array(1) { [0]=> object(stdClass)#12912 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 192

السعودية تتحول للتطوير الأمني والعسكري وتوطن 50 % من الصناعات العسكرية

الخميس، 30 تشرين2/نوفمبر 2023

على مدى ثلاثة أيام خلال الفترة من 17-19 نوفمبر 2023م، نظم المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية بالمنامة حوار المنامة، وعلى الرغم من تنوع الموضوعات التي ضمتها جلسات الحوار الست فقد كانت أحداث الحرب في غزة عابرة لكافة الجلسات إذ لم تخل كلمات المتحدثين من الربط بين موضوع كل جلسة وتلك الحرب تأثراً وتأثيراً الأمر الذي يعيد التأكيد على حقيقة مفادها انتهاء الحدود الفاصلة بين الأمن الإقليمي ونظيره العالمي، وكان لافتاً هذا العام الحضور الكثيف حيث شارك 568 فرداً من 60 دولة وحوالي 51 ممثلاً حكومياً رسمياً وحوالي 3260  هم إجمالي مسجلين الحضور، وقد تكون الحوار من ست جلسات تضمنت مناقشة العديد من القضايا الاستراتيجية المهمة.

الجلسة الأولى: الحرب والدبلوماسية والتخفيف من حدة التوتر

 كان أمراً طبيعياً أن يكون عنوان الجلسة الأولى هو الحرب والدبلوماسية وتخفيف حدة التوتر كمدخل عام للنقاش بالنظر إلى أحداث الحرب في غزة، وقد ضمت تلك الجلسة متحدثين من المنطقة العربية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقد عكست المداخلات وبوضوح تباين مواقف تلك الأطراف الثلاثة من الحرب في غزة ، فقد تضمنت المداخلات الرسمية العربية إعادة التأكيد على خمس حقائق أولها: أنه لا يوجد أي شيء يبرر قتل المدنيين الأبرياء على نحو غير مسبوق في أي من الصراعات والمأساة الإنسانية تتحدث عن ذاتها وتعبر عنها الأرقام حيث أن هناك أكثر من 11 ألف قتيل من الفلسطينيين من بينهم حوالي 67% من الأطفال، وتدمير 61% من البنية التحتية لقطاع الصحة الفلسطيني، وأن ما يتم إيصاله من المساعدات الإنسانية يعد أقل من 10% من الاحتياجات الأساسية للسكان في غزة، فضلاً عن اضطرار 1,6 مليون فرد للنزوح داخل غزة، وما يحدث يعد انتهاكاً صارخاً لكافة المواثيق الدولية واتفاقيات جنيف بشأن حماية المدنيين خلال الحروب، وثانيها: لم تكن أحداث السابع من أكتوبر 2023م، منشأة للأزمة الحالية ولكنها كانت كاشفة ومحركة  لتداعيات عدم حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وعدم اعتبار القضية الفلسطينية قضية أمن إقليمي والتعامل معها كقضية فرعية خلال السنوات الماضية  ورفض إسرائيل كافة مبادرات حل ذلك الصراع ومن بينها مبادرة السلام العربية عام 2002م، التي طرحتها المملكة العربية السعودية وأقرتها القمة العربية آنذاك ومضمونها السلام الكامل مقابل علاقات عربية طبيعية مع إسرائيل، وثالثها: أن الأولوية الآن هي لوقف الحرب وعدم ترويع الآمنيين وهو الأمر الذي تحرمه الأديان كافة، وأن الحديث بشأن القضاء على حماس  أولاً غير ذي جدوى حيث أن الدمار وقتل المدنيين كان نتيجته تحول حماس إلى فكرة وليست أشخاص، ورابعها: أن هناك جهود عربية وإسلامية تبذل من أجل وقف تلك الاعتداءات ومنع التصعيد ومنها القمة العربية الإسلامية غير العادية التي استضافتها المملكة العربية السعودية وعكست صوتاً موحداً لدعم الشعب الفلسطيني وإعادة التأكيد على حقوقه المشروعة بإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية وفق قرارات الشرعية الدولية، وخامسها: أنه لن تكون هناك قوات عربية في غزة ووجود اتفاق على منع تهجير الفلسطينيين وهو ما عبر عنه صراحة الموقفين المصري والأردني ،إلا أنه في المقابل لوحظ أن وجهة النظر الأمريكية تقف على جانب النقيض من تلك الرؤية العربية ومضمونها ثلاث نقاط أولاً: أنه لا وقف لإطلاق النار قبل الإفراج عن الرهائن لدى حركة حماس وتبرير ذلك بأن حماس هي من بدأت الحرب، ثانياً: أن التهديدات التي تواجهها إسرائيل وفقاً للرؤية الأمريكية ليست من جانب حركة حماس فحسب وإنما من جانب حزب الله والجماعات الأخرى المدعومة من إيران وبالتالي فإن زيادة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة هو بهدف الردع وليس زيادة التصعيد، ثالثاً: أنه يجب  إدماج الضفة الغربية وغزة مستقبلاً تحت حكومة واحدة وإيجاد مسار لحل الدولتين مع ضمان أمن إسرائيل وزيادة المساعدات الإنسانية وإنشاء آلية من أجل إعادة إعمار قطاع غزة، وما بين هاتين الرؤيتين جاءت رؤية الاتحاد الأوروبي والتي تضمنت ثلاث نقاط أولها: أنه هناك اقترابان للاتحاد الأوروبي بشأن التعامل مع تلك الأزمة الأول البعد الإنساني من خلال تقديم المساعدات بشكل مستدام، والثاني التفكير في المسار السياسي من خلال حل الدولتين والذي يتم الحديث عنه لأكثر من ثلاثين عاماً دون جدوى أو حلول ملموسة على الأرض، حيث كان الأمر عبارة عن شعارات فحسب، وثانيها: أن الاعتداء على المدنيين خط أحمر وكان ذلك محور الحديث الأوروبي مع الجانب الأمريكي خلال اللقاءات المكثفة التي تمت خلال تلك الأزمة، وثالثها: السلطة الفلسطينية هي التي يجب أن تسيطر على غزة وللدول العربية دور مهم في إعادة بناء وإعمار غزة وخاصة كل من مصر والأردن والمملكة العربية السعودية ، فضلاً عن الأدوار الدولية ومن بينها دور الاتحاد الأوروبي بما يحقق أمن الفلسطينيين وإسرائيل على السواء.

