array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 195

هدف واشنطن منح الحوثيين الحجج لشن الهجمات أو الوصول إلى تفاهمات مع إيران عبر الحوثيين

الخميس، 29 شباط/فبراير 2024

يشهد حوض البحر الأحمر منذ نهاية شهر نوفمبر المنصرم تصعيداً من قبل جماعة الحوثي وبدعم من إيران، بهدف قطع الطريق الملاحي على السفن المرتبطة بإسرائيل أو المتجهة إليها تحت ذريعة دعم قطاع غزة في مواجهة العدوان الإسرائيلي. جاءت ردة الفعل الإقليمية والدولية الرافضة لهذه الخطوة التي تسببت بأزمة ملاحية دولية وتتعارض مع مبادئ القانون الدولي وقواعد تسهيل حركة السفن التجارية عبر البحار والممرات والمياه الدولية، سريعة ومتعددة الجوانب. جاء الموقف الأمريكي بالتنسيق مع بعض العواصم مغايرًا لسياسة واشنطن في حالات مشابهة، خصوصًا وهي تسارع لتشكيل وقيادة قوة دولية متعددة الأطراف تحت راية " حارس الازدهار "، الذي نفذ سلسلة ضربات على أهداف مفترضة للحوثيين في عدة مدن يمنية، لم تردع هذه الجماعات ولم تساهم في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه في السابق.

أججت الحرب في غزة جبهات كانت هادئة وأضرمت النار في فتيل يهدد بتفجير جبهات جديدة بينها حوض البحر الأحمر، ويترك أكثر من لاعب محلي وإقليمي أمام حالة خلط أوراق قد تتعارض مع العديد من التفاهمات والاتفاقيات المعقودة بين الدول المتشاطئة في الحوض والقوى الفاعلة والمؤثرة التي ترتبط مصالحها الأمنية والاقتصادية بهذا الممر الاستراتيجي وامتداداته الجيو -سياسية. الخطورة التي تستدعي التنبه إليها والتعامل معها هي ارتدادات تصعيد من هذا النوع قد يدفع باتجاه بناء منظومة اصطفافات مغايرة تقود نحو توازنات جديدة، نتيجة الحسابات الضيقة والتقديرات الخاطئة التي باتت تهدد المعادلات السياسية والأمنية القائمة منذ سنوات طويلة في منطقة البحر الأحمر وجوارها.

تطرح اليوم أكثر من فرضية ويناقش أكثر من سيناريو أمني وسياسي واقتصادي حول تطورات المشهد في البحر الأحمر والجغرافيا المحيطة به، ومستقبل العلاقة بين الدول المشاركة في سواحله والعواصم الإقليمية والدولية التي تبحث عن حماية مصالحها ونفوذها هناك بعد التصعيد الحوثي في الحوض. ما هي أبرز التحديات الأمنية والسياسية التي تنتظر دول البحر الأحمر واللاعبين المؤثرين في الملف وفي مقدمتهم الدول العربية والخليجية وأمريكا والصين وإيران وتركيا؟ وإلى أين يمكن لهذا الصراع أن يجرّ اليمن والمنطقة، وما التأثيرات المتوقعة على مسار السلام خصوصًا وأن نقاشات فرص نزع فتيل الانفجار ما زالت بعيدة حتى الآن إذا لم نقل إن سيناريوهات الأخطار المحدقة هي التي تتقدم وتسود، بعدما اتسعت رقعة استهداف السفن العابرة للحوض، وانتقلت من ذريعة قطع الطريق على البواخر المتجهة لإسرائيل إلى استهداف مباشر لسفن دول المنطقة الأخرى وتهديد المضائق والمعابر المائية المرتبطة بمياه البحر الأحمر؟ وهل من الممكن أن تساهم الخطة الأمريكية تحت عنوان " حارس الازدهار " في ردع الحوثي وتحقيق الأمن والاستقرار خصوصًا وأن العديد من الأطراف الإقليمية وقفت بعيدًا عن هذه الخطوة التي جاءت مزدوجة المعايير وفي إطار حسابات ومصالح ضيقة وتعكس حقيقة استمرار تخبط إدارة بايدن في التعامل مع ما يجري في اليمن أولًا ومنطقة الحوض ككل ثانيًا ورسم سياسة واضحة حيال التصعيد الإيراني الإقليمي ثالثًا.

