array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 195

التوافق الدولي والإقليمي ووضع مصلحة وأمن المنطقة في الحسبان ضرورة لعبور الأزمة

الخميس، 29 شباط/فبراير 2024

تشهد منطقة البحر الأحمر حالة من الاستقطاب الدولي والإقليمي، كل طرف يحاول ترسيخ موطئ قدم له في هذه المنطقة الجيوستراتيجية؛ نظراً لأن البحر الأحمر يتمتع بمكانة فريدة تميزه عن باقي الممرات البحرية الدولية، التي بدورها استدعت التنافس والصراع بين القوى المختلفة في محاولة لفرض السيطرة عليه، ومع تدشين قناة السويس أصبح له مكانة خاصة، حيث أنها ساعدت على ربطه لأول مرة بالبحر المتوسط؛ ليصبح أقصر ممر ملاحي يصل الشرق بالغرب، كما أنه حل محل طريق رأس الرجاء الصالح الذى استُخدم قديماً في حركة التجارة الدولية، ومن هنا فإن النزاعات التي تدور رحاها على مياه الأحمر تهدد مصالح العديد من الدول، ناهيك عن تقويض حالة الأمن والاستقرار بالمنطقة التي تعانى بالفعل من صراع مفتوح جراء الأزمات الدولية التي باتت تعصف بها مؤخراً.  

مظاهر التهديد في البحر الأحمر:

 

خريطة التوترات في منطقة البحر الأحمر

1-التنافس الدولي:

تشهد منطقة البحر الأحمر، لاسيما دول القرن الإفريقي موجة من التمدد الدولي والإقليمي، وسعي الدول الكبرى لتأسيس قواعد عسكرية في هذا النطاق؛ بحجة تطويق الجماعات الإرهابية وأنشطة القرصنة، وتتنافس القوى الكبرى عند المضائق المائية الاستراتيجية على السواحل الإفريقية، وهو ما يشكل تهديدًا للأمن البحري للقارة، لما ينطوي عليه من تزايد عسكرة المنطقة، ويمكن تناول ذلك في إطار التواجد الدولي في البحر الأحمر، والقواعد العسكرية المتواجدة على سواحله:

أ-التواجد البحري:

بعد الضربات الحوثية الأخيرة التي تستهدف السفن في البحر الأحمر قامت الولايات المتحدة بطرح مبادرة تشكيل تحالف عسكري بحرى متعدد الجنسيات 18 ديسمبر المنصرم أُطلق عليه "حارس الازدهار"، بجانب القوة 153 التابعة لها، التي أُطلقت عام 2022م، والتي تعمل في مجال مكافحة الأنشطة غير المشروعة في البحر الأحمر والقرصنة وتجارة المخدرات، وتأمين حرية الملاحة؛ للتصدي للهجمات الحوثية، ويقع نطاق عمليات هذه القوة في جنوب البحر ومضيق باب المندب وخليج عدن، ويشارك بها أكثر من 20 دولة، ويتم تفعيل هذه المشاركة عبر القيام بدوريات مشتركة في مياه الأحمر، وقد توالت الهجمات بين جماعة الحوثيين وأمريكا والحلفاء الغربيين، فعمليات الاستهداف التي قامت بها الجماعة على السفن التجارية تبعها ضربات جوية على أهداف عسكرية تابعة لهم من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا، مع تأكيدات من الحوثي على مواصلة الاستهدافات التي شنها ضد أي سفن لها صلة بالكيان الإسرائيلي، بل واستخدام البحر والملاحة عبر مضيق باب المندب كورقة ضغط رابحة ضد الدول الغربية التي تمادت في دعم المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، عبر التأثير على طرق التجارة، الخيار المفضل لمثل هذه الدول في تبادلاتهم التجارية مع العالم الخارجي.

