array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 193

توقع تشكيل السلطة الفلسطينية بوجوه جديدة وحكومة مشتركة وانتخابات

الخميس، 28 كانون1/ديسمبر 2023

أخذ يتردد منذ أكثر من عقدين تعبير " الشرق الأوسط الجديد " حيث نشر شمعون بيرس كتاباً يحمل نفس العنوان يركز فيه تغلغل إسرائيل اقتصاديًا في المنطقة العربية" الهيمنة الاقتصادية"، وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس تردد "الفوضى الخلاقة"  لهندسة جديدة للمنطقة ثم جاء الربيع العربي والشتاء العربي المضاد وبعد ذلك أعلن ترامب خلال رئاسته" صفقة القرن" والسلام الإبراهيمي والقدس عاصمة إسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس ثم اعترف أيضًا بضم إسرائيل رسميًا هضبة الجولان، وهذه كلها كانت قفزة على القضية الفلسطينية ومحاولة تصفيتها مع انتشار المستوطنات في الصفة الغربية واستيلاء المستوطنين على الأراضي الفلسطينية والاعتداء على الفلسطينيين وحرق أشجارهم ومع ذلك انتشرت حملة التطبيع مع بعض الدول العربية وهي محاولة إسرائيلية للالتفاف على القضية الفلسطينية بالتعامل مع الدول العربية مباشرة بعيدًا عن ايجاد حل للقضية الفلسطينية، وجاءت حكومة اليمين المتطرف الذي أعلن صراحة بضم بقية  فلسطين التاريخية الضفة وغور الأردن وأخذت سياسة تهجير السكان الفلسطينيين تتردد بطرد سكان غزة إلى سيناء والخطة قديمة فالوثائق البريطانية كشفت أن إسرائيل وضعت خطة سرية عام 1971م، لترحيل الآلاف من فلسطينيي غزة إلى العريش شمال سيناء وسكان الضفة الغربية للأردن، هذا هو الواقع السياسي، ورفضت إسرائيل القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن  الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة مع فتور المجتمع الدولي دولاً وشعوبًا بالاهتمام بالقضية الفلسطينية، في ظل هذه الظروف كان الوضع يؤشر على انفجار في المنطقة لتغيير هذا الواقع في ظل رفض إسرائيل كل مبادرات السلام ومنها المبادرة العربية للسلام عام 2002م، وحتى دولة فلسطينية منزوعة السلاح وتحت إشراف دولي ترفضها إسرائيل كما أعلن الرئيس المصري وحتى اتفاقية أوسلو فقدت معناها ولم تنفذ إسرائيل شيئًا من بنودها؟

                               سلطة فلسطينية مترهلة والتنسيق الأمني

كان توقيع اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993م، باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية  بإسرائيل لمصلحة الأخيرة ، كانت المنظمة في أضعف أحوالها بسبب الانقسام العربي بعد أزمة الكويت 1990م، وفقدان المنظمة للدعم السياسي والمالي، وجاء اعتراف المنظمة على أمل أيجاد  موطئ قدم لها في فلسطين بعد أن أصبح بقاؤها في تونس مهددًا في ظل الضغط الأمريكي، ولكن إسرائيل بعد الانتفاضة الأولى ديسمبر 1987م، وجدت نفسها تصارع النساء والأطفال في الضفة الغربية، وجيش معد للحروب وليس موجهًا لمواجهة العصيان المدني والتكلفة المالية عالية للعصيان والضغط الدولي بسبب عنفها ضد المدنيين دفع إسرائيل للدخول في مفاوضات أوسلو ، وتبنت إسرائيل أوسلو لأن تتولى السلطة الفلسطينية الأمن في الضفة الغربية نيابة عن إسرائيل وبعد فشل إقامة دولة حسب أوسلو بعد خمسة أعوام من الاتفاق،  كان مؤتمر كامب ديفيد 2000م، بين ايهود باراك وياسر عرفات وفشل المؤتمر واجتياح شارون للمسجد الأقصى فحدثت الانتفاضة الثانية التي كان عرفات نفسه مؤيدًا لها مما أدى إلى محاصرته في المقاطعة في رام الله مقر الرئيس وبعدها في عام 2004م، كانت وفاة عرفات التي ما زالت الشكوك تدور حولها بتسمم الرئيس،  وجاء محمود عباس خلفًا له والذي يختلف تمامًا عن سابقه بعدم إيمانه بالكفاح المسلح ويعلن دائمًا بالمقاومة السلمية وهو مهندس أوسلو، وحدثت الانتخابات الفلسطينية في يناير 2006م، والتي فازت فيها حركة حماس 74 مقعدًا من مقاعد المجلس التشريعي  132 وحركة فتح 45 مقعدًا وتولى إسماعيل هنية رئاسة الوزارة وجرت الانتخابات برغبة أمريكية أنفقت عليها 23 مليون دولار على أمل فوز حزب الرئيس عباس وحركة فتح ولكن نتيجة الانتخابات كانت على غير الرغبة الأمريكية ، لأنها كانت تريد تعزيز شرعية الرئيس وسلطته، وبسبب الخلاف العميق في الرؤية السياسية والفكرية وحتى الاستراتيجية بين فتح فصيل الرئيس وبين حركة حماس انتهت حكومة الوحدة الفلسطينية في يونيو 2007م، وحدث الانقسام الفلسطيني بسيطرة حماس على قطاع غزة وسلطة الرئيس الفلسطيني في الضفة الغربية الذي انتهت ولايته يناير 2009م، ووفقًا للمادة (36) من النظام الأساسي الفلسطيني ينتخب الرئيس مباشرة من الشعب الفلسطيني ولمدة دورتين فقط وحتى لو مدد له مرة أخرى للظروف الاستثنائية فإن ولايته الثانية تنتهي يناير 2013م، مما يجعل شرعية بقائه محل  استفهام ، خاصة بعد إعلانه مرارًا وتكرارًا حول تمسكه بالتنسيق الأمني مع إسرائيل الدولة المحتلة ووصفه هذا التنسيق "بالمقدس" رغم جرائم إسرائيل المتكررة في الضفة والاستيطان المستمر والحروب على قطاع غزة، بل أن الشرطة الفلسطينية التي أشرف على تدريبها وإعدادها الجنرال الأمريكي دايتون لم تستطيع حماية الشعب الفلسطيني ورغم عددها 70 ألف إلا أنها قليلة الفعالية لحماية الفلسطينيين من الإرهاب الإسرائيلي وخاصة إرهاب المستوطنين، ولذلك تراجعت شرعية السلطة والرئيس إلى انخفاض بين الفلسطينيين واتهام رجال السلطة بالفساد وضعفها، وتريد إسرائيل سلطة ضعيفة تحمي إسرائيل حتى أن رئيس المخابرات الفلسطينية ماجد فرج صرح في يناير 2016م، أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية أحبطت أكثر من 200 عملية كانت ستنفذ ضد إسرائيل منذ أكتوبر 2015م، وأن الأجهزة الأمنية الفلسطينية اعتقلت نحو 100 فلسطيني كانوا يخططون لتنفيذ عمليات ضد أهداف إسرائيلية مما أسهم في تراجع شرعية السلطة، وبالتالي إلى خلافات بين أعضاء حركة فتح نفسها، بين من يرى أن المقاومة هي السبيل لتحقيق الحق الفلسطيني كما حدث في كتائب جنين ونابلس وطولكرم والخليل مما جعل السلطة ضعيفة تبحث عن استمرار الشرعية المفقودة ؟ وعبر خالد الجندي الخبير في معهد الشرق الأوسط بواشنطن في مقالة له بمجلة Foreign Policy الأمريكية فبراير 2023م، عن أزمة السلطة بقوله " إن الورطة التي يعيشها عباس والسلطة الفلسطينية تتمثل في أن قطع العلاقات الأمنية مع إسرائيل بشكل دائم قد يؤدي إلى فرض عقوبات وتدابير عقابية أخرى من قبل إسرائيل وعلى الأرجح من الولايات المتحدة أيضاً، وذلك يعرض وجود السلطة للخطر. ومن ناحية أخرى فإن الاستمرار في التنسيق مع الجيش الإسرائيلي بينما يزداد الاحتلال قمعاً وعنفاً يقوُض ما نبقى من شرعية داخلية ضئيلة لعباس"؟ وإضافة لذلك فإن المجتمع الدولي يقوم بسحب استثماراته من السلطة وخفض منحه مساعداته، وقد بلغ الخفض نحو 85% منذ عام 2018م، إلى جانب الخسارة منذ عام 2019م، بنحو ملياري دولار من التحويلات الضريبية التي جمعتها إسرائيل نيابة عن الفلسطينيين مما جعل وضع السلطة على شفا الإفلاس المالي وبتضاؤل الآفاق السياسية والاقتصادية للسلطة وعدم قدرتها على حماية الفلسطينيين وممتلكاتهم مما دفع مجموعات فلسطينية مسلحة إلى ملء الفراغ في ظل هجمات المتطرفين في المستوطنات؟

            الجمود السياسي والتغول الإسرائيلي والحصار والانفجار

بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة 2005م، وإخلاء المستوطنات التي كانت فيه إلا أنها أخذت تنفذ عمليات عسكرية في القطاع وتحول بعضها لحروب استمرت بعضها أسابيع وفرض الحصار عام 2007م، بعد سيطرة حماس على القطاع،  وأسهمت  إسرائيل في الانقسام الفلسطيني واستمراره، فقد شنت إسرائيل حرباً على غزة في ديسمبر 2008م، أطلقت عليها "عملية الرصاص المصبوب (معركة الفرقان حسب وصف حماس) وكان الهدف من الحرب إنهاء حكم حماس في القطاع ومعرفة مكان الأسير جلعاد شاليط واستمرت الحرب 23 يوميًا فشلت إسرائيل تحقيق هدفها، ثم شنت حرباً أخرى في نوفمبر 2012م، أطلقت عليها "عامود السحاب ( سمتها حماس حجارة سجيل ) والتي استمرت ثمانية أيام، كان هدفها تدمير قواعد الصواريخ لدى حماس واغتالت القائد العسكري أحمد الجعبري وتوقفت الحرب بعد الوساطة المصرية وإعلان اتفاق التهدئة من القاهرة في 21 نوفمبر من العام نفسه، ثم شنت حربها الثالثة في يوليو 2014م، بهدف تدمير قدرات فصائل المقاومة الفلسطينية وتدمير البنية التحتية في القطاع وتدمير منازل المواطنين واندلعت الاحتجاجات أثناء الحرب في كل الأراضي الفلسطينية في الضفة والقدس وشملت مناطق 1948م،  بعد دعس إسرائيلي عاملين فلسطينيين قرب حيفًا، وتوقف القتال في 12 أكتوبر 2014م،  بوساطة مصرية ورغم الدمار الكبير الذي لحق بغزة فقد قتل فيها 64 جندياً إسرائيلياً، مما أثبت قدرة المقاومة الفلسطينية على  المواجهة والصمود، وفي نوفمبر 2019م، اغتالت طائرات إسرائيلية بغارة على شمال غزة  القائد العسكري في سرايا القدس بهاء أبو عطا في الجناح العسكري للجهاد الإسلامي، وردت عليها الجهاد بالصواريخ أطلقت عليها " صيحة الفجر" ، ومع تكرار اجتياح المستوطنين من اليهود إلى المسجد الأقصى وتدنيس القوات الإسرائيلية للمسجد وتدمير المنازل الفلسطينية ومحاولة ترحيل سكان حي الشيخ جراح،  كانت معركة "سيف القدس" في العاشر من مايو 2021م، وكانت نقطة تحول في رد فعل المقاومة بإطلاق الصواريخ على الداخل الإسرائيلي ومطار بن غوريون،  مما أدى للتدخل الدولي لوقف الحرب في 21 مايو، وفي الخامس من أغسطس 2022م، اغتالت إسرائيل القائد العسكري في سرايا القدس بسام السعدي في غارة أطلقت عليها إسرائيل " الفجر الصادق " وسمتها المقاومة الفلسطينية " وحدة الساحات" لاشتراك فصائل المقاومة جميعها في المواجهة وبالتالي فإن طوفان الأقصى التي شنتها المقاومة بقيادة حماس في السابع من أكتوبر 2023م ـ ما هي إلا استمرار لمواجهة إسرائيل وردت عليها إسرائيل بشعار "السيوف الحديدية"، وتريد إسرائيل تدمير قوة حماس العسكرية والبنية التحية للقطاع وإبادة جماعية لتهجير سكان غزة إلى سيناء وهو مخطط قديم لتفريغ سكان القطاع، كشف عنه في السنوات الأخيرة واستغلت إسرائيل موجة التطبيع لتجاوز الفلسطينيين لأن إسرائيل تريد إدارة الصراع وإضعاف المقاومة الفلسطينية واستمرار الانقسام وإنهاء القضية الفلسطينية بضم الضفة الغربية وغور الأردن كما هو هدف اليمين المتطرف الذي تتشكل منه الحكومة الحالية برئاسة نتنياهو الذي هو يريد إنقاذ نفسه من محاكمة الفساد بالهروب للأمام بالحرب وتلبية لمخطط الشريك في تحالف اليمين الديني المتطرف.

وبالإضافة إلى الحصار المفروض على غزة، فقد فرضت إسرائيل قيودًا شاملة على حركة الأشخاص والبضائع على أكثر من مليونين من سكان قطاع غزة وقيدت بشدة تلقيهم الكهرباء والمياه والرعاية الصحية ودمرت الاقتصاد وحسب الأونروا (UNRWA) يعتمد حوالي 80% من سكان غزة على المساعدات الإنسانية.

أما بالنسبة للضفة الغربية والقدس، فحسب تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (UNOCHA أوتشا) لعام 2022م، فقد استمرت الحكومة الإسرائيلية في نقل المواطنين الإسرائيليين إلى المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة وهي جريمة حرب وفقًا لمنظمة "السلام الآن " الإسرائيلية كما دفعت حكومة بينت ولابيد بخطط لبناء 7292 وحدة سكنية في المستوطنات على مدار السنة بين توليها الحكم وأواخر يونيو 2022م، بزيادة قدرها 26% مقارنة بالمتوسط السنوي للفترة التي كان فيها نتنياهو رئيسًا للوزراء بين 2012-2020م، وهدمت حكومة إسرائيل 851 منزلًا ومبان أخرى في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية خلال ال 11 شهرًا من 2022م، فهجرت 966 فلسطينيًا، وأذنت محكمة العدل العليا الإسرائيلية في مايو من نفس العام بهدم منازل أكثر من 1000 مواطن فلسطيني في مسافر بمنطقة يطا بجوار مدينة الخليل بإعلانها  منطقة عسكرية مغلقة، عدا عن الاعتقالات الإدارية التي تقوم بها إسرائيل للفلسطينيين وبدون محاكمة، فأصبحت أوضاع الضفة الغربية والقدس والضفة الغربية متهيئة لانتفاضة فلسطينية ثالثة ضد الاحتلال، وهي فعليًا بالمقاومة المسلحة الآن، فسياسة إسرائيل وبهيمنة اليمين الديني المتطرف على الحكومة دفع للانفجار لسوء الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والصحية والمياه وعجز السلطة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال بل تقوم بالتنسيق الأمني معه فتهيئت الظروف إلى طوفان القدس؟

طوفان الأقصى: المفاجأة وتغيير المعادلة السياسية والاستراتيجية

إن تقارير المنظمات الدولية مثل تقرير أوتشا تؤكد الجرائم الإسرائيلية، هيمنة اليمين المتطرف وتسليح المستوطنين وتكرار تدنيس المسجد الأقصى وستة آلا ف من الأسرى والحصار وتحكم إسرائيل في المياه والكهرباء والمعابر وتراجع القضية الفلسطينية وعدم مبالاة المجتمع الدولي والدول الأوروبية، فكان لا بد من تغيير الواقع الحالي إلى واقع آخر يغيٌر المعادلة السياسية والاستراتيجية وتوازن القوى الإقليمي وفي الداخل الفلسطيني مستغلة الصراع في أوروبا، الحرب الروسية / الأوكرانية والصراع الصيني / الأمريكي واستغلال الوضع الداخلي الإسرائيلي الصراع بين الأحزاب الإسرائيلية، ولذلك كانت عملية طوفان الأقصى حتمية، فهي ضربة استباقية ـ وفي كل حركات التحرر الوطني في العالم  تصل الحركات في لحظة ما إلى نقطة حرجة لا بد من تغيير المعادلة الاستراتيجية والاستعداد لتقديم التضحيات الضخمة من أجل تحقيق أهدافها كما في الجزائر وفيتنام وجنوب إفريقيا .

كانت طوفان الأقصى مفاجأة كما وصفها بعض الخبراء الإسرائيليين، فشل استخباراتي إسرائيلي وسياسي وعسكري، ففشل الشين بيت والموساد رغم وجود 20 مستوطنة على حدود غزة  وعشر معسكرات للجيش، تحيط بالقطاع الذي عدد سكانه 2.3 مليون نسمة أكثر منطقة في العالم بكثافة سكانها، حيث استطاع 1200 من رجال المقاومة الفلسطينية بتحقيق ثلاثة أهداف السيطرة على وحدة الشين بيت في مركز أريز والاستيلاء على أجهزة الحواسيب وأسر إثنين من عملاء الشين بيت احتوت على معلومات عن المخبرين والعملاء كما سيطرت المقاومة على مقر وحدة التجسس الالكتروني ( وحدة 8200 السيبرانية )، وهو أهم مركز للتجسس في إسرائيل يعتبر الثاني بعد الولايات المتحدة في التجسس الالكتروني، وسيطرت عناصر المقاومة  على الحواسيب والملفات فيها، كما اقتحم رجال المقاومة على القاعدة العسكرية وهي مقر قاعدة لإدارة العمليات العسكرية بقطاع غزة، فكانت العملية صدمة بمختلف المستويات لقيادة سياسية وعسكرية تعتبر نفسها الجيش الذي لا يقهر ويعترف قادة إسرائيل بأنها أول مواجهة لهزيمة الجيش الذي لا يقهر ، هزيمة قوية وتحطيم أسطورة الجيش الإسرائيلي بالإضافة لصدمة  نفسية  مع مقتل 1400 من الإسرائيليين تبين من  خلال التحقيق أن الطيران الإسرائيلي ساهم في قصفهم من هول المفاجأة، أدت عملية طوفان الأقصى  إلى هجرة ربع مليون إسرائيلي لخارج البلاد .

كانت رد الفعل الإسرائيلي هو هجوم انتقامي وإبادة وتطهير عرقي لأنه تم قتل أكثر من عشرين ألف من المدنيين الفلسطينيين وإصابة أكثر من 60 ألفًا، وإيقاف توصيل المياه والكهرباء والمواد الغذائية وقصفت الطائرات الإسرائيلية المستشفيات والتجمعات السكانية مما أثار الرأي العام الدولي والمظاهرات في مختلف مدن العالم.

                          رد الفعل الدولي والعربي والإسلامي      

كان الانفجار الفلسطيني متوقعًا في الدوائر السياسية والغربية بسبب تجاهل إدارة بايدن للقضية الفلسطينية واهتمام ادارته بالاستمرار في سياسة التطبيع وكما جاء في تقرير في صحيفة هافبوست في الأول من ديسمبر الحالي أعده شاهد أحمد لقول أحد المسؤولين في إدارة بايدن " إن التحدي الذي واجهنا خلال فترة هذه الإدارة هو أننا كنا شديدي التدبر فيما يتعلق بالمشكلة بين "إسرائيل" وفلسطين. كان هناك البعض ممن أرادوا بالفعل إغفال القضية وكنسها تحت البساط. فلم تكن تحتل موقعاً متصدراً في أي من النقاشات"، وحسب ما جاء في التقرير نقلاً لقول دبلوماسي أوروبي: "لقد علمنا أنه عاجلاً أم آجلاً لسوف يحدث انفجار جديد في العنف. كان ذلك أمراً محتماً. وكان السؤال متى. والمفاجئ في الأمر أنه جاء بهذه الصورة المأساوية".

جاء رد فعل الحكومات الغربية الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي التأييد المطلق لإسرائيل لقلقهم على قاعدتهم الاستعمارية المتقدمة في الشرق الأوسط، زيارة الرئيس بايدن وتأييده بكل الوسائل بدعم إسرائيل وأعلن صراحة القضاء على المقاومة وزيارة رئيس وزراء بريطانيا والرئيس الفرنسي والمستشار الألماني وكلهم دعم لإسرائيل، وتجاهلوا الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني،  وأثبتت الحرب ازدواجية المعايير الدولية وانتهاك القوانين الدولية والإنسانية وزيف القيم الغربية على أرض الواقع وقال رئيس إسرائيل إسحق هرتسوغ لشبكة MSNB  " الحرب في غزة ليست بين إسرائيل وحماس فقط  بل هي حرب لإنقاذ الحضارة الغربية" ؟ والحقيقة أن الدول الغربية المؤيدة لإسرائيل تعتبرها كذلك؟

 جاء الموقف العربي والإسلامي مدافعًا عن حقوق الشعب الفلسطيني فقد دعت السعودية لقمة عربية طارئة وقمة لمنظمة التعاون الإسلامي فعقدت القمة المشتركة بينهما في 11 نوفمبر 2023م، أكدت على حقوق الشعب الفلسطيني ووقف الحرب وتم تشكيل لجنة من ثماني وزراء خارجية الدول الإسلامية والعربية برئاسة السعودية ضمت الطيف الجغرافي الإسلامي من إندونيسيا شرقاً إلى نيجيريا غربًا وتركيا وقطر والأردن وفلسطين ومصر ،  زارت اللجنة الصين وروسيا والدول دائمة العضوية كما أن مجموعة بريكس عقدت اجتماعًا افتراضيًا لمناقشة الحرب الإسرائيلية على غزة وأعلنت تأييد الحقوق الفلسطينية وكذلك بعض دول أمريكا الجنوبية و الكاريبي، وأعلنت مملكة بليز من الكاريبي قطع علاقاتها الدبلوماسية كما فعلت قبلها جمهورية بوليفيا،  واستدعت كل من كولمبيا وهندوراس وتشيكي كل منهن سفيرها وأدان رئيس وزراء إسبانيا وكذلك بلجيكا المجازر الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وطالبا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية مما أدى لتأزم علاقاتهما بإسرائيل، أما جمهورية فنزويلا فهي دائمة التأييد لفلسطين وأيدت قرارات القمة العربية والإسلامية وعلق الأمين العام للأمم المتحدة البرتغالي الأصل  أنطونيو غوتيريش على عملية طوفان الأقصى بقوله " الأمور  لم تأت من فراغ " مؤكدًا  أن النكبة الفلسطينية  لم تجد لها حلاً منذ 75 عامًا مما أثار عليه غضب إسرائيل وحلفائها، وقال أستاذ العلوم السياسية الأمريكي بجامعة شيكاغو وهو من علماء السياسة على مستوى العالم حول تحول الرأي العام الدولي تجاه القضية الفلسطينية وعدالتها من خلال متابعته لمراكز بنوك التفكير الاستراتيجية الإسرائيلية، أنه ما بين 7 أكتوبر إلى 13 أكتوبر كان69% من الرأي العام العالمي مع الجانب الفلسطيني مقابل 31% مع الإسرائيليين وبعد 13 أكتوبر حدث تحول كبير في اتجاهات الرأي العام العالمي فأصبح 95% منهم مع الجانب الفلسطيني و5% فقط مع الجانب الإسرائيلي لأن وسائل التواصل الاجتماعي تنقل حقيقة بشاعة ما تقوم به إسرائيل من قتل المدنيين من الأطفال والنساء وكبار السكان بأنها حرب إبادة جماعية حركت شعوب العالم بعيدًا عن سياسة حكوماتها حتى أصبحت القضية الفلسطينية التي كانت مهمشة وشبه منسية قبل 7 أكتوبر على مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي وتدفع الشعوب للاطلاع على أسباب الصراع ورفع العلم الفلسطيني في قارات العالم ويرفع بأيدي شعوبها، فكانت جولدا مائير رئيس وزراء إسرائيل السابقة تقول لا يوجد شعب فلسطيني، واليوم جميع شعوب العالم تعرف الشعب الفلسطيني وتتعاطف معه وأصبحت الدول تؤكد على ضرورة إقامة الدولة الفلسطينية وأنه لا استقرار في الشرق الأوسط والعالم بدون حل عادل للقضية الفلسطينية، فالقوة هي أساس العلاقات الدولية؟

بل لم يقتصر التحول في الرأي العام العالمي تجاه عدالة القضية الفلسطينية بل حدث تحول إيجابي نحو الإسلام لأن صمود الشعب في غزة جلب الانتباه إلى ربط الصمود بالإيمان العقدي حيث قال عبدالله بن منصور رئيس مجلس مسلمي أوروبا " لم تشهد فرنسا طيلة 40 عاماً على الدخول في الإسلام لا سيما من فئة الشباب والفتيان الفرنسيين كما نراه الآن منذ حرب غزة، فقد ارتفعت الأعداد الرسمية للمسلمين الجدد  من 80 في اليوم إلى 400 الآن في بعض الأحيان، ولا يقل العدد عن 300 مسلم فرنسي جديد كل يوم، وهذا يعني حسب قول بن منصور أن عدد من دخلوا الإسلام في فرنسا وحدها على أقل تقدير منذ اندلاع طوفان الأقصى وخلال ما يقرب من شهرين حوالي 20 ألف شخص أغلبهم من الشباب، ورغم التشريعات الفرنسية ضد المسلمين إلا أن المظاهرات الشعبية اجتاحت المدن الفرنسية دعمًا للشعب الفلسطيني ولوقف الحرب وإدانة المجازر الإسرائيلية؟

سيناريو مستقبل الصراع بعد الحرب

إن هدف إسرائيل المعلن والمخفي هو القضاء على حركة حماس عسكريًا وسياسيًا وتهجير السكان وإطلاق الأسرى الإسرائيليين، ورغم مرور 60 يومًا من الحرب الانتقامية والإبادة الجماعية، فإن إسرائيل تتفاوض مع حركة حماس عن طريق الوسطاء وانتهت أسطورة جيشها أو القوة الإقليمية العظمى، وعدم تحقيق أهدافها يعني هزيمة لها وتبين أنها تعيش أسطورة فقد هرب جنودها من المعارك، وتم عرض 2000 جندي إسرائيلي على ضباط الصحة النفسية، وهي في حالة انهيار نفسي يدير المعارك ضباط من الولايات المتحدة ومجموعة مخابرات من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تدخل إسرائيل بعد الحرب في صراعات سياسية ومحاكمات عن الفشل في الاستخبارات والجيش والشين بيت ومحاكمة نتنياهو التي تحدث الآن وصراع بين اليمين المتطرف والجيش وداخل الأحزاب السياسية فقد تكون إسرائيل جمهورية موز جديدة في الشرق الأوسط مع هروب  الإسرائيليين إلى الخارج؟ ونجد الخلافات بين أعضاء مجلس الحرب والاتهامات المتبادلة وخلافات نتنياهو مع وزير الدفاع وتنصلهم من المسؤولية عن الفشل. 

 وحدث احتجاج في داخل وزارة الخارجية الأمريكية على سياسة الرئيس بايدن ووزير خارجيته وانتفاضة داخل الاستخبارات الأمريكية فقد نشرت مسؤولة كبيرة في المخابرات الأمريكية CIA صورة العلم الفلسطيني عبر  صفحتها في الفيس يوك وحسب الصحافة الأمريكية فإن رؤية مدير الاستخبارات الأمريكية وليم بيرن تختلف عن رؤية وزير الخارجية بلينكن، ورغم التحول النسبي في الموقف الأمريكي والتحول في الرأي العام بين الشباب والجامعات بالتعاطف مع القضية الفلسطينية ستبقى الحكومة الأمريكية مؤيدة وداعمة بقوة لإسرائيل لأنها قضية سياسية أمريكية داخلية في ورقة الانتخابات الرئاسية والكونغرس في دولة تعيش دوامة الانتخابات .

ويمكن حدوث التحول في حالة واحدة إذا تعرضت المصالح الأمريكية فعليًا وليس تصريحًا للتهديد في المنطقة العربية، فعندها يمكن توقع التغيير لأن السياسة الأمريكية والغربية عامة لا تقوم على الأخلاق بل شعارهم لا أخلاق في السياسة ولكن مصالحها أولا وإقامة إسرائيل كانت بسبب المصالح الغربية وتنكرًا للأخلاق والقيم التي ترددها الحكومات الغربية، فالدول الاستعمارية لا تتعامل مع شعوب الدول النامية بالقيم الأخلاقية والعدالة والقانون الدولي فقد أباد الاستعمار شعوبًا بأكملها ونهبوا خيراتها؟

أما مستقبل حركة حماس والمقاومة الفلسطينية، فالسيناريو الأرجح انتصار حماس السياسي والصمود وستكون المقاومة طرفاً رئيساً في الحكومة الفلسطينية ودور فعال، فقد حققت تأييدًا شعبيًا وشرعية سياسية داخل فلسطين وخارجها على مستوى شعوب العالم العربي روح المقاومة للأمة لأنها حركة تحرر وطني وحسب استطلاعات الرأي العام التي يجريها المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية فالشعب الفلسطيني لا يؤيد الرئيس والسلطة الفلسطينية، وأشار الاستطلاع الأخير خلال المجازر التي ترتكبها إسرائيل فإن 76% من الشعب الفلسطيني غير راض عن أداء الرئيس وأن 78 % يعتقدون بضرورة أن يستقيل من منصبه.

ويتوقع إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية بوجوه جديدة ونهاية الرئيس عباس البالغ من العمر 89 وفشل الوقوف مع غزة فهناك تحرك لوجوه جديدة في حركة فتح تقود المرحلة القادمة وفي حالة تبييض السجون الإسرائيلية وخروج  قيادات مثل مروان البرغوثي في تبادل الأسرى سيكون دور رئيس في الوحدة الفلسطينية بين فتح وحماس وستجرى انتخابات فلسطينية وحكومة تكنوقراط مشتركة تدير المرحلة القادمة وتحضر لانتخابات رئاسية وتشريعية ولمفاوضات للوصول إلى الدولة الفلسطينية المستقلة فالرأي العالم الدولي ودول العالم أصبحت ترى أنه لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية فلا استقرار في الشرق الأوسط بدون حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً يعيد الحقوق لأصحابها، وإن ما بعد 7 أكتوبر ليس ما قبله،  أنت تقاوم فأنت إذن موجود، عالم لا يعرف إلا منطق القوة .

 

مقالات لنفس الكاتب