array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 192

السعودية تشارك جميع القوى حتى لا تكون ورقة للمناورة وتأكيد دورها كفاعل استراتيجي

الأربعاء، 29 تشرين2/نوفمبر 2023

أعلن صاحب السمو الملكي الأمير محد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ـ يحفظه الله ـ على هامش قمة العشرين التي عُقدت في نيودلهي بالهند في 9 سبتمبر 2023م، عن توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء ممر اقتصادي جديد (IMEC) للربط بين الهند وأوروبا عبر الشرق الأوسط، وذلك من خلال تأسيس طريق تجارية موثوقة وأكثر فعَّالية من حيث التكلفة، وبما يعزز مرونة سلاسل التوريد، والذي ستكون له انعكاسات على العديد من دول العالم، بخلاف الدول التي يشملها الممر الجديد.

والمؤشرات الأولية تؤكد أن هذه المبادرة تطرح العديد من الفرص الواعدة للدول المشاركة فيها، فضلاً عما يمكن أن تحققه من مكاسب استراتيجية لدول المنطقة، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية. ومن هذا المنطلق، تسعى هذه الورقة إلى استعراض مواقف وأهداف الأطراف المعنية من المشروع، والمكاسب التي يمكن أن تحققها السعودية والمنطقة منه، مع الإشارة إلى بعض الفرص والتحديات التي قد تواجه المشروع.

نبذة أوَّلية عن المشروع وأهميته

يتألف مشروع الممر الاقتصادي (IMEC) من ممرين منفصلين هما؛ "الممر الشرقي" الذي يربط الهند مع الخليج العربي، و"الممر الشمالي" الذي يربط الخليج بأوروبا. وستشمل هذه الممرات شبكة عابرة للحدود من السفن إلى السكك الحديدية لتكملة طرق النقل البرية والبحرية القائمة لتمكين مرور السلع والخدمات.

ويهدف الممر الجديد إلى تيسير عملية نقل الكهرباء المتجددة والهيدروجين النظيف عبر كابلات وخطوط أنابيب، من أجل تعزيز أمن الطاقة، ودعم جهود تطوير الطاقة النظيفة. بالإضافة إلى تنمية الاقتصاد الرقمي من خلال الربط والنقل الرقمي للبيانات عبر كابلات الألياف البصرية.

ويضم المشروع، الذي يحظى بدعم أمريكي واضح، مجموعة من الدول الموقِّعة على مذكرة التفاهم؛ هي: المملكة السعودية، الإمارات، الهند، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، وإسرائيل. وستقوم مجموعات العمل خلال الشهرين القادمين، بوضع خطة أكمل، وتحديد جداول زمنية لتنفيذ الممر.

وتكمن أهمية هذا الممر الجديد في مجموعة من العوامل، يمكن الإشارة إليها كالتالي:

أولاً- إنه مشروع متعدد الوسائط والأوجه؛ إذ لا يقتصر على الأبعاد المادية التي تشمل شبكات السكك الحديدية والشحن فحسب، بل يشمل أيضاً الأبعاد الرقمية والمالية. وينص البيان الصحفي الصادر عن البيت الأبيض على أن المشاركين يعتزمون "ربط القارتين بالمراكز التجارية وتسهيل تطوير وتصدير الطاقة النظيفة؛ ومد كابلات تحت البحر وربط شبكات الطاقة وخطوط الاتصالات لتوسيع نطاق الوصول الموثوق إلى الكهرباء؛ وتمكين ابتكار تكنولوجيا الطاقة النظيفة المتقدمة؛ وربط المجتمعات بالإنترنت الآمن والمستقر".

ثانياً-إنه مشروع جماعي تعاوني مشترك؛ إذ أكدت مذكرة التفاهم التي وقعتها الدول المشاركة على الالتزام بـ"العمل بشكل جماعي وسريع لترتيب وتنفيذ جميع عناصر الممرات الجديدة، وإنشاء كيانات تنسيقية لمعالجة كامل المعايير الفنية والتصميمية والتمويلية والقانونية والتنظيمية ذات الصلة".