الأسطول الأمريكي الخامس، الذي تم تدشينه في تسعينيات القرن الماضي، يعد بمثابة امتداد للحضور العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها وحماية طرق التجارة ومصادر الطاقة ومحاربة الإرهاب والقرصنة البحرية والتحديات السيبرانية، وينظم الأسطول مناورات دورية لضمان الجاهزية وتعزيز الردع وتأمين حرية الملاحة، كما يراقب أنشطة إيران التي ترى في وجوده عامل اضطراب ويمثل إخراجه من الخليج العربي أحد أهم أهدافها.

ب-القواعد العسكرية:

لقد عولت بعض الدول الأجنبية التي لم تتمكن من ترسيخ موطئ قدم لها في البحر الأحمر على القواعد العسكرية التي بادرت بتأسيسها مع تصاعد عمليات القرصنة عام 2008م، ولم ينصرم العقد الثاني من القرن الـ21، حتى كانت دول عديدة قد ثبتت قواعد عسكرية لها في بلدان مثل: جيبوتي والصومال وإريتريا واليمن، وشمل ذلك قواعد لإسبانيا واليابان وإيطاليا والصين وغيرهم، إضافة إلى القاعدتين العسكريتين الفرنسية والأمريكية اللتين كانتا موجودتين من قبل، والأحرى بالذكر في هذا الصدد هو القواعد المتواجدة على سواحل البحر الأحمر، فتلك العوامل مجتمعة تضغط على مستوى الاستقرار الأمني فيه.

2-هجمات الحوثيين:

لم تكن هجمات الحوثي وليدة الحرب الإسرائيلية على غزة، فقد بدأت قبل ذلك، ولكن زادت وتيرتها في السابع من أكتوبر الماضي مع اندلاع هذه الحرب، حيث قام الحوثيون باستهداف السفن المملوكة لإسرائيل أو السفن المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية؛ تضامناً مع الشعب الفلسطيني، بما أدى إلى عرقلة الملاحة البحرية، فتكثيف الحوثيين هجماتهم عند مضيق باب المندب دفع العديد من شركات الشحن العملاقة إلى تعليق رحلاتها عبر البحر الأحمر، وبدأت حوالى 55 سفينة تحول مسار عبورها إلى طريق رأس الرجاء الصالح منذ 19 نوفمبر الماضي وفي ظل هذا الوضع المضطرب، جاءت إيران؛ لتُدخل المدمرة البحرية "ألبرز" التابعة لها، بجانب الفرقاطة اللوجستية "بوشهر" المزودة بصواريخ كروز بحرية بعيدة المدى عبرت البحر؛ لكي ترسو قبالة مضيق باب المندب، وقد جاءت هذه التحركات كنتيجة لإرسال الولايات المتحدة سفناً بحرية في إطار التحالف البحري الذى دشنته هذه الأخيرة، ويبعث ذلك رسالة تحذير للجانبين الأمريكي والبريطاني من مغبة التطاول على جماعة الحوثي باعتبارهم جزء أساسي من محور المقاومة، ويحرك إعادة التموضع الإيراني في المنطقة شهية التوترات في البحر الأحمر، كما أن الخطوات التي اتخذتها القيادة الإيرانية لمناوءة إسرائيل وواشنطن تعد جزءًا من استراتيجية استعراض قوتها في المنطقة، إلا أن انخراطها في الضلوع في هجمات الحوثيين عبر دعمهم بالطائرات المسيرة والصواريخ والمعلومات الاستخباراتية التكتيكية، صعد من خطورة الموقف، وفجّر البارود على مياه البحر الأحمر؛ فأصبحت المنطقة محاصرة بحرب إقليمية مصغرة، تثار التخوفات من احتمالية توسعها وإطالة أمدها بما يهدد أمن واستقرار هذا الحيز الجيوستراتيجي الهام.