الجلسة الثانية: سبل التعامل مع التنافس الدائر على نطاق عالمي

 عنوان الجلسة كان لافتاً حيث أن منطقة الخليج العربي كانت-ولاتزال-إحدى ساحات التنافس العالمي، ومن ثم فإن التساؤلات التي استهدفت تلك الجلسة الإجابة عليها ما هي مظاهر وتأثير التنافس العالمي على أمن الخليج العربي والأمن الإقليمي؟ بل والأهم كيفية إدارة ذلك التنافس؟ وكان لافتاً وجود مشاركات من المنطقة أكبر من خارجها، وقد تمثلت وجهة النظر الخليجية في عدة نقاط أولها: أن دول الخليج العربي عانت لسنوات طويلة من التنافس سواء على الموارد أو النفوذ ولاتزال تشهد تلك المنافسة وإن اتخذت أبعاداً أكثر تعقيداً  فقد أدت جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا إلى تأثيرات على  قضيتي الأمن الغذائي وأمن الطاقة، ولكن ذلك التنافس لم يثني دول الخليج العربي عن الاستمرار في التمسك بمبادئ رصينة في سياستها الخارجية ومنها احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وفي الوقت ذاته الانخراط مع الأسرة الدولية في تحقيق الأمن الإقليمي والأمن العالمي، وثانيها: أنه بالرغم من وجود وأهمية منظمة الأمم المتحدة بهدف تحقيق الأمن والسلم الدوليين بيد أن العالم في حاجة ماسة لإطار جديد من القيم والمبادئ المشتركة التي يتعين أن يعمل الجميع من خلالها ويلتزم بها ومن بينها الحوار والتسامح وهما ركيزتان أساسيتان للسياسة الخارجية لمملكة البحرين، ومن خلال تلك القيم فإن العلاقات الدولية لن تكون معادلة صفرية وإنما الجميع سيكون رابحاً، وثالثها: أنه من أجل خوض غمار التنافس يتعين أن يكون هناك فهماً للمكونات الأساسية لمستقبل آمن ومزدهر ومستقر ومن أولويات ذلك إيجاد نهائي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من خلال حل الدولتين ولذا تعلن مملكة البحرين استعدادها لاستضافة مؤتمر دولي للسلام بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة ومشاركة كافة الشركاء، و يثار تساؤل لدى دول الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط مفاده كيف سيكون شكل التحالفات في المنطقة بعد حرب غزة؟، ورابعها: أن تلاشي النظام الدولي من شأنه أن يتيح الفرصة مجدداً لنمو نشاط الجماعات دون الدول التي تزعزع الاستقرار وتؤجج الطائفية، لأن الحرب في غزة أوقفت الوسطية والاعتدال لصالح التشدد والتطرف، وخامسها: أن تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي والمشروعات المشتركة يعد السبيل الرئيسي لإيجاد شرق أوسط مستقر ومزهر يكون فيه النفع للجميع، ولابد أن يطرح تساؤل مهم وهو  هل يمكن التوصل لحلول مستدامة للقضايا التي كانت سبباً في التوتر الإقليمي؟  