هذه البقعة الجغرافية المهمة.

توصف رؤية دول مجلس التعاون الخليجي لمفهومي الأمن الوطني والإقليمي بأنها كانت دائمًا متداخلة مترابطة وعلى دراية كاملة بأهمية التوازنات والمعادلات الدولية التي تتفاعل معها وتحيط بها. وتضع هذه الرؤية أسس ومعالم سياساتها وتطرح استراتيجيات التعاون العسكري والأمني بأكثر من اتجاه ثنائي ومتعدد الأطراف. فعلى ماذا تقوم الرؤية الخليجية للأمن الإقليمي؟ وما هو دور الدول المحيطة أو المجاورة في دعم أحد أبرز تطلعاتها الاستراتيجية باتجاه حل الخلافات عبر التفاوض والحوار بين دول الإقليم في إطار الطرح والتبني الخليجي؟ وما هي أبرز الخلافات الواجب التعامل معها في هذه المرحلة؟ وما مدى استعداد إيران وتركيا وإثيوبيا كدول شريكة أو مجاورة أو فاعلة في منطقة الخليج العربي وإمتداداته الجيو سياسية للمساهمة في تحقيق هذه الأهداف وتكثيف الجهود لتجنيب المنطقة تداعيات الأزمات والأخطار المحدقة؟ وكيف يمكن صياغة آليات التجاوب مع الرؤية الخليجية في تحقيق مبدأ التعايش السلمي وإيقاف التوترات والصراعات والحروب والتفرغ للتعاون من أجل التنمية والبناء وتحقيق طموحات الشعوب؟:

 

1 -الرؤية الخليجية للأمن الإقليمي:

 

تجهد دول الخليج العربي مثل غيرها من التكتلات الإقليمية والدولية لتحديث رؤيتها للأمن الإقليمي وسط الكثير من الصراعات والمشاكل المحدقة بمنطقة الخليج وحوض البحر الأحمر وامتداداتهما الجيوسياسية والجيو استراتيجية.

أكدت الدول الخليجية دائما تمسكها بمواقفها المعلنة منذ تاريخ تأسيس مجلس التعاون وحتى اليوم بأن "أمنها كل لا يتجزأ" وأنها دعمت باستمرار خيار حل الخلافات عبر التفاوض والحوار انطلاقا من تكثيف الجهود لتجنيب المنطقة تداعيات الحروب. هي تجتهد اليوم أيضًا وسط كل هذا الحراك السياسي والأمني والاقتصادي لتثبيت هذه الرؤية وتوسيع رقعتها في الإقليم عبر الحوار والتفاوض كما فعلت منذ عقود وحتى اليوم، رغم صعوبة المرحلة بسبب ما يدور في منطقة الخليج وحولها من أزمات قابلة للتحول السريع إلى تهديدات ومخاطر وانفجار أمني وعسكري واسع.

 

انطلاقًا من ذلك طرحت الدول الخليجية أكثر من اقتراح ومشروع تعاون أمني سداسي توج بما كشفت عنه مؤخرًا وزارة الخارجية السعودية حول أن مجلس التعاون الخليجي وصل إلى رؤية خليجية موحدة للأمن الإقليمي خلال دورته الـ 158، تقوم على تحقيق عدة أسس تضمنت مجموعة أهداف وقناعات سياسية وأمنية واقتصادية تنتظر التنفيذ في المرحلة المقبلة وأهمها: تكثيف جهود المحافظة على منظومة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل. والتمسك بمبدأ الدفاع عن كيان مجلس التعاون وتحقيق أمنه الجماعي. وتطوير قدرات قوات درع الجزيرة على كافة المستويات. وتوسيع مجالات التكامل الدفاعي

وتنويع مصادر شراء الأسلحة ومكافحة الإرهاب والتطرف بجميع أشكاله ومظاهره. والسعي الدائم لتحقيق أهداف أشمل باتجاه الاستقرار والازدهار في المنطقة وتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