1-تأثير التحديات الأمنية في المجرى الملاحي للبحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي على حركة التجارة العالمية والإقليمية:

 يمثل حوض البحر الأحمر ممرّاً مهماً للتجارة والتنقّل، تعاظمت أهميته مع شق قناة السويس قبل أكثر من قرن ونصف. هناك إجماع دولي وإقليمي على موقع ودور الحوض من النواحي الأمنية والسياسية والاقتصادية في تقصير المسافات بين الدول وبناء منظومات تقارب وانفتاح عبر التاريخ في منطقة حيوية واستراتيجية بهذه الأهمية. يقرب حوض البحر الأحمر بين ثلاث قارات عبر أهم الممرات البحرية على خط باب المندب وقناة السويس، وشاركت دول إقليمية وازنة في تقاسم مياهه وسواحله.

تصاعد التوتر في الأزمة اليمنية المزمنة وإصرار طهران على تحريك أوراق محلية في الحوض كان العامل الأهم في توتير علاقات الدول المتشاطئة وتأجيج الخلافات ونقلها إلى دائرة الخطر الإقليمي كما هو حاصل اليوم. دون إغفال طريقة تعامل بعض اللاعبين الدوليين مع الملف وتقديم مصالح تجارية وسياسية وأمنية ضيقة حتى ولو كان الثمن هو تعريض الاستفادة من موقع ودور الحوض الاستراتيجي في لعبة التوازنات وبناء الاستقرار الدولي والإقليمي للخطر.

نتحدث عن عبور ملايين براميل النفط يومياً، وعن معبر استراتيجي رئيسي للتجارة الدولية، وسط تقاطعات تشكل أهم الطرق المائية التي تقرب بين منطقة الشرق الأوسط وشرق إفريقيا. لكننا نتحدث أيضًا عن ضرورة عدم تجاهل مسألة وجود الحوض وخليج عدن في قلب كتلة جغرافية تعني مضيق جبل طارق وقناة السويس ومضيق باب المندب وخليج عدن ومضيق هرمز والخليج العربي وبحر العرب، وأن ما يهدد جزئية في هذه البقعة الجغرافية الحساسة يطال بقية الأجزاء شئنا أم أبينا.

2-البحر الأحمر في " اليوم التالي " للتصعيد الحوثي والعقدة الإيرانية

بقدر ما هناك إجماع في صفوف الخبراء والدارسين على أن ما يدور في قطاع غزة تتحمل تل أبيب المسؤولية الأكبر فيه نتيجة رفضها تطبيق القرارات الدولية والأممية الملزمة بشأن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة والعادلة وأنها هي التي ساهمت في تسهيل استغلال الواقع القائم من قبل جماعة الحوثي  هناك إجماع آخر على أن العديد من العواصم الغربية تتحمل جزءًا من مسؤولية ما يجري في البحر الأحمر اليوم بسبب تجاهل دعم حل الكثير من النزاعات في الحوض ومن حوله كلا القناعتين تلتقيان أيضًا عند حقيقة أن ما يجري اليوم هو نتاج طبيعي لعدم تحرك هذه العواصم الغربية بشكل فاعل ومؤثر لردع إيران وسياساتها في المنطقة، وتمسكها بتحريك ورقة الحوثيين لتهديد الكثير مما شيد وبني على طريق الانفتاح والتعاون والسلام هناك . ما معنى أن تعترض جماعة الحوثي خطوط الملاحة في حوض استراتيجي دولي لهذا النوع من الأخطار مستقوية بإيران وحساباتها وربط ذلك بما يدور في قطاع غزة، بينما تجد واشنطن أن الحل البديل هو تشكيل تحالف عسكري لحماية الملاحة في البحر الأحمر دون أن يكون له أي تأثير حقيقي حتى اليوم؟ ولماذا اختارت الإدارة الأمريكية التحرك في هذه الآونة بعدما تجاهلت لسنوات التحذيرات التي تحدثت عنها الرياض والقاهرة أكثر من مرة باتجاه التنبه لخطورة ما تقوم به إيران وأدواتها منذ سنوات في هذه البقعة الجغرافية؟

