array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 191

دول "الآسيان" أكثر أمنًا للاستثمارات الخليجية والتكتلات الاقتصادية تتفوق على الأحلاف

الأحد، 29 تشرين1/أكتوير 2023

يعتبر تكتل رابطة  آسيان  (ASEAN) من أكثر التكتلات الإقليمية نجاحًا لأنه تكتل اقتصادي هدفه الرئيس المصالح الاقتصادية حيث يمثل ثالث تكتل اقتصادي في آسيا والسابع على مستوى العالم ، تأسس في أغسطس ١٩٦٧م، من خمس دول لتحقيق المصالح المشتركة بينهم ، وهذه الدول الخمس: إندونيسيا وماليزيا وألفلبين وسنغافورة وتايلاند، وانضمت لهم بروناي في يناير ١٩٨٤م، وجمهورية فيتنام في يوليو ١٩٩٥م، ثم انضمت لاوس وماينمار يوليو ١٩٩٧م، ثم كمبوديا في أبريل ١٩٩٩م، وقد تجاوز عدد سكان الرابطة عام٢٠٢٢م، حوالي٦٦٢ مليون نسمة، وتمتد على مساحة ٤٬٥ مليون كيلومتر مربع والناتج المحلي الإجمالي في نفس العام بلغ ٣٬٦٦ ترليون دولار أمريكي يشكل ٣٬٥٪ من الناتج العالمي وسر نجاح هذه الرابطة  تركيزها على الهدف الاقتصادي والتعاون فيما بينهم رغم التنوع العرقي والديني داخل هذه المجموعة،  فكل من إندونيسيا وماليزيا مسلمة الديانة وأخرى بوذية وبعضها نصرانية وفيتنام دولة شيوعية،  ولذا فإن نجاحها  ارتبط بتنحية الجانب العقائدي فيها بمعنى تجاوز الأيدلوجية  جانبًا وكذلك عدم التدخل في السياسة الداخلية أو أنظمتها السياسية، وكل ما في الأمر الاهتمام بالتعاون الاقتصادي والتنمية الاقتصادية والنظام الاقتصادي الحر من حيث التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات الخارجية، ولم يؤثر اختلاف الدخل ألفردي بين الدول على علاقتهم فدخل ألفرد في سنغافورة وصل عام ٢٠٢٢م، إلى ٨٣ ألف دولار سنويًا بينما لم يتجاوز في ماينمار ١١٠٠ دولار كما تختلف الدول العشر في عدد سكانها  فأعلاها إندونيسيا ٢٧٣ مليون نسمة  وفيتنام ٩٧ مليون نسمة وسنغافورة ٦ ملايين تقريبًا بينما يصل عدد سكان  بروناي ٤٥٣ ألف نسمة ٢٠٢٣م، ولأن الرابطة تكتل اقتصادي ثم تبعتها أهداف أمنية لتحقيق الاستقرار في منطقة جنوب شرق آسيا نجحت لحد ما لأنها استلهمت تجربة المجموعة الأوروبية ومع تأسيسها عام ١٩٦٧م، في ظل الحرب الباردة و جدت دعمًا من الولايات المتحدة وتدفقت الاستثمارات الغربية عليها للوقوف في وجه المد الشيوعي آنذاك وفق نظرية الدومنيو التي  كانت تخشاها الولايات المتحدة عندما كانت حرب فيتنام مشتعلة ومن المفارقات اليوم وبسبب المصالح الاقتصادية نجد فيتنام قد أصبحت عضوًا في  الرابطة .

                            الترتيبات الداخلية والتجارة الحرة

أدت الترتيبات التي أخذتها اتفاقية آسيان إلى استمرار استقرارها ونجاحها فاعتمدت في ميثاق التأسيس حل المنازعات بالطرق السلمية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء واحترام استقلال الدول وسيادتها والأمن الإقليمي وعدم دعوة الدول الخارجية للتدخل في خلافات الدول الأعضاء وحلها في إطار الدول الأعضاء. وتعتبر الأمانة العامة ( السكريتارية) لرابطة آسيان التي مركزها جاكرتا الجسد المركزي للرابطة ويختار الأمين العام بشكل دوري حسب الترتيب الأبجدي للدول ولمدة ثلاثة سنوات ثم هناك اللجنة الدائمة وتتكون من وزير خارجية الدولة المضيفة وسفراء الدول الأعضاء وتعقد اجتماعاتها بشكل دوري كل شهرين، وتتعدد اللجان