خصوصية الطرح الخليجي والسعودي الاستراتيجي الجديد تحديدًا هنا أيضًا هي الدعوة للتحرك باتجاه توسيع رقعة التعاون بين دول المنظومة الخليجية في إطار رؤية سياسية وأمنية واقتصادية تستند إلى مبدأ "حل الخلافات عبر التفاوض والحوار، وتكثيف الجهود لتجنيب المنطقة تداعيات الحروب" ومرجعيات النظام الأساسي لدول مجلس التعاون، واتفاقية الدفاع المشترك، ومبدأ المصير المشترك، وأن أمن دول الخليج الست كل لا يتجزأ، وبحسب تاريخ طويل من التجارب والجهود التي تحمي مصالح المنظومة الخليجية وأمن واستقرار الإقليم. لكن الرؤية السعودية تهدف أيضًا لفتح الأبواب والطريق أمام الراغبين في المنطقة الانفتاح على هذه الطروحات وإشراك الدول التي تدعم هذا التصور الاستراتيجي الإقليمي الذي يحتاجه الإقليم اليوم، بعيدًا عن مواصلة البعض لمحاولات تأجيج النزاعات وصب الزيت فوق نار التوتر والتردد المتعمد في الاستجابة لمتطلبات المرحلة.

2 – عقبات تنتظر الحلول

دفعت التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية ودخول أكثر من لاعب إقليمي من خارج المنطقة على خط التوازنات الحساسة القائمة، لتغير قواعد اللعبة في الإقليم المتداخل والمتشابك المصالح والجغرافيا والثروات. هناك أكثر من سبب ودافع سياسي وأمني واقتصادي قاد إلى ذلك يتقدمه سياسات إسرائيل وإيران في الإقليم وتقديم حساباتهما ومصالحهما على حساب ومصالح الأمن الإقليمي واستقراره.

بقدر ما رفضت إسرائيل جهود الوساطات والتهدئة وطروحات إنهاء الصراع الفلسطيني وتبني الحلول والقرارات الدولية، تورطت إيران بعد عام 1979م، في ملفات تسخين الأجواء في الخليج والشرق الأوسط التي كان لها ارتداداتها السلبية والخطيرة على التوازنات الإقليمية الحساسة، كما أثارت تدخلاتها في شؤون دول المنطقة العربية والخليجية تحديدًا حالة من الانقسام والعداء الطائفي الذي أشعل أكثر من صراع ما زالت إرتداداته تتفاعل بعد حروب الخليج الثلاث. إلى جانب الخسائر والأضرار البشرية والمادية والاقتصادية التي تسببت بها هذه الممارسات. من هنا تبرز أهمية أمن الخليج العربي والدور الخليجي في المعادلة الإقليمية وضرورة وضع وتبني رؤية خليجية تأخذ بعين الاعتبار الأهداف والمصالح الأمنية المشتركة لدول المنظومة، وتفتح الطريق أمام دعوة الراغبين من دول المنطقة وعلى رأسهم إيران وإثيوبيا وتركيا للمشاركة في مواجهة التهديدات والأخطار المحدقة.

تستدعي متطلبات المرحلة حراك إقليمي بطابع شمولي جديد وهذا ما قررت الرياض فعله كما يبدو. هذا ما تفعله على أكثر من جبهة إقليمية ساخنة ومع العديد من العواصم  بهدف تبريد الأجواء وتفعيل حراك سياسي ودبلوماسي يجنب المنطقة المزيد من المخاطر والأعباء، وتكون ترجماته العملية محادثات استكشافية وتفاهمات إنهاء الخصومة بأكثر من اتجاه وتشمل إيران، وإنهاء حالة الاستقطابات السياسية والعسكرية ، والاستفادة من الفرص الاقتصادية بعد التهدئة الإقليمية المصحوبة بوقف التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية للدول والتسوية السلمية للصراعات، وفتح الطريق أمام قناعات سياسية جديدة حول تقاسم الفرص والأعباء فيما يخص ترتيبات "اليوم التالي"  والتجاوب مع رغبات وطموحات الرؤية الخليجية من قبل دول الجوار ومن بينها تركيا وإيران وإثيوبيا بهدف الوصول إلى تحقيق مبدأ التعايش السلمي وإيقاف التوترات والصراعات والحروب والتفرغ للتعاون من أجل التنمية والبناء وتحقيق طموحات الشعوب. 

3 -سبل وفرص الدعم التركي والإيراني والإثيوبي للرؤية الخليجية

 تستطيع دول الخليج بما تملكه من مقومات وقدرات اقتصادية سياسية مؤثرة في السياسة الإقليمية وعملية التوازنات الدولية أن تلعب دورًا محوريًا في إيجاد حلول لكثير من الأزمات والمشاكل التي تعصف بالإقليم. العقبة هي دفع إيران وإسرائيل لتبديل سياساتهما الإقليمية وقبول مبادىء وأسس الحوار والتنسيق الحقيقي في المواقف وتقديم متطلبات الأمن والتعاون والازدهار على حسابات تأجيج الصراعات والنزاعات وتغذية بؤر التوتر في المنطقة. فما هو مدى استعداد إيران وإثيوبيا وتركيا مثلًا للانفتاح على الرؤية الخليجية والدخول في مراجعة العديد من المواقف والسياسات.