3-القرصنة:

لقد أدت التوترات في البحر الأحمر إلى زيادة نشاط القرصنة، فبدأ القراصنة الصوماليون في توسيع عمليات خطف السفن التجارية قبالة مضيق باب المندب، وتصاعدت وتيرة المخاوف بشأن عودة القرصنة على السواحل الصومالية، وذلك بعد اختطاف مسلحين سفينتين تجاريتين خلال شهر ديسمبر الماضي بالقرب من منطقة أيل داخل المياه الإقليمية الصومالية، علاوة على ذلك فقد تم فقد جنديين أمريكيين في البحر الأحمر، يُقال أنهم كانوا في مهمة البحث عن شحنة أسلحة متجهة إلى اليمن بعد أن اشتبهت السلطات الأمريكية في أمر سفينة كانت تعبر خليج عدن محملة بأسلحة إيرانية، وفيما يتعلق بالخطوة الإثيوبية للحصول على منفذ على البحر الأحمر، فإن ثمة تهديد بخصوص زيادة نشاط القرصنة إذا ما تمكنت أديس أبابا من تحقيق هذا الهدف، وهو ما سيعمل على توسيع رقعة الصراع المشتعلة بطبيعة الحال.

4-اتفاق إثيوبيا وأرض الصومال:

بعد إقدام الحكومة الإثيوبية على توقيع اتفاق مع أرض الصومال؛ للحصول على منفذ على البحر الأحمر عبر ميناء بربرة التابع لصومالي لاند، وخلال الفترة الماضية سعى آبى أحمد بكافة السبل؛ لمحاولة تأمين مسألة التواجد على سواحل الأحمر، وتنويع منافذ بلاده البحرية، بما في ذلك السودان وكينيا، وأثيرت المخاوف بشأن أن هذه التحركات قد تؤدى إلى تهديد الأمن والاستقرار الإقليمي، وتأجيج بؤر التوتر الملتهبة بطبيعة الحال في المنطقة، لا سيما في ظل تزايد أطماع أديس أبابا، ورفض بعض الدول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، والتي أعلن فيها أنه في حال فشل بلاده في تأمين الوصول إلى مياه البحر الأحمر سوف يؤدي ذلك إلى صراع، كما أن نجاح  إثيوبيا في تحقيق هذا الهدف سيمنحها نقطة انطلاق للتحكم في حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب الواصل إلى قناة السويس، بما قد يهدد الأمن القومي العربي ومصالح مصر الاقتصادية والأمنية بشدة، إذا ما وظفت إثيوبيا نفوذها في الصومال لصالح أجندتها السياسية، وبالنظر إلى تحركات أديس أبابا، التي قد تثير حفيظة العديد من الدول الإفريقية وبصفة خاصة دول القرن الإفريقي، نجد أن ذلك قد يعزز من فرص مصر للتواجد بقوة في هذه المنطقة، وهو ما سيعطيها بعداً استراتيجياً هاماً، وربما تكوين رابطة داعمة لحقوقها التاريخية في مياه نهر النيل، فتكون هذه الرابطة بمثابة ورقة ضغط على إثيوبيا فيما يتعلق بملف سد النهضة؛ لكسر جمود المفاوضات المتعثرة، ويحتمل أن تشهد أديس أبابا خلال الفترة المقبلة بعض المشاكل السياسية مع دول الجوار، وأمنية تتمثل في تفاقم الاضطرابات الداخلية، وسيادة مناخ عدم الاستقرار بعض الشيء خارجياً، وبالطبع زيادة أنشطة الجماعات الإرهابية التي تنشط في البيئات غير المستقرة، وبالرغم من ذلك فإن كل هذه الأمور قد لا تعيق إثيوبيا عن تحقيق هدفها، والذى تسعى إليه منذ فترة، بالرغم من التحديات التي تواجهها وضعف أداء اقتصادها، وهو ما يعيد إلى الأذهان أنه قد يكون هناك دعم خارجي يدفع بالجانب الإثيوبي نحو اتخاذ مثل هذه الخطوات، ويتوقع أن تشهد العلاقات الصومالية / الإثيوبية أزمة دبلوماسية قد تصل إلى حد القطيعة؛ كنتيجة للتحرك الذى أعدته حكومة مقديشو تعدياً على سيادتها ووحدة أراضيها.