ثالثاً-إنه مشروع ذو أهداف مزدوجة؛ إذ يتضمن المشروع تحفيز التنمية الاقتصادية من خلال تعزيز الاتصال والتكامل الاقتصادي بين آسيا والخليج العربي وأوروبا، أي إنه ليس مشروعاً خاصاً ببلد محدد، بقدر ما يعمل على تحقيق نوع من التكامل التحويلي لربط القارات ببعضها. وقد اتضح ذلك في تصريحات وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح على هامش مؤتمر الاستثمار السعودي الهندي؛ حيث قال إن "المشروع سيوازي طريق الحرير وطريق التوابل مجتمعين، لما سيقدّمه من ترابط على مستوى البيانات والطاقة والموادّ الخضراء والسلع المعالجة والجاهزة للاستخدام، بهدف إعادة التوازن إلى التجارة العالمية". ويُشار إلى أن "طريق التوابل" هو طريق تجاري جمع القارات في حضارات العالم القديم، وبدأ من الهند، في حين أن "طريق الحرير" ربط آسيا بداية من الصين، بأوروبا.

رابعاً- الزيادة المتوقعة في سرعة النقل وتقليل التكاليف؛ فوفقاً لتصريحات رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، فإن الممر الجديد "سيجعل التجارة بين الهند وأوروبا أسرع بنسبة 40٪. كما سيؤدي تقليل وقت النقل إلى تقليل التكاليف وتوفير الطاقة وزيادة التجارة وتنشيط التنمية الاقتصادية".

أهداف متباينة للفاعلين

يجمع الأطراف المعنية هدف مشترك وهو المشاركة في تنمية الاقتصاد العالمي، وتعزيز الاستفادة التجارية والاقتصادية من الممر الجديد. كما اشتركت الأطراف المعنية أيضاً في الإشادة بالمشروع وتضخيم حجم الفائدة المرتقبة منه للجميع. لكن برغم ذلك، تتباين أهداف هذه الأطراف إلى ما يتجاوز حدود الاستفادة الاقتصادية من المشروع.

فالمشروع بالنسبة للولايات المتحدة، يحقق هدفين استراتيجيين؛ أولهما مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة، ومنافسة مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين عام 2013 بهدف بناء شبكة اقتصادية وبنى تحتية تربط آسيا بأوروبا وإفريقيا لتعزيز النفوذ العالمي للصين، فضلاً عن إعلاء نفوذ القوة المناوئة للصين والحليفة للولايات المتحدة مثل الهند. أما الهدف الثاني فيرتبط بتعزيز العلاقات بين دول الخليج وإسرائيل، عبر توظيف هذا المشروع للتمهيد لتطبيع العلاقات مستقبلاً.

أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي والدول المشاركة كألمانيا وفرنسا وإيطاليا؛ فإن المشروع يحقق عدة أهداف استراتيجية هامة لهم؛ أولها تقليل الاعتماد على الصين كمورِّد اقتصادي رئيسي، ناهيك عن العمل على تحجيم صعودها العالمي، وثانيها أنه يدعم أوروبا في أزمة الطاقة التي تواجهها جراء الحرب الروسية الأوكرانية، وثالثها أنه يُعيد تموضعها كفاعل أساسي في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من مركزية العلاقات مع دول الخليج.

في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى توافق أهداف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة من هذا المشروع خاصةً في جزئية منافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، خاصةً أن المقارنة الموضوعية بين المشروعين تصب في صالح المشروع الجديد؛ ففي حين أن مبادرة الحزام والطريق مصممة مركزياً وتخدم المصالح الصينية، فإن الممر الاقتصادي يعتمد على المشاورات مع جميع الأطراف المعنية، ويهدف لتحقيق المنفعة للجميع. وبينما لا تهتم مبادرة الحزام والطريق بسيادة الدول التي تمر عبرها، فإن الممر الجديد يحترمها لكونه مبني على اتفاقات بين الدول.

وبالنسبة للهند فالمشروع مكسب استراتيجي عظيم لمواجهة النفوذ الصيني إقليمياً وتعزيز مكانة الهند دولياً وربطها أكثر بدول الخليج وأوروبا. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن المشروع يمثل مكسب استراتيجي هام خاصةً في هذا التوقيت الذي تواجه فيه حكومة نتنياهو مصاعب وتهديدات داخلية جمَّة. إذ يضع الممر الاقتصادي تل أبيب كدولة عبور ضرورية ويعيد صياغة العلاقات في المنطقة معها؛ وهو ما عكسته تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي قال: "إنها لحظة تاريخية لإسرائيل.. ويجعلها في مفصل حركة التجارة الدولية. الآن أصبحت إسرائيل دولة عبور من نوع مختلف، لقد أصبحت ملتقى الطريق الرئيسي في الاقتصاد العالمي وجسر السلام الذي سيغير المنطقة".

أما الأهداف في المملكة السعودية فربما تكون مغايرة لما يهدف إليه الفاعلون المشاركون في المشروع؛ فيكمن هدف المملكة الأساسي في تنويع مصادر دخل الاقتصاد السعودي، الذي اعتمد لفترة طويلة بشكل كبير على النفط، كجزء من الرؤية السعودية 2030؛ حيث يُنظر للممر الجديد على أنه مصدر استراتيجي للدخل المستقبلي. بالإضافة إلى تعزيز دور المملكة السعودية إقليمياً وعالمياً ليجعلها في قلب المتغيرات العالمية، ويضعها كفاعل استراتيجي أساسي في المشروعات الدولية المشتركة. ناهيك عن الريادة السعودية الواضحة في المنطقة، والتي عكستها تصريحات ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان التي أشار خلالها إلى أنه "يطمح إلى تحويل الشرق الأوسط إلى أوروبا جديدة". لكن في الوقت نفسه، لا تهدف المملكة من المشروع إلى منافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية نظراً لعلاقاتها المتماسكة والمتداخلة مع الصين، كما لا يعني المشروع في الوقت ذاته بالضرورة تطبيع العلاقات مع إسرائيل والذي أكدت المملكة في أكثر من مناسبة أنه لن يتم إلا بعد تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

أربعة مكاسب استراتيجية للمملكة

من واقع ما هو معلن حتى الآن بشأن المشروع، يُتوقع أن يحقق المشروع للمملكة السعودية عدة مكاسب استراتيجية هامة، وقد تكون لها امتداداتها على منطقة الشرق الأوسط ككل. ويمكن تلخيص هذه المكاسب في النقاط التالية:

أولاً-مكاسب اقتصادية ضخمة: ستكون السعودية، وفقاً للمشروع، إحدى المحطات الهامة والأساسية في نقل الطاقة والتجارة بين المشرق والمغرب، وذلك من خلال ثلاثة ركائز أساسية؛ هي موقعها الجغرافي الاستراتيجي الرابط بين 3 قارات، ودورها الريادي عالمياً كمصدر موثوق للطاقة، وتفوقها في مجال التقنية والأمن السيبراني، ناهيك عما تمتلكه من ميزات تنافسية محورية لإنجاح هذا المشروع.

ونظراً لكون هذا الممر يعد أطول ممر اقتصادي يربط قارات العالم، ويخدم حوالي 30% من سكان العالم بشكل مباشر، فإن المكاسب الاقتصادية المتوقعة للمملكة من نقل الطاقة والخدمات غير البترولية عبر هذا الممر ستكون ضخمة للغاية، وستتجاوز تكاليف إنشائه في وقت قصير، خاصةً أن لدى المملكة احتياطات بترولية ضخمة تحتاج إلى فتح أسواق أكبر لها يمكنها استيعابها، بالإضافة إلى أن الممر سيساهم في تعزيز علاقاتها التجارية مع مختلف دول العالم، لكونه سيخفف أزمة الإمدادات التي عانى منها العالم بعد جائحة كوفيد-19.

إلى جانب ذلك، سيؤدي إنشاء هذا الممر الاقتصادي إلى زيادة نشاط الشحن التجاري في بحر العرب في السنوات المقبلة، الأمر الذي ستكون له انعكاسات إيجابية على الدول الإفريقية وبعض دول منطقة الشرق الأوسط.

ثانياً- تعزيز التوازن في السياسة الخارجية السعودية: ترتكز السياسة الخارجية للمملكة السعودية على تحقيق التوازن في العلاقات بين القوى الدولية المتنافسة، بما يساهم في تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية والأمنية للمملكة. لذلك ترتبط المملكة بعلاقات اقتصادية متينة مع الصين، التي تعد أكبر شركائها التجاريين، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات أمنية عميقة مع الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم وأكبر شركائها الأمنيين.

لذا فإن مشاركة السعودية في مشروع الممر الاقتصادي الجديد تعزز هذه السياسة لا تتعارض معها. فلا تهدف المملكة من المشروع إلى منافسة مبادرة الحزام والطريق، ولا تطويق النفوذ الصيني، لكنها تلعب على وتر الاختلافات بين القوى الكبرى لتحقيق مصالحها الخاصة؛ ففي حين تطوِّر علاقتها الاقتصادية مع الصين، فإنها تسعى في الوقت ذاته للمشاركة مع خصوم الصين في مشروع اقتصادي ضخم، بما لا يجعلها –أي السعودية-ورقة للمناورة في أيدي أحد الطرفين، بل يؤسس حضورها كفاعل استراتيجي هام يسعى كل الأطراف لاجتذابه.

ولا يقتصر الأمر على التوازن بين القوى الدولية الكبرى فحسب، بل أيضاً بين القوى الإقليمية داخل آسيا؛ مثل الصين والهند؛ إذ ترتبط المملكة بعلاقات اقتصادية وتجارية قوية مع الطرفين، وبالنسبة للمملكة فإن المباراة ليست صفرية؛ إذ لا يعني التعاون مع الهند في هذا المشروع الضخم إقصاءً أو استبعاداً للعلاقات مع الصين بقدر ما هو سعي لتحقيق مصالح الدولة وسط التوازنات الدولية والإقليمية المختلفة.

ثالثاً- امتلاك أدوات ضغط سياسية جديدة: على الرغم من أن الممر الجديد يتضمن تعزيز التبادل التجاري ونقل البضائع، لكن يظل نقل الطاقة الركن المحوري لهذا المشروع. وفي ظل الحاجة الاستراتيجية لأوروبا للطاقة النظيفة في هذا التوقيت، خاصةً مع اشتداد وطأة التداعيات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية، وما صاحبه من تغير في الفكر الأوروبي في الاعتماد على الغاز الروسي، أو على مصدر واحد للطاقة، وفي ضوء الوفرة البترولية التي تمتلكها دول الخليج، تحديداً السعودية والإمارات. فإن هذا المشروع يعطي للمملكة السعودية أوراق ضغط سياسية يمكن توظيفها لاحقاً بطريقة إيجابية لتحجيم الانتقادات الأوروبية أحياناً بشأن ملفات مثل حقوق الإنسان وغيرها، وتصحيح الصورة الذهنية للمملكة السعودية لدى الأوروبيين عبر تعزيز الانفتاح الاقتصادي بين الخليج وأوروبا والذي يتيحه هذا المشروع الجديد.

رابعاً-تأمين النفوذ الاستراتيجي للمملكة إقليمياً وعالمياً: تسعى السعودية بصفتها أكبر مصدر للنفط في العالم، إلى إبراز نفسها كمركز لوجستي وتجاري رئيسي بين الشرق والغرب. ولا شك أن هذا المشروع الجديد يعد امتداداً لجهود المملكة ومساعي وخطط سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان في تثبيت نفوذ المملكة على المستوى الإقليمي والدولي، والتي كان آخرها انضمامها لمجموعة "بريكس بلس". ويحقق هذا المشروع للمملكة ميزة هامة في كونه يُؤمِّن نفوذها الاستراتيجي كفاعل سياسي واقتصادي داخل إقليم الشرق الأوسط، وعلى المستوى العالمي أيضاً لكونه يجعلها تتبوأ مكانتها اللائقة على الخريطة الاقتصادية الدولية، ويجعلها العنصر الرئيسي في حسابات جميع القوى المنخرطة في المنطقة، وفي تطور تفاعلاتها وتحالفاتها.

الفرص والتحديات

يحمل مشروع الممر الاقتصادي الجديد فرصاً واعدة لتنفيذه، كما يحمل بين طياته بعض التحديات. لعلَّ أبرز الفرص هو أنه يحظى بدعم والتزم أمريكي كبير لتنفيذه، كما إنه يعبِّر عن الحاجة الاستراتيجية للدول الأوروبية له لمعالجة أزمة الطاقة لديهم، وكذلك تدعم المملكة والإمارات الممر بشكل كبير بما يعطي هذا المشروع دفعة قوية لتنفيذه في أسرع وقت، أما من ناحية نيودلهي، فإن الهند تسعى للتحول إلى قوة تصنيعية كبرى، وتأمل في الحصول على حصة من الإنتاج العالمي من السلع.

إلى جانب ذلك، فإن السياق الدولي المواتي للإعلان عن المشروع يمثل قوة دفع كبيرة لتنفيذه، خاصةً في ظل اضطراب سلاسل التوريد العالمية، وعرقلة حركة التجارة الدولية وسيادة التوتر وعدم الاستقرار العالمي نتيجة للحروب والأوبئة والانقلابات العسكرية والحروب بالوكالة. وبالتالي فإن هذا المشروع قد يساعد في دعم مزيد من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والعالم لكونه قد يُوظَّف كأداة لتهدئة الصراعات بين الدول.

في مقابل ذلك، يواجه تنفيذ هذا المشروع بعض التحديات التي تتطلب مزيداً من العمل الجماعي بين الدول المشاركة للتغلب عليها، والتي يمكن رصدها بشكل مختصر في عدة نقاط:

أولاً- تحدي توفير التمويل اللازم لتنفيذ المشروع: فتنفيذ مشروع بهذا الحجم قد يواجه تحديات في الحصول على استثمارات كافية وإنشاء البنية التحتية بسرعة، خاصةً مع عدم العلم حتى الآن بالممولين الرئيسيين له. لكن برغم ذلك هناك مؤشرات أوِّلية تفاؤلية بخصوص هذا الأمر؛ إذ خصصت مجموعة الدول السبع في وقت سابق 600 مليار دولار لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية، فيما أعلنت المملكة العربية السعودية عن استثمار مالي بقيمة 20 مليار دولار. وهناك تسريبات تقول إن الاتحاد الأوروبي خصص ٣٠٠ مليار دولار للإنفاق على البنية التحتية في الخارج خلال الفترة من ٢٠٢١ إلى ٢٠٢٧م، من خلال "مشروع البوابة العالمية"، وهو مشروع تم إطلاقه جزئياً لمنافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، إضافة إلى الدفاع عن المصالح الأوروبية مع الشركاء الرئيسيين.

ثانياً- تحدي ضعف البنية التحتية في بعض دول المشروع: إذ يتضمن الممر تطوير البنية التحتية داخل دول المشروع وإنشاء خطوط جديدة. وفي هذا الصدد، تواجه بعض الدول المشاركة مثل الهند وغيرها، مشكلة في بنيتها التحتية، ويحتاج هذا المشروع منها ضرورة رفع مستوى قدراتها البحرية، وعلى الرغم من أن لديها حالياً مواني ذات مستوى عالمي، مثل مواني موندرا وJNPT على ساحلها الغربي، ولكن تظل هناك حاجة إلى المزيد من البنية التحتية للشحن في هذا القطاع. وينصرف الأمر أيضاً على خطوط السكك الحديدية في دول أخرى مثل الأردن؛ والتي يحتاج نظام السكك الحديدية القديم بأكمله فيها إلى تجديد شامل.

ثالثاً-غياب العلاقات بين بعض الدول المشاركة في المشروع:

فعلى الرغم من عدم الربط بين تطبيع العلاقات بين المملكةو إسرائيل والمشاركة في هذا المشروع، إلا إن غياب العلاقات بين البلدين قد يمثل تحدياً لاحقاً أمام تنفيذ المشروع.

إلى جانب ما سبق، هناك تحديان معياريان إلى حد كبير تنبغي الإشارة إليهما فيما يتعلق بهذا المشروع الضخم؛ التحدي الأول هو المبالغة في رفع سقف التوقعات من النتائج الإيجابية المنتظرة من تنفيذ هذا المشروع؛ فعلى سبيل المثال أشارت بعض التقديرات إلى أن هذا الممر سيساهم في نقل البضائع من الهند إلى أوروبا

بشكل أسرع بنسبة 40% من قناة السويس وخفض التكلفة بنسبة 30%، وهو ما يبدو مبالغاً فيه، وفقاً لمحللين، نظراً لتكاليف التحميل والتفريغ المتضمنة والوقت في كل ميناء على طول الطريق، بالإضافة إلى رسوم العبور المستقبلية.

أما التحدي المعياري الثاني في هذا الصدد هو استمرار عقد المقارنات بين المشروع الجديد وبين مبادرة الحزام والطريق الصينية، خاصةً من حيث المكاسب المتوقعة. وذلك ليس فقط لأن المبادرة الصينية أكثر اتساعاً من حيث النطاق الجغرافي وطبيعة الأهداف، بل أيضاً تجنباً لتأثير ذلك على العلاقات بين الصين ودول الخليج من ناحية، وكذلك انطلاقاً من أن هذا المشروع يُفضَّل أن يُنظر إليه من دول الخليج بأنه مشروع موازي لمبادرة الحزام والطريق بما يضمن الاستقرار العالمي من ناحية أخرى.

بالإضافة إلى كل ما سبق، لا شك أن نجاح المشروع نفسه، بعد تنفيذه، يعتمد بشكل أساسي على النمو الاقتصادي وحجم الطلب في الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والذي يعتمد بدوره على التعافي الاقتصادي العالمي، والذي يواجه معضلة حالياً بسبب الأزمات المتلاحقة التي تواجهه بداية من كوفيد-19، للحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها السلبية على العالم.

ختاماً، تحمل مبادرة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء رؤية طموحة لتعزيز التجارة الدولية وكذلك تعزيز مكانة المملكة السعودية إقليمياً ودولياً، وبينما يطرح هذا المشروع العديد من الفرص الواعدة للدول المشاركة فيها، فإنه يحمل تحديات مشروعة وطبيعية يمكن التغلب عليها إذا توافرت الإرادة المشتركة والتمويل اللازم لتنفيذ الممر الجديد. وعلى الرغم من أنه لازال يحتاج للعديد من السنوات لتنفيذه، إلا إنه – وفقاً لما هو متاح من معلومات عنه حتى الآن – ستكون له نتائج إيجابية كبيرة على الدول المشاركة، وسيعود بمكاسب استراتيجية هامة على المملكة السعودية.

مقالات لنفس الكاتب