إيران والخليج

تردد القيادات العسكرية الإيرانية أنها جاهزة للحوار ومنفتحة على دول الإقليم وأن طهران لن تكون البادئة في أية حرب تندلع في المنطقة وأنها جاهزة للتنسيق الأمني والعسكري. لكن الممارسات على الأرض كما رأينا مؤخرًا في حوض البحر الأحمر تذهب باتجاه معاكس مغاير. هي تواصل جولات التفقد الاستفزازية والتواجد العسكري والاستيطان الإيراني في الجزر الإماراتية المحتلة، وإرسال السلاح والدعم لمجموعات الحوثي في اليمن. تقول طهران أنها تقبل بوجود تباعد في الرؤى بينها وبين جيرانها في الإقليم الذين يولون الاهتمام للبناء الداخلي وتنمية الموارد وتوسيع رقعة التعاون الإقليمي والدولي، لكنها بدل التحرك باتجاه الحوار والتهدئة تواصل خطط استهداف بنية دول المنطقة عبر دعم تشكيل الميليشيات والجماعات المسلحة المتطرفة لخدمة أهدافها.

دون ذهاب إيران باتجاه مراجعة جذرية في سياساتها الإقليمية والتخلي عن عقيدة التسلح النووي وقبول احترام سيادة الدول في المنطقة، وتبني القوانين الدولية التي تكفل حرية الملاحة والتجارة في الممرات البحرية لن تذهب الكثير من دول المنطقة وخارجها باتجاه تفعيل الحوار الحقيقي والانفتاح السياسي عليها.

تركيا والخليج

شهدت العلاقات التركية الخليجية رغم حالة الجمود والتوتر التي عاشتها قبل سنوات، جملة من خطوات التعاون والتنسيق، ونجح المسار الجديد في تسجيل اختراقات سياسية واقتصادية وعسكرية على طريق تعزيز فرص التقارب والانفتاح الذي فتح الأبواب أمام تحول نوعي بطابع استراتيجي في العلاقات بين الجانبين. وتعكس الزيارات المتبادلة بين القيادات التركية والخليجية حجم هذا التقارب خصوصًا في الملفات الثنائية والإقليمية بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمملكة العربية السعودية ومشاركته في أعمال قمة مجلس التعاون الأخيرة في الدوحة وحضوره كضيف شرف على قمة المناخ العالمي "كوب 28" بدبي.

القناعة القائمة اليوم هي أن التفاهمات بين الجانبين حول قضايا المنطقة والتهديدات المحتملة تعزز من التقارب والانفتاح، وتسهل إيجاد نواة جديدة للتعاون، لا سيما في المجالات الاستراتيجية، بالنظر إلى تكامل القدرات الخليجية/ التركية التي تكمل بعضها في العديد من الحقول الاقتصادية والعسكرية والتنموية.

القناعات الجديدة في أنقرة والعواصم الخليجية مصدرها أيضًا متطلبات المرحلة القائمة في المنطقة وضرورات انتهاج سياسات مغايرة في التعامل مع الأخطار والتهديدات المحدقة.

أرقام التبادل التجاري المتزايد وخطط التعاون الأمني والعسكري وتنسيق المواقف السياسية حيال ما يجري في غزة وتفعيل التعاون في القارة السمراء وضرورة تسريع إنهاء الحرب الروسية / الأوكرانية لما لها من ارتدادات إقليمية ودولية بين أهداف التقارب والتنسيق الاستراتيجي التركي الخليجي اليوم.

 بين ما سهل الوصول إلى المشهد القائم في العلاقات التركية / الخليجية واحتمال انفتاح أنقرة الواسع على الرؤية السعودية هو الانعطافة في سياسة تركيا الخارجية قبل 3 أعوام باتجاه التهدئة وفتح أبواب مسارات الحوار والتعاون مع الدول العربية ودور عامل الاقتصاد والتجارة وخطط وبرامج الاستثمارات والفرص المتاحة، فضلًا عن متطلبات القراءات الواقعية والعملية في مواجهة العديد من الأزمات المتفاعلة في الإقليم.