الجهود الدولية لضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر:

بالنظر إلى الأهمية الاستراتيجية التي يوليها البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وعلى إثر التهديدات الأخيرة التي جعلت المنطقة مضطربة إلى هذا الحد، توالت الجهود الدولية، وتنوعت ردود الفعل من قبل بعض الدول كالولايات المتحدة وإسرائيل، وبدأت رحلة البحث عن طرق بديلة للتجارة الإسرائيلية؛ تجنباً للحوادث التي تتعرض لها السفن وطيدة الصلة بإسرائيل، وفى هذا الصدد يمكن إجمال أبرز ردود الفعل الدولية:

 استجابات دولية واسعة:

أعربت الولايات المتحدة والدنمارك وألمانيا وهولندا وبريطانيا في 20 يناير 2024م، عن مسئوليتها على ضمان أمن واستقرار البحر الأحمر، وشرعنة الإجراءات التي تقوم بها أمريكا وبريطانيا، وأن ذلك من منطلق الدفاع عن النفس وحماية حركة المرور ووقف التصعيد الجاري على مياه البحر الأحمر، وقد أشارت البحرية الأمريكية أنه منذ تدشين مهمة حارس الازدهار تم ردع هجوم الحوثيين على قرابة 1500 سفينة تجارية.

عملية أجينور:

استناداً على عملية أجينور التي أُطلقت منذ حوالى 4 سنوات؛ لتأمين التجارة البحرية في مضيق هرمز، فقد أعلن التكتل الموحد في البحر الأحمر عن تشكيل مهمة، لتطويق هجمات الحوثيين على السفن التجارية العابرة لهذا الممر الملاحي، تعتمد على 3 سفن عسكرية قادرة على مطاردة الصواريخ والقذائف والطائرات بدون طيار التي يتم إطلاقها ضد السفن المتجهة إلى قناة السويس أو القادمة منها، وسيكون الانضمام لهذه المهمة غير مقتصر على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وقد طُرحت هذه الفكرة للموافقة عليها في مجلس الشؤون الخارجية المزمع عقده في فبراير المقبل.

أمن البحر في المواثيق الدولية:

قام مجلس الأمن الدولي باعتماد قرار رقم 2722 يدين الهجمات التي أطلقتها جماعة الحوثي على السفن العابرة للبحر الأحمر، وطالب بالوقف الفوري لهذه الانتهاكات، كما اعتمد قرار رقم 2216 الصادر عام 2015م، بالفصل السابع، والذي حظر حينها إمداد الحوثي بالأسلحة وفرض عليهم عقوبات كثيرة مع مطالبتهم بوقف القتال، وبناءً على ذلك، فقد طالبت الأمم المتحدة بتفتيش الشحنات المتجهة إلى اليمن حال الاشتباه بوجود أسلحة فيها.

مساعي دبلوماسية أمريكية:

  • أجرى المبعوث الأمريكي في اليمن "تيم ليندركينج" العديد من المباحثات مع المسؤولين اليمنيين وبعض الفاعلين بالمنطقة؛ لمناقشة الآليات التي يتم من خلالها مواجهة التصعيد الحوثي في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وبدأت هذه التحركات باجتماعه بنائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المجلس الانتقالي "عيدروس الزبيدي"؛ للتطرق إلى الأساليب الممكنة التي يمكن من خلالها مجابهة الخطر الحوثي، والتشاور حول سبل التعاون والتنسيق لتعزيز الأمن البحري وحماية خطوط الملاحة في البحر الأحمر.
  • قام وزير الدفاع الأمريكي "لويد أوستن" بزيارة بعض دول المنطقة كإسرائيل وقطر والبحرين، وكان فحوى هذا اللقاء هو تحديد الرد المناسب على هجمات الحوثيين، وظهر ذلك في توجه أوستن إلى البحرين حيث يتواجد الأسطول الأمريكي الخامس.