خروج واشنطن من عقدة الموقف الإيراني في البحر الأحمر وما تريده طهران، لا يقل أهمية من الرهان على نجاحها في دفع جماعة الحوثي للتراجع عن خطواتها التصعيدية. قناعة أخرى تبرز إلى العلن يومًا بعد يوم وهي أن واشنطن رمت الكرة مرة أخرى في الملعب الإيراني لناحية التصعيد والتهدئة في المنطقة، وهذا ما يدفع العديد من شركاء واشنطن للحذر وعدم الرهان على ما تقوله وتفعله الإدارة الأمريكية في البحر الأحمر. هل تفرط إيران بمثل هذه السهولة بمصالحها في مضيق باب المندب عبر ورقة الحوثي التي تمنحها البقاء أمام طاولة التفاوض حول ما يُقدر بنحو 40% من التجارة البحرية الدولية، ونحو 20% من تجارة النفط العالمية. الإجابة مرتبطة بمدى جدية واشنطن واستعدادها للانخراط في مواجهة واضحة مع إيران وهذا ما يقلق شركاء أمريكا في المنطقة ويدفعهم للحذر أيضًا.

يريد الحوثي وبقرار إيراني فتح الطريق أمام طهران باتجاه تعزيز النفوذ والتمدد في المنطقة. المشهد يتكرر اليوم في حوض البحر الأحمر من جديد من خلال التصعيد في أحد أهم الممرات المائية في العالم. محاولة عرض العضلات في البحر الأحمر، لا علاقة له من قريب أو بعيد بمسألة نصرة الشعب الفلسطيني، إنما هي محاولة للتأثير في مسألة قبول شرعية هذه الجماعات كقوة فاعلة في المعادلة السياسية اليمنية والتفاوض معها لإرضاء إيران وتثبيت نفوذها وحصتها أمام الطاولة.

تطمح طهران وأدواتها لتهديد معادلات الأمن والسلم في هذا الحوض الحيوي وممراته، فهل البديل هو تحويل السفن باتجاه رحلة بحرية طويلة تمر عبر رأس الرجاء الصالح، في جنوب إفريقيا، وإطالة أمد الرحلة ومضاعفة تكاليفها، أو محاولة تشكيل قوة ردع مبتورة لم تقدم أي شيء حتى الآن باستثناء تعقيد الأمور أكثر فأكثر. أم البحث عن البديل السياسي والأمني الحقيقي لدعمه من خلال التنسيق السريع مع دول الحوض والإصغاء إلى ما تقول وتريد بهذا الخصوص؟

3 -هل ينقذ " حارس الازدهار " الموقف؟

أعلنت القيادات الأمريكية أكثر من مرة أنها لا تدعم فكرة توسيع الحرب في قطاع غزة ونقلها إلى جبهات أخرى في المنطقة. لكنها لم تتردد في تشكيل تحالف " حارس الازدهار " في مواجهة جماعة الحوثي التي استهدفت حركة الملاحة في البحر الأحمر.

تدعو واشنطن الحوثيين لوقف الهجمات ضد السفن في مضيق باب المندب بالبحر الأحمر، وتقرر التحرك العسكري ضدهم هناك لكنها تتجاهل مواقفها وسياساتها السابقة المتناقضة والتي ساهمت في إيصال الأمور إلى ما هي عليه اليوم. مع ما تقوله وتفعله اليوم . لا تكتفي واشنطن بتكوين حلف " حارس الازدهار " الذي أعلنته في 19 ديسمبر المنصرم، لكنها تحاول تبرير ما تفعله بغطاء أممي وقرار مجلس الأمن الدولي الذي صاغته بالتنسيق مع بعض العواصم الغربية تحت ذريعة مطالبة الحوثيين بإنهاء هجماتهم. ورطة أمريكا التي لا تريد التوقف عندها سياسيًا وقانونيًا نتيجة التناقضات في سياساتها المعتمدة حيال الحوثي، هي عدم حصولها على التفويض الأممي والإقليمي الذي يمنحها حق تنفيذ عملياتها العسكرية ضد الحوثيين ويتحدث حصراً عن صدّ الهجمات وليس توسيع رقعة الحرب، وتجاهل تبعات خطوات بهذا الاتجاه تساهم في عسكرة البحر الأحمر وزيادة الأزمة تعقيداً.

هل هدف واشنطن هنا هو منح جماعة الحوثي المزيد من الحجج والأسباب لشن المزيد من الهجمات والحصول على فرصة الرد لتوتير الأجواء في البحر الأحمر أكثر فأكثر، أم الوصول إلى تفاهمات جديدة مع إيران عبر الورقة الحوثية كما سبق وفعلت قبل أعوام عندما تخلت عن توصيفها كمجموعات إرهابية تهدد الأمن والاستقرار في حوض البحر الأحمر؟ لم توقف الهجمات الأمريكية الحوثي ولم تنه التصعيد في مياه البحر الأحمر فهل هناك أهداف أخرى لأمريكا تحاول الوصول إليها وتحقيقها؟

حددت واشنطن سياستها الجديدة حيال التصعيد الحوثي في حوض البحر الأحمر باللجوء إلى الضربات الجوية لإضعاف قدرات الحوثيين على مهاجمة السفن، وتكثيف الجهود لاعتراض الأسلحة الإيرانية المرسلة إلى هذه المجموعات، والعمل على حماية نفوذها ومصالحها في هذه البقعة الجغرافية الاستراتيجية البالغة الأهمية. من أجل ذلك ذهبت وراء تشكيل ما سمي بتحالف " حارس الازدهار ". تقول واشنطن أن هدفها هو حماية حركة التجارة في البحر الأحمر، فهل ستسأل نفسها لماذا لم تلتحق الدول المتشاطئة بهذا الحلف؟  ما تقوم به إدارة بايدن سواء عبر خطوات فرض العقوبات وإعادة تصنيف هذه المجموعات كمنظمة إرهابية، لم يردع الحوثي ولم يعيد الأمور في الممرات المائية هناك إلى ما كانت عليه قبل أشهر. لذلك تبرز مسألة ضرورة إقناع واشنطن بمراجعة سياساتها أو التحرك العملي والسريع باتجاه التنسيق الإقليمي والدولي في الملف اليمني لإنهاء هذا الوضع المضطرب بأسرع ما يكون.

 4 -معالم معضلات أمنية اقتصادية دولية إقليمية أوسع تلوح في الأفق

حاولت دول حوض البحر الأحمر بالتنسيق مع اللاعبين المؤثرين والفاعلين أكثر من مرة وضع أطر تعاون مشترك بهدف صون الأمن في هذا المجرى الملاحي الاستراتيجي، إلا أن طموحات البعض الضيقة عرقلت باستمرار الوصول إلى هدف بناء وترسيخ السلم والتعاون في ملفات الاقتصاد والأمن والتنسيق السياسي بين الأطراف هناك. مبادرة الدول المتشاطئة في البحر الأحمر وخليج عدن في عام 2020م، عرقلتها مثلاً حسابات البعض وفي مقدمتهم إيران يومها.

ما هي الفرص القائمة اليوم باتجاه الحلحلة والانفراج مع اللاعب الصيني والأمريكي والإيراني والتركي واحتمال التنسيق مع الدول المؤثرة في بناء استراتيجيات الحوض مثل السعودية ومصر والسودان؟ وهل " حارس الازدهار " الأمريكي قادر على إعطاء الدول المتشاطئة هناك ما تريد؟ وكيف سيتم التعامل مع ما تقوله وتفعله إثيوبيا مثلاً من خلال محاولات تسجيل اختراقات غير شرعية بالتعاون مع " أرض الصومال "؟

واشنطن هي التي تجاهلت ما جرى في صنعاء عام 2014م، من قبل الحوثيين، والرئيس جو بايدن هو الذي أشرف على عملية سحب اسم الحوثي من قائمة الجماعات الإرهابية. هدف واشنطن هو محاولة الإمساك بخيوط اللعبة في البحر الأحمر للتفاوض ومقايضة طهران عند اللزوم تماما كما فعلت في العراق وكما تريد أن تفعل اليوم في سوريا.

يستحق ما يقوله المستشار السابق للأمن القومي الأمريكي جون بولتون حول " أن مخاوف الرئيس بايدن معقّدة للغاية لدرجة استحالة إيجاد التوازن الصحيح بشأنها " التوقف عنده. فبولتون يرى " أن هذه المخاوف مشروعة لكن ليس للأسباب التي قدّمتها مصادر مجهولة في الإدارة. المشكلة تأتي من بايدن نفسه، لديه الكثير من الأهداف الاستراتيجية الخاطئة والمربكة والمتناقضة التي تتصادم وتعيق بعضها بعضاً ".

                                                                          االلاعب الصيني

وضعت الصين في الأعوام الأخيرة مصالحها التجارية مع إيران على رأس لائحة مناقشة الوضع المربك في البحر الأحمر. حاولت التوسط بين الرياض وطهران لكن الأمور تختلف هذه المرة لأن مصالحها التجارية في الحوض هي المهددة. فما الذي ستختاره وتقوله عندما ترى إيران تتحرك عسكريًا وسياسيًا لدعم الحوثي في عمليات إشعال الحوض وتهديد سلامة الملاحة فيه وكيف ستتصرف بكين لحماية سفنها ومصالحها التجارية هناك؟ هل ستذهب وراء إقناع طهران كي تتوسط لدى الحوثي بعدم استهداف بواخرها أم هي ستبحث عن خيارات سياسية واستراتيجية أهم وأكبر تأخذ بعين الاعتبار مصالحها مع دول الخليج ككل؟

تميز الموقف الصيني بالمقارنة مع الموقف الروسي في قراءة ما يدور في البحر الأحمر بعدم التشدد أو التصعيد ضد جماعة الحوثي والاكتفاء بالتعبير " عن القلق " إزاء تصاعد التوترات ودعوة جميع الفرقاء إلى ضبط النفس، مبدية بكين استعدادها للتواصل مع جميع الأطراف من أجل التهدئة. لكن الصين أعلنت أيضًا أنها لن تتردد في المجاهرة بخيبة أملها حيال طهران إذا ما تعرضت سفنها لأي هجوم أو تأثرت مصالحها التجارية في الحوض.

بين ما تحاول الصين فعله باختصار هو الحصول على ضمانات إيرانية بعدم اعتراض سفنها في البحر الأحمر لتكون معاملتها متساوية مع طريقة التعامل مع الجانب الروسي هناك، ودعوة الأطراف المعنية لعدم زيادة التوتر في البحر الأحمر، إلى جانب انتقاد سياسة أمريكا التي تعرقل صدور القرارات الدولية لوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.

لا تريد بكين تعريض حوالي 60 % من تجارتها مع أوروبا التي تعبر مياه هذا الممر باتجاه ميناء " بيرايوس " اليوناني كمحطة ترانزيت استراتيجية للخطر. فبين ما يقلق بكين أكثر من غيره في استراتيجية التعامل مع تطورات المشهد في البحر الأحمر ارتدادات ما يجري على مبادرة " الحزام والطريق " التي تم بموجبها إطلاق مشاريع صينية ضخمة في المنطقة، واحتمال تراجع ثقلها التجاري لصالح المشاريع المنافسة الجديدة من قبل الهند والعراق وأمريكا، خصوصًا في الشق المتعلق بباب المندب الذي يعد قناة مهمة لصادرات الصين ووارداتها إلى إفريقيا وأوروبا.

اللاعب التركي

ما هو الدور الذي يمكن أن تضطلع به تركيا في تثبيت الأمن في البحر الأحمر خصوصًا مع تزايد وجودها ونفوذها في القرن الإفريقي؟

أوجز وزير الدفاع التركي يشار غولار نظرة أنقرة حول ما يجري في البحر الأحمر وسياساتها ومواقفها هناك، لا سيما بعد تصاعد التوتر بين جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا والولايات المتحدة الأمريكية بقوله، "نمر بمرحلة حرجة حيث تحولت التوترات إلى نزاعات وحتى حروب، وبلغت الاختبارات الدولية ذروتها، ويتم إعادة تحديد التوازنات ". مؤكدًا أن تركيا " تؤمن بأنه يمكن حل جميع المشاكل من خلال الالتزام بمبادئ القانون الدولي الأساسية، وبناء علاقات أخوية وودية قائمة على الاحترام والتفاهم المتبادل بين جميع الأطراف المعنية ".

تنامى الوجود والدور التركي في إفريقيا والبحر الأحمر مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. كما فتحت استراتيجية أنقرة بهذا الاتجاه الأبواب التجارية والاستثمارية أمامها بحيث نجحت تركيا في تسجيل اختراقات واسعة في منظومة علاقاتها مع العديد من دول إفريقيا التي تواجه مشاكل وأزمات فيما بينها مثل الصومال وجيبوتي وإثيوبيا والسودان. ساهم التحول في سياسات أنقرة الإقليمية في إعادة تموضع واسع في منظومة تقاطع علاقاتها مع الدول المطلة على البحر الأحمر والقارة الإفريقية. تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة حول تطورات الوضع في البحر الأحمر وإعلانه أن بعض العواصم الغربية تريد تحويل المنطقة هناك إلى بحيرة من الدماء، يعكس حجم هذا التحول والتقارب التركي / المصري/ السعودي / الإماراتي الحاصل في العامين الأخيرين. إلى جانب ذلك تشكل خطط ومشاريع خطوط التجارة العالمية التي تناقش في هذه الآونة والمرتبطة بخليج عدن وباب المندب وقناة السويس فرصة تقارب وتنسيق تركي مع الدول الثلاث في إطار الممرات التجارية الإقليمية المطروحة اليوم سواء في الجانب العراقي، أو الصيني، أو الهندي. بين أسباب التصعيد الإيراني في البحر الأحمر قلق طهران من تهميش دورها في هذه الملفات بعد نجاح تركيا في تحسين وتطبيع علاقاتها مع الدول المطلة على الحوض والبوابات المائية الاستراتيجية هناك. حقيقة أخرى لا يمكن إغفالها وهي وجود مصالح تركية كبيرة في منطقة القرن الإفريقي، لذلك وضعت أنقرة دائمًا نصب عينيها مسألة التنسيق المتوازن بين دول القرن الإفريقي، ودول منطقة البحر الأحمر وفتح الطريق أمام المنتجات التركية للوصول إلى هذه المناطق بمواكبة توسيع رقعة الاستثمار الاستراتيجي ودعم بلدان القرن الإفريقي في تحسين بنيتها التحتية، من أجل رفع مستوى التبادل التجاري والخدماتي بين الجانبين.

الموقع والدور السعودي والمصري 

يعتبر أمن البحر الأحمر ركيزة أساسية من ركائز السياسة السعودية والمصرية. ليس فقط لارتباطه بأمنهما القومي، بل من منطلق حماية الأمن العربي والخليجي والإقليمي هناك. من هنا تواصل الدول العربية الفاعلة المعنية بأمن الملاحة في البحر الأحمر وتحديدًا المملكة العربية السعودية ومصر التنسيق المشترك ودعم خطط التعاون الإقليمي تجنبًا للتورط في مواجهات أو تصعيد يتعارض مع مصالحها.

تجربة الملف اليمني، والتذبذب في سياسات واشنطن المعتمدة في البحر الأحمر والخليج والقارة الإفريقية، وتجاهل تحذيرات ودعوات الرياض والقاهرة حول ما يجري هناك، هو ما دفع العديد من الدول العربية والإسلامية لتجنب الدخول في أي مغامرة إقليمية تريدها أمريكا في إطار حساباتها ومصالحها وحدها. ما ساهم في مواصلة الرياض والقاهرة لسياساتهما الراهنة هو التخبط الأمريكي والغربي في طريقة التعامل مع جماعة الحوثي، وتطورات المشهد في قطاع غزة مع تجاهل أفعال نتنياهو ورفضه القبول بحل الدولتين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. تسعى السعودية منذ منتصف الخمسينيات وفي إطار ميثاقَ جدة، لإقامة نظام أمن مشترك في البحر الأحمر، وهذا ما حاولت تثبيته وترسيخه في قمم واتفاقيات عام 1972 وعام 1982م، بين العديد من العواصم العربية المعنية. وانطلاقًا من ذلك حمل البيان الختامي لاجتماع الرياض بين دول البحر الأحمر وخليج عدن، في ديسمبر 2019م، بنود التأكيد على المبادرة السعودية بتأسيس كيانٍ لدول البحر الأحمر وخليج عدن العربية والإفريقية، يَضمّ السعودية ومصر والأردن والسودان واليمن والصومال وغيرها من الدول الراغبة في تعزيز التعاون الاقتصادي والأمني والسياسي، وتحقيق المصالح المشتركة هناك. وسط تنسيقٍ سعودي/ مصري لاستراتيجية متعددة الجوانب خاصة بعد ترسيم الحدود البحرية ودخول البلدين إلى مجالات أوسع من التعاون.

العودة لطرح وإحياء خطط ومشاريع التعاون التي تبنتها الرياض والقاهرة في مطلع السبعينيات ودعت دول الحوض الأحمر لتبنيها واعتمادها مع الأخذ بعين الاعتبار التحولات والمتغيرات القائمة ما زال في مقدمة الحلول والخيارات الممكن اعتمادها بين الدول المعنية.

5 -إثيوبيا و" أرض الصومال ": من المستفيد من التصعيد؟

أقدمت إثيوبيا على توقيع مذكرة تفاهم مع إقليم " أرض الصومال " الذي أعلن استقلاله عن الصومال من طرف واحد سنة 1991م، وبموجب هذه المذكرة يمنح الإقليم بصورة غير شرعية إثيوبيا حق استخدام ميناء بربرة المطل على البحر الأحمر لمدة 50 عاماً مقابل حصوله على حصة في شركة الخطوط الجوية الإثيوبية، واعتراف أديس أبابا بأرض الصومال كدولة مستقلة. شكل التحرك الثنائي هذا مادة إضافية لعدم الاستقرار في حوض البحر الأحمر وإفريقيا، ودخول أكثر من لاعب على الخط مستفيدا من المشهد، باتجاه تقديم حساباته ومصالحه هناك من خلال تأمين العقود الاقتصادية البعيدة المدى والقواعد العسكرية التي توفر له البقاء في هذه المنطقة. هذا إلى جانب تداعيات الاتفاقية بين إثيوبيا و " أرض الصومال " التي بموجبها يتم تأجير ميناء بربرة ومساحة 20 كيلو مترًا من أراضي الصومال دون موافقتها لإثيوبيا على استقرار وأمن البحر الأحمر وإفريقيا.

تجاهل أديس أبابا لكل المواقف والبيانات والتصريحات الصادرة عن الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي وتكتل الإيجاد لا يعطيها حق توقيع اتفاقيات من هذا النوع وسيقود إلى تعقيدات أوسع في ملف الأزمات الداخلية في الصومال وسيكون له ارتداداته على التوازنات الحساسة في القارة السمراء وسيتحول إلى عامل إضافي لتعقيد المشهد القائم في البحر الأحمر. لكنها وربما هو الأهم هنا خطوة تذهب باتجاه الرد على تفاهمات التفكيك والفصل والدمج ومحاولات التلاعب ببنية الصومال.

6 -فرص وطرق إعادة الاستقرار إلى حوض البحر الأحمر  

تتشبث مجموعات الحوثي بنهجها التصعيدي المعروف مستغلة الوسائل والفرص، والتخبط الغربي في السياسات والمواقف. ما يوصف بمواجهة عسكرية غربية مع الحوثي في البحر الأحمر لإعادة الهدوء وتأمين حركة الملاحة الدولية عبر " حارس الازدهار "، لم يعط أمريكا تحديدًا ما تريده خصوصًا في الشق المتعلق بحماية السفن الإسرائيلية وتسهيل حركة انتقالها. ما يحصل هو العكس، المزيد من التأجيج وتزايد في سيناريوهات خروج الأوضاع عن السيطرة.

أين وكيف ستنتهي المواجهة وإلى متى ستطول؟ وما هي ارتداداتها على التوازنات الحساسة؟ وهل هي عملية " تأديبية " محدودة أم فرصة لتغيير الكثير من المعادلات القائمة في البحر الأحمر؟

هناك أولاً الرسائل السياسية والأمنية المتبادلة والتي لا تتوقف بين دول الحوض فيما بينها من جهة، وبين اللاعبين الكبار أصحاب المصالح الاستراتيجية المؤثرين في الملف

من جهة أخرى.

هناك ثانيًا حقيقة أن الإدارة الأمريكية تتحمل الجزء الكبير من وصول الأمور إلى هذه الدرجة من التعقيد والتداخل نتيجة سياسة غير مستقرة أو متماسكة ودائمة التخبط في هذا الملف.

وهناك ثالثًا احتمال أن يقود ذلك إذا ما استمر على ما هو عليه العديد من الدول المتشاطئة في البحر الأحمر والقوى الفاعلة في المنطقة والتي لها مصالح استراتيجية هناك، لمراجعة الكثير من مواقفها وسياساتها والتحالفات التي بنتها حول هذا الممر البحري الحيوي في العقود الأخيرة.

هل ستقود المتغيرات المتلاحقة لبناء منظومات جديدة من العلاقات العسكرية والسياسية والتجارية؟ أم أن التهدئة في قطاع غزة ستعيد الجميع إلى لعبة الوقت وهو الذي قد يسهل رسم معالم طبيعة المشهد السياسي والأمني والتجاري الجديد في هذه البقعة الجغرافية البالغة الأهمية.

التحرك الغربي / الروسي/ الصيني مهم هنا باتجاه المساهمة في وضع حد لسلوك وتصرفات الحوثي. لكن الأمر يتطلب نفس الدور والثقل باتجاه وقف الحرب في غزة وإزالة أسباب الصراع الحقيقية التي تتجاهلها إسرائيل منذ عقود.

مقالات لنفس الكاتب