إثيوبيا والخليج

وقفت الدول الخليجية إلى جانب إثيوبيا في مساعدتها على التعامل مع الكثير من أزماتها السياسية والأمنية والاقتصادية، فضلاً عن علاقات سياسية قوية أفضت لإنهاء حرب تفاعلت لسنوات طويلة بين أديس أبابا وجارتها إرتيريا. وتدرك إثيوبيا حجم الحضور الاقتصادي الخليجي في العلاقات بين الجانبين خصوصًا وأن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة هما بين كبار المستثمرين في إثيوبيا منذ سنوات. ولا يمكن هنا إغفال دخول العواصم الخليجية أكثر من مرة على خط التهدئة والوساطة بين إثيوبيا ومصر في ملف سد النهضة لكن ذلك لم يحل دون تبني المنظومة الخليجية موقف الجامعة العربية ككل في دعوة مجلس الأمن الدولي للتدخل في أزمة السد وإيجاد حل يراعي مصالح الأطراف الثلاثة المصرية والسودانية والإثيوبية ويضمن تنفيذ القانون الدولي منعاً للتوترات.

تدرك أديس أبابا أهمية تحسين وتعزيز علاقاتها السياسية مع المنظومة الخليجية وأن مسار هذا الانفتاح مرتبط أيضًا بإنهاء الخلافات المائية مع مصر تحديدًا، وتجنب تحويل حاجتها لحماية مصالحها التجارية التي تعتمد على استقرار سلاسل الإمداد الغذائي والممرات الملاحية إلى سبب من أسباب الخلاف والتباعد في إفريقيا وفي منطقة حوض البحر الأحمر. البحث عن فرص مواجهة أزماتها الغذائية والتجارية والوصول إلى موانىء بحرية، لا يمكن أن يكون على حساب الأمن في إفريقيا والبحر الأحمر.

خلال الحديث عن التعاون السياسي والأمني والرؤى المشتركة لا يمكن تجاهل حقيقة أن

خيارات إثيوبيا ما زالت تتعارض مع خيارات العديد من الدول المجاورة لها، وأن الخطوة الأولى قد تكون باتجاه مراجعتها لسياسة اعتبار القرن الإفريقي وحوض النيل والبحيرات العظمى، مناطق نفوذ إقليمي تسعى لإبراز هيمنتها عليها. إلى جانب التخلي عن رؤيتها الاستراتيجية في الوصول إلى جميع الموانئ البحرية في منطقة القرن الإفريقي ضمن المشروع الإقليمي الذي يقوم على ضمان التقدم الاقتصادي والخروج من معضلة كونها دولة حبيسة، على حساب بقية الدول المجاورة وفي مقدمتها مصر. فرص أديس أبابا الإقليمية ستكون أكبر وأقوى بعد إنهاء الخلافات مع جيرانها والاستفادة من الدور الخليجي وتجييره لوساطات تنهي حالة التوتر وعدم الاستقرار وتحول دون المزيد من التصعيد.  المنتظر أيضًا هو قراءة إثيوبية أكثر واقعية بعيدًا عن تعريض التوازنات الحساسة للخطر والتعويل على بناء إصطفافات تحاول من خلالها حماية مصالحها على حساب الأمن الإفريقي المائي والتجاري.

خاتمة

أثبتت خطوات التصعيد الإقليمي الأخيرة في قطاع غزة وحوض البحر الأحمر وإفريقيا حاجة المنطقة إلى صناعة إنفتاح سياسي وأمني عاجل يحول دون المزيد من التصعيد.

الرؤية الخليجية قد تكون هنا فرصة تاريخية لأكثر من لاعب إقليمي. المطلوب هو التفاهم حول طرق وخطط الوصول إلى تحقيق هذا الهدف وترجمته عمليًا على الأرض تحت شعار تثبيت مبدأ التفاوض في تسوية الخلافات، وإبعاد مبدأ استخدام القوة في حلها. ومن أجل ذلك وعلى طريق الأولويات من الممكن إنشاء وتفعيل عمل لجان وهيئات تنسيق وتعاون استراتيجي رفيع المستوى، وتسريع تشكيل مجالس مؤسسات العمل الاقتصادي والتجاري المشترك. والالتزام بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الموقعة، والفصل بين الملفات بشقها السياسي والأمني والاقتصادي وطرح الحلول لمعالجتها بشكل مدروس ومبرمج. مدعوم بوجود الرغبة والثقة للذهاب بهذا الاتجاه.

ركزت دول الخليج العربي في كل مبادرتها الإقليمية على ضرورة تدعيم أشكال التعاون الثنائي والمتعدد الأطراف، والدعوة للاستفادة القصوى من فرص التقارب والانفتاح وتقديمها على أسباب التباعد والخلاف، وضرورة إقامة علاقات سياسية وأمنية تبعد تعريض الأمن الإقليمي للخطر وذلك من خلال ترتيبات أمنية جديدة تأخذ في الاعتبار المصالح المتبادلة وحل الخلافات بما يستدعي حماية مصالح دول المنطقة وشعوبها على حساب مصالح اللاعب الخارجي الذي قد لا تكون التهدئة بين أولوياته. تجربة التصعيد الأخير في البحر الأحمر إثر تعرض السفن للهجمات الحوثية و طرحت أمريكا خيار الرد الجماعي العسكري الذي لم يلق القبول والدعم وتمسك دول المنطقة بتبني خيار دعم جهود إنهاء التصعيد بشكل سياسي ودبلوماسي. إلى جانب إحترام مبدأ السيادة الوطنية لجميع الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والابتعاد عن التحريض الإعلامي وتسوية الخلافات بالطرق السلمية وعدم استخدام القوة أو التهديد بها لفض المنازعات، بين أفضل الخيارات الممكن اعتمادها وتحريكها للتقريب بين دول المنطقة وهو ما تدعو إليه وتدعمه دول الخليج منذ سنوات.

بقدر ما تسعى العديد من العواصم الغربية لحماية مصالحها التجارية في الممرات المائية الخليجية والشرق أوسطية عبر عدم قطع الخيط الرفيع في علاقاتها بإيران رغم انحيازها لإسرائيل في المنطقة، فإن متطلبات حماية مصالح دول المنطقة تستدعي الوصول إلى قناعة مشابهة تأخذ بعين الاعتبار الأهمية الاستراتيجية لمصالحها في الأحواض والممرات المائية وضرورة حماية إمدادات النفط والملاحة البحرية والحؤول دون التسبب في أزمات مالية واقتصادية أكبر.

واضح على ضوء الحراك السياسي الخليجي الإقليمي الأخير أن هذه الدول لن تتريث كثيرًا وهي تبحث عن خطط ومشاريع حماية أمنها والدفاع عن مصالحها، فهناك ما يحتم الانتقال ببنيتها السياسية والأمنية والاقتصادية إلى مراحل توثق التعاون والتلاحم أكثر فأكثر في الأشهر القادمة. العواصم الخليجية لن تنتظر البعض طويلًا ليحسم موقفه ويحدد خياراته باتجاه تبني متطلبات المرحلة المقبلة في الإقليم إذا ما كانت راغبة فعلًا في تجنيب شعوبها المزيد من الويلات والكوارث، وفتح الطريق أمام جهود التنسيق والتعاون المشترك لمواجهة الأخطار المهددة.

يعول البعض على قوته العسكرية لحماية مصالحه غير عابئ بأية معايير سياسية وقانونية وأولويات دبلوماسية تستدعي قبول وجود محددات إقليمية ودولية ينبغي احترامها. وهذه هي الخطوة الأولى على طريق مراجعة المواقف والسياسات الواجب اعتمادها من قبل العديد من الدول التي تقول إنها تبحث عن فرص للتنسيق والتعاون مع الإقليم.

الطريق الأقصر والأسهل في استراتيجية التقارب والانفتاح الإقليمي على العواصم الخليجية يمر عبر تجنيب المنطقة المزيد من الإنزلاق في مستنقع حرب إقليمية أوسع بسبب التعنت الإسرائيلي في مواصلة الحرب على قطاع غزة بعد الهجوم الذي نفذته مجموعات حماس في السابع من أكتوبر المنصرم، وتمسك إيران عبر وكلائها في المنطقة باستغلال مثل هذه الفرص للتصعيد أكثر فأكثر ، والاستفادة من دروس التقارب التركي / العربي الأخير واستعداد إثيوبيا لقراءة التحولات في القارة السمراء وحوض البحر الأحمر بواقعية تأخذ بعين الاعتبار مصالح الجميع في المكانين .

مقالات لنفس الكاتب