التداعيات الإقليمية والدولية:

إن حالة التصعيد التي يشهدها البحر الأحمر تحمل في طياتها تبعات كارثية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، فمع انخراط الفاعلين من غير الدول في المشهد بات الوضع أكثر خطورة، وتداعيات ذلك على الشرق الأوسط قد تكون وخيمة:

التداعيات السياسية:

تواجه الاستراتيجية السعودية تحدياً جديداً في ظل الأحداث المتواترة على المنطقة، قد يؤثر على ترتيب الأهداف الجيواستراتيجية ، فلقد بات أمن البحر الأحمر من أهم دعائم السياسات الداخلية والخارجية للمملكة؛ هذا لأن الاستقرار في هذا النطاق الجغرافي يخدم مشاريع رؤية 2030؛ لذا فقد سعت الرياض جاهدة لترسيخ علاقاتها الأمنية بالمنطقة، على الصعيد الآخر هناك الملف اليمني المعقد، فقد عملت جماعة الحوثيين على استخدام الحرب كأداة سياسية؛ لتوسيع قاعدتها الشعبية ومحاولة اكتساب شرعية البقاء في السلطة في ظل افتقارها للمشروعية الدولية، فأرادت أن تظهر بمظهر اللاعب المؤثر في المنطقة؛ بهدف الحصول على امتيازات في أي مفاوضات محتملة، إلا أن عواقب هذه الخطوات قد تنقلب على الجماعة وتحول دون حصولهم على أي فرص للسلام في اليمن، لا سيما بعد القرار الأمريكي بتصنيف الحوثي كجماعة إرهابية، فهذه الأمور تحمل معها مخاوف جمة من احتمالية اشتعال حرب اليمن الخامدة من جديد.

التداعيات الاقتصادية:

تأزم الاقتصاد العالمي: لقد ألقت نيران الأوضاع الملتهبة في البحر الأحمر بظلالها على الاقتصاد العالمي، وتراجعت حركة مرور السفن التجارية من هذ الممر الملاحي، وسعي الكثير من سفن الشحن لتغيير مسار العبور، والالتفاف عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وهو ما سيطيل من أمد وصول السلع ويزيد من تكلفتها، بما دفع بعض الشركات مثل شركة إنتاج السيارات "تسلا" إلى تعليق الإنتاج في الفترة ما بين 29 يناير و11 فبراير، بالإضافة إلى مصنع شركة فولفو للسيارات في بلجيكا الذى أعلن أنه سيُغلق لمدة ثلاثة أيام في يناير بسبب نقص في علب تغيير السرعة التي تأخر تسليمها بسبب تعديلات على الطرق البحرية، أما على مستوى الأسعار فقد عمدت شركات النقل البحري إلى زيادة رسومها بشكل حاد، بجانب ارتفاع أسعار الوقود، وهو بطبيعة الحال سيؤثر على معدلات التضخم العالمية، وقد أدت زيادة تكاليف الشحن وإطالة وقت نقل البضائع وتأخر سلاسل التوريد إلى اللجوء للشحن الجوي كخيار بديل.

عرقلة حركة المرور في قناة السويس: في ضوء ارتباط مرور السفن في قناة السويس بعبورها أولاً في مياه البحر الأحمر، وفي ظل الوضع المتأزم في هذه المنطقة، لجأت العديد من شركات الشحن إلى تغيير مسارها؛ واتخاذ الطريق الجنوب إفريقي؛ تجنباً للمخاطر التي يمكن أن تتعرض لها سفنها بسبب ضربات الحوثيين، ونجد أن إيرادات قناة السويس انخفضت بقرابة 40% منذ بداية العام مقارنة بعام 2023م، وتعد مصر من أكثر الدول تضرراً بسبب تعطل الملاحة في البحر؛ وذلك لأن حوالي 15% من حركة الشحن العالمية تمر بها، وانخفض عدد السفن المارة في قناة السويس إلى 544 حتى 12 يناير في 2024م، مقارنة بـ 777 في نفس الفترة من العام الماضي، وهو ما سيؤثر على الاقتصاد المصري، حيث انخفاض العملة الصعبة، على اعتبار أن القناة تعد المصدر الأهم لروافد هذه العملات، وهو ما سيزيد من الضغط على الدولة في الوقت الذي تعاني فيه من نقص حاد في العملات الأجنبية.