وسادسها: لاتزال العلاقات الخليجية- الأمريكية استراتيجية حتى مع وجود تعاون خليجي مع الصين من خلال بعض المناورات الروتينية مع بعض دول الخليج العربي  والتي لا تحمل دلالات محددة ، بينما تمثل وجهة النظر الغربية في الآتي أولاً:  أن التحدي الذي يواجه الدول الغربية بشأن التنافس الدولي يتمثل في الصين وروسيا، حيث أن الحرب في أوكرانيا التي بدأت منذ أكثر من 600 يوماً  قد غيرت نظام الأمن الأوروبي، فضلاً عن تداعياتها عالمياً، ثانياً: أن أحداث السابع من أكتوبر 2023م، تعد اختباراً للإرادة الدولية ولا أحد يقبل بقتل المدنيين من أي دين أو جنسية، ثالثاً: أن المساعدات الأوروبية كانت للجميع وهناك توجهات بزيادتها، رابعاً: لابد من تطبيق حل الدولتين باعتباره المخرج الأساسي من دوامة العنف والصراع الراهن، خامساً: أن دور دول الخليج العربي مهماً ومحورياً من أجل وضع نهاية لهذا الصراع المأساوي حيث أن الجيل الحالي من الفلسطينيين عندما يكبر ستكون لديه نزعة الانتقام بما يعنيه ذلك من البقاء في دوامة العنف.

 الجلسة الثالثة: القدرات والاستراتيجية  

جاء عنوان وترتيب الجلسة الثالثة منطقياً، فإذا كان هناك حديث عن المخاطر والتحديات وكذلك التنافس، فماذا عن القدرات والاستراتيجيات الراهنة أو تلك التي يجب انتهاجها؟ الإجابة عن تلك التساؤلات كانت في مداخلات تلك الجلسة التي جاءت من ممثل لحلف الناتو، والاستراتيجيات العسكرية لبريطانيا، ثم الاستراتيجيات الدفاعية للمملكة العربية السعودية، وقد تلاقت وجهات النظر أحياناً وتباينت أحايين أخرى، فأولاً تتمثل الرؤية السعودية للنهوض بقطاعي الأمن والدفاع فيما يلي:

  • أن النهوض بهاذين القطاعين كان ضمن خارطة طريق رسمتها المملكة منذ أكثر من سبع سنوات ضمن التنمية الوطنية المستقبلية المستدامة والتي ترتكز على ثلاثة أسس وهي العمقين العربي والإسلامي، القوة الاستثمارية، الموقع الجغرافي، اعتماداً على محاور متكاملة تضم العامل البشري والقدرات الاقتصادية والطموحات المستقبلية.
  • إن المملكة تشهد أكبر عملية تحول في تطوير قطاعيها الأمني والعسكري وذلك للاستجابة للتهديدات التي تواجهها ومن ثم فقد حددت هدف توطين 50% من الصناعات العسكرية بحلول عام 2030م، وقد أطلقت الوزارة حوالي 300 مبادرة لتحقيق خمسة أهداف استراتيجية وهي تحقيق التفوق العملياتي وتطوير الأداء التنظيمي للوزارة وتطوير الأداء الفردي وتحسين كفاءة الإنفاق ودعم التصنيع المحلي.
  • توجد حوكمة فعالة لاتخاذ القرارات السريعة.
  • تطوير عمل الوزارة وقطاعاتها المختلفة بحيث أصبحت تضم قطاعات متخصصة.

 5-استحداث مؤسسات معنية بالتوطين العسكري وهي الهيئة العامة للصناعات العسكرية والهيئة العامة للتطوير الدفاعي والشركة السعودية للصناعات العسكرية، بينما تتمثل وجهة نظر حلف شمال الأطلسي" الناتو" فيما يلي: 1- تؤكد التطورات التي يشهدها النظام العالمي أن خصوم الحلف هم من يحددون طريقة الأداء العسكري سواء بالنسبة لحلف الناتو أو القوى الكبرى الأخرى بما يعنيه ذلك أنه يجب الاستعداد لأي سيناريوهات عسكرية غير متوقعة،2- خلال قمة الحلف العام القادم 2024م، سوف يبحث الناتو سبل تعزيز شراكاته مع الجنوب، والتي تأسست من خلال مبادرتي الحوار المتوسطي 1994م، و اسطنبول 2004م، واللتان تضمنتا مجالات عديدة للتعاون بين الناتو وشركائه ومن بينها تبادل الأفكار والتدريب العسكري، وتعد استضافة الكويت للمركز الإقليمي للناتو ومبادرة اسطنبول تطوراً مهماً في مسار الشراكة بين حلف الناتو ودول الخليج العربي، كما أن الحلف لن ينسى دور كل من الكويت وقطر في إجلاء رعايا الدول الغربية خلال الانسحاب من أفغانستان عام 2021م.

3ـ يمثل الردع أفضل وسيلة لمواجهة التهديدات وليس الحرب ،وتوجد تهديدات مشتركة لابد من التعاون بشأنها ومنها أمن الحدود والأمن السيبراني والتغير المناخي والهجرة غير الشرعية والأمن الغذائي 4-العديد من دول العالم  وبعض المنظمات قد أولت اهتماماً كبيراً لتوظيف التكنولوجيا في المجالات العسكرية مع إغفال أهمية العنصر البشري والجغرافيا والحروب التقليدية كما هو الحال الآن بالنسبة للمواجهات بين حماس وإسرائيل، ومثال آخر هو الحرب في أوكرانيا فلن تتمكن  أوكرانيا من الفوز في تلك الحرب إلا إذا حصلت على التكنولوجيا المتطورة والأقل تطوراً في الوقت ذاته.

5-هناك ضرورة للتكامل بين الرؤيتين العسكرية والسياسية وهو ما تعكسه مؤسسات الحلف، فاللجنة العسكرية مكونة من كافة الدول الأعضاء في الحلف وتتيح تكامل القدرات العسكرية، كما أن التنسيق السياسي يعد مهماً للغاية لأنه بوصلة العمل العسكري، أما الاستراتيجيات العسكرية لبريطانيا فتتمثل فيما يلي: 1-تتمثل الأولوية الأولى لبريطانيا في منع التصعيد في غزة وإدخال المساعدات ولابد أن تكون الأفعال متناسبة مع المخاطر. 2- من مكونات الاستراتيجية الدفاعية لبريطانيا  توفير وسائل للاستجابة للأزمات ويشمل ذلك مجموعة بحرية في شرق المتوسط لتوفير المساعدات الإنسانية ضمن خطة تتضمن تقديم 30 مليون جنيه إسترليني. 3- تواجه بريطانيا تهديدات من خليج عمان  وخاصة الأمن البحري والتي تزامنت مع التوترات في البلقان والمواجهات في مضيق تايوان وكذلك الانقلابات العسكرية في مناطق مهمة في إفريقيا  وكان آخرها في الجابون،4- استطاعت بريطانيا مراجعة سياساتها الدفاعية في عام 2022م، من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي بنسبة 2,5% واستمرار الاعتماد على الردع النووي من خلال حلف الناتو، فضلاً عن تحديث الجيش البريطاني، واستثمار حوالي 40 مليار جنيه استرليني خلال الثلاثين عاماً القادمة بإنشاء 11 منصة جديدة وبناء 22 سفينة، كما أن السلاح الجوي الملكي يتحول من الجيل الرابع إلى الجيل الخامس، 5- ترتكز قوة بريطانيا على الشراكات وتعزيز قوتها العسكرية وترى أن منطقة الخليج العربي ذات طابع استراتيجي ويوجد انتشار عسكري لحوالي 1500 جندي بريطاني في 15 دولة، وهناك المزيد من السفن البحرية  الملكية تنقل إلى منطقة الخليج العربي.

الجلسة الرابعة: مبادرات جديدة للسلام الإقليمي

 تناولت تلك الجلسة أهم المبادرات التي أطلقت لتحقيق الأمن الإقليمي وعما إذا كانت هناك حاجة لمبادرات جديدة وكما هو الحال في الجلسات السابقة كانت هناك وجهة نظر عربية عكستها نقطتان أساسيتان الأولى:  أن  عدم حل القضية الفلسطينية يعد أحد الأسباب الرئيسية لحالة عدم الاستقرار الإقليمي ليس بسبب نقص المبادرات حيث أطلقت العديد من المبادرات ولكنها تعثرت بسبب الرفض الإسرائيلي لها ومن ثم فإن حرب غزة تعد نقطة تحول في جهود حل تلك القضية، بل أن هناك حاجة لإثارة التهديد النووي الإسرائيلي، وما يقال أن إسرائيل يمكنها توفير الأمن للفلسطينيين ليس واقعياً، والثانية: هي إذا كانت الحروب تنتهي دائماً إما باستسلام غير مشروط لأحد الطرفين أو المفاوضات فإن ذلك ليس مطروحاً في حالة غزة لأن السابع من أكتوبر2023م ليس بداية الأزمة ولكنه كان انفجاراً لممارسات سابقة لأن الوضع ما قبل انفجار تلك الأحداث هو أن هناك أراضي محتلة وهناك مقاومة، يوجد 7 ملايين إسرائيلي و7 ملايين فلسطيني ولابد من إيجاد حل ما بين الطرفين وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، فالمسألة ليست في عدد ونوعية المبادرات فهناك أوسلو ومبادرة السلام العربية ومن ثم فإن العبرة في إمكانية تطبيقها والحيلولة  دون نشوء جيل جديد من الفلسطينيين يسعى للانتقام مستقبلاً كما أن مسألة معاداة السامية لابد من إيجاد حل لها، فلا أحد يعلم متى وأين سوف تقع الحرب القادمة؟ وفي مقابل وجهة النظر العربية تلك كانت هناك وجهة نظر غربية مفادها أن الحرب الحالية في غزة تعد كارثة للأمن الإقليمي برمته بل التداعيات بعيدة المدى أكثر خطورة ومنها زيادة معاداة السامية والإسلام ومن ثم لابد من وقف إراقة الدماء أولاً وتوفير الأمن لكل الأطراف ولابد من احترام القانون الدولي الإنساني وخاصة فيما يتعلق بالقطاع الصحي وإيصال المساعدات الإنسانية للفلسطينيين ليس فقط من خلال معبر رفح ولكن من خلال معبر كرم أبو سالم واحترام قرار مجلس الأمن ذي الصلة بحرب غزة، أخيراً تطبيق حل الدولتين كواقع وليس كرؤية.

 الجلسة الخامسة: سياسات أمن الطاقة  

  في ظل الارتباط الوثيق بين الأمن الإقليمي والأمن العالمي فقد تم تخصيص جلسة كاملة حول أمن الطاقة سواء المشروعات المشتركة التي يمكن من خلالها ترسيخ التعاون الإقليمي أو تأثير الحرب في غزة على أمن الطاقة  وخلال حديثه أشار السيد جاسم محمد البديوي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى أن دول الخليج العربي كانت عبر تاريخها شريك موثوق به في ضمان أمن الطاقة  فخلال الحرب العراقية- الإيرانية في الثمانينيات تم رفع أعلام الدول الغربية على ناقلات النفط الخليجية لحمايتها من الاعتداءات التي تخللت تلك الحرب، وخلال الحرب في أوكرانيا كان هناك التزام خليجي واضح بإمداد الغاز لبعض الدول الأوروبية، ويرتبط بالأمر كذلك ضرورة الإبقاء على الممرات البحرية لنقل الطاقة آمنة لأن أي تعطل في نقل الطاقة سوف يرتب تداعيات خطيرة ومن ثم لابد من التعاون الجماعي من أجل مواجهة مخاطر القرصنة ، وكان لافتاً دعوة السيد جاسم البديوي  لتأسيس تحالف دولي لحماية إمدادات الطاقة ، بالإضافة إلى ضرورة الاهتمام بالطاقة المتجددة مشيراً إلى تجارب دول الخليج العربي الست في هذا المجال والتي حققت نجاحات ملموسة، مؤكداً على ضرورة دعم الاستثمار في مجالي النفط والغاز ، فضلاً عن ضرورة تعزيز التعاون الدولي وحماية البنية التحتية وطرق النقل من التهديدات العسكرية والسيبرانية على حد سواء، وأن تكون هناك رؤية طويلة الأمد لضمان أمن الطاقة بغض النظر عن الحروب والصراعات الحالية، وأن يكون هناك تعاونًا وشفافية بين المنتجين والمستهلكين في مجالي النفط والغاز، ومن ناحية ثانية تم استعراض تجربة منتدى غاز شرق  المتوسط وأن الهدف الأساسي منه كان التعاون في ذلك المجال وهو الذي انطلق منذ 3 سنوات بعد اكتشاف العديد من حقول الغاز في تلك المنطقة ويضم 8 دول أعضاء و3 مراقبين من جهات دولية بالإضافة إلى اللجنة الاستشارية  التي تضم 38 شركة وعضوية جهات محلية وإقليمية ودولية، ولدى المنتدى استراتيجية طويلة المدى تستهدف تحقيق 7 أهداف والهدف النهائي هو تحقيق الدمج الإقليمي والتناغم بين الجهود، ومواجهة آثار التغير المناخي ، وتوفير الغاز لكافة الأطراف بدون تكلفة كبيرة وكذلك إشراك القطاع الخاص والنتيجة كانت زيادة ما تصدره المنطقة لأوروبا، وتم إطلاق هدف إزالة خفض الانبعاثات وتمت مناقشة ذلك الأمر خلال قمة المناخ  الـ 26 في مصر وسوف تتم مناقشته أيضًا خلال القمة الــ27 القادمة  في دولة الإمارات العربية المتحدة  في ديسمبر 2023م، كما أثيرت أفكار أخرى منها ضرورة  أن يكون هناك حديث عن الاستثمارات في مجال الطاقة النظيفة عموماً وعدم حصر الحديث حول سياسات أوبك كما أنه كانت هناك مطالب من بعض الدول الكبرى بتغيير مسمى منتدى الغاز في شرق المتوسط إلى منتدى الطاقة لأن الطاقة تعد مدخلاً مهماً للتعاون  فالمطلوب في شرق المتوسط هو تحقيق هندسة للأمن الإقليمي في تلك المنطقة لتكون نموذجاً جيداً يمكن من خلاله تعزيز فكرة التعاون الإقليمي ذاتها أي أن تكون الموارد الطبيعية مجالاً للتعاون بدلاً من الصراع والمواجهة، فالطاقة يمكن أن تسهم في تحقيق الأمن الإقليمي وعلى الرغم من صعوبة ذلك الأمر إلا أنه ليس مستحيلاً ولكن يتطلب ذلك تغيير مفهوم المعادلة الصفرية عند النظر للتعاون في مجال الطاقة من ناحية واحترام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م،  من ناحية ثانية والتي تحدد الحقوق البحرية للدول والتي يتعين احترامها بالنظر لاحتواء تلك الحدود على مصادر للنفط والغاز .

 الجلسة السادسة: أشكال جديدة من التعاون الاستراتيجي ومستقبل الشرق الأوسط

 وقد تم تخصيص تلك الجلسة لباحثي المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية لتقييم مناقشات الحوار وإبداء تصورات ومقترحات للوضع الراهن أو للمستقبل وقد أثيرت عدة قضايا مهمة منها على سبيل المثال لا الحصر  أولاً: مع أن دول الخليج العربي ليست طرفاً مباشراً في الأزمة الحالية في غزة ولكن لها تداعيات على دول الخليج العربي ومنها زيادة التوترات الإقليمية ومن ذلك على سبيل المثال حدوث 81 اعتداء على المصالح الأمريكية في المنطقة من جانب الميلشيات المسلحة  بعد اندلاع الأحداث في غزة ولكن لم يكن هناك ردًا أمريكيًا سوى 3 مرات فقط مما يثير مسألة تحقيق الردع ضد تلك التهديدات، بالإضافة إلى وجود رأي عربي عام مساند لغزة، ثانياً : عندما ننظر إلى الأمن الإقليمي توجد ثلاث دول لابد من الحديث عنها الأولى  إيران والتي وصلت ثورتها إلى نهايتها سواء على مستوى عمر قادتها أو أهدافها، والثانية هي إسرائيل  والتي أضحت حديث العالم بسبب أحداث  7أكتوبر2023م، وما قبلها كانت هناك أزمة داخل إسرائيل بين المكونات السياسية بسبب قوانين القضاء، أما الدولة الثالثة فهي المملكة العربية السعودية حيث أن العام 2030م، ليس ببعيد وبالتالي إذا استطاعت تحقيق أهداف رؤيتها بشأن عملية التحول في كافة المجالات ضمن رؤيتها التنموية  فإن ذلك سوف يكون مهماً سواء بالنسبة لدول الخليج العربي أو العالم، ثالثاً: عند النظر للاعبين الدوليين مثل الاتحاد الأوروبي فلابد من مراعاة أنه هناك انقسامات بين الدول الأعضاء لم تكن أحداث غزة منشأة لها ولكن حول قضايا أخرى، وربما كان  موقف حلف الناتو أفضل حالاً بشأن غزة على الرغم من التأكيد على أنه لن ينخرط في هذا الصراع ،رابعاً: إطالة أمد الحرب في غزة سوف يرتب نتائج خطيرة على الأمن الإقليمي سواء بالنسبة للرأي العام أو الاصطفاف في هذا الاتجاه أو ذلك بالإضافة للخسائر الاقتصادية وبالتالي لابد من دور للتيار المعتدل في المنطقة ، خامساً: لابد من التفكير في اليوم التالي بشأن غزة من كافة الجوانب وهو مسؤولية كافة الأطراف في المنطقة بما يستهدف إيجاد حل جذري للقضية الفلسطينية.

 الخلاصات الاستراتيجية للحوار

   عكست مناقشات الحوار خمس ملاحظات استراتيجية وهي:

 الأولى: أن هناك قناعة لدى كافة المشاركين بأن الحرب في غزة لن تقتصر آثارها على طرفيها وإنما سوف تطال العديد من دول الجوار بل والمصالح العالمية بما يعني حتمية التوصل لوقف إطلاق النار والإسراع بإدخال المساعدات الإنسانية لغزة.

الثانية أن غياب أو تغييب مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني خلال الصراعات المسلحة يعني العودة سنوات للوراء من خلال إفراغ تلك القوانين من مضامينها بل أنها تمثل سابقة خطيرة يمكن أن يتم تكرارها في نزاعات أخرى.

الثالثة: أن هناك إجماع على أهمية كافة الأدوار الإقليمية والدولية لمرحلة ما بعد غزة ليس فقط بالنسبة لحل الدولتين بل أيضاً لضمان الحفاظ على الأمن الإقليمي سواء من خلال تفعيل التحالفات والشراكات القائمة أو استحداث شراكات جديدة.

 الرابعة: إذا كان من السهل إيجاد حلول للمواجهات المسلحة فإن الأمر يصبح أكثر صعوبة بالنسبة لحرب الأفكار والأيديولوجيات التي تحتاج لسنوات لتغييرها سواء بشأن معاداة هذا الدين أو ذاك؟

 الخامسة: اتفاق الجميع على حرمة قتل أو اختطاف المدنيين.  

مقالات لنفس الكاتب