التداعيات الأمنية:

إن محاولات الحشد العسكري الدولي في مياه البحر الأحمر، لاسيما الذي تقوم به أمريكا وإسرائيل، وتشكيل قوة عسكرية جديدة، تضاف إلى القوى الراهنة، لن يكون يسيراً على المنطقة، حيث ينذر بتصعيد بحري لن تُحمد عواقبه، كما أن عسكرة البحر بهذا الشكل، يمكن أن يغامر بانخراط فاعلين إقليميين ودوليين جدد في البحر الأحمر، بما يزيد من فرص الاحتكاك التي قد تصل في النهاية إلى مرحلة المواجهة العسكرية، ويتوقع زيادة النشاط الإيراني الرافض للوجود العسكري الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، وهو ما سينعكس على مستقبل الأمن البحري للبحر الأحمر.

التوصيات:

1-تفعيل دور مجلس الدول المشاطئة؛ لبحث كيفية معالجة الوضع في البحر الأحمر خاصة وأنهم من أكثر الدول المتضررة جراء هذه الأوضاع، مع الوضع في الاعتبار أهمية وجود تدريبات عسكرية مشتركة بينهم، سواء من خلال القيام بتمشيطات أمنية للمنطقة؛ للتصدي لعمليات القرصنة، أو التهديدات المحتملة لمسار الملاحة في مياه البحر الأحمر، والكشف المبكر عن احتمالية وجود ألغام بحرية تعترض السفن المارة.

2-الإيمان بأن حل هذه التوترات لن يتم سوى بالطرق الدبلوماسية واحتواء هذا الخطر؛ نظراً لأن القوة العسكرية لن تُجدي نفعاً، بل ستزيد الأوضاع سوءاً، وتعمل على تأجيج بؤر الصراع وزيادة فرص المواجهة.

3-عقد شراكات اقتصادية بين دول القرن الإفريقي؛ واستغلال الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر عبر تدشين موانئ للسفن بها كافة التجهيزات اللازمة، لتنشيط التبادل التجاري، وتحويل البحر كساحة للاستثمار بدلاً من التصارع؛ إيماناً بمدى أهمية سلاح التنمية للدول الإفريقية، وستمكنها من بناء جدار عازل قوي يتصدى لمحاولات التوغل الأجنبية والتدخل في شؤون هذه الدول.

ختاماً:

تتعرض منطقة البحر الأحمر لفترة من أوج الفترات المعقدة أمنياً وسياسياً، تتنامى معها دائرة الخطر بشأن تفاقم التوترات التي تعصف بمنطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر الذي بات يتطبع بالصبغة الصفراء بعد سلسلة الهجمات المتبادلة بين الحوثيين والولايات المتحدة وبريطانيا، كما أن السباق المحموم بين الفاعلين الدوليين وأيضاً الفاعلين من غير الدول، وتضارب الآراء بشأن قواعد المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية، تمهد الطريق لمزيد من التدافع والصراع المكثف، بما قد يتمخض عنه تبعات العالم في غنى عنها خلال الفترة الحالية، ومن ثم فلابد من خلق حالة من التوافق بين الفواعل الدولية والإقليمية ووضع مصلحة وأمن المنطقة في الحسبان؛ للعبور من هذه الأزمة أو على الأقل عدم مفاقمة التوترات أكثر من ذلك.

مقالات لنفس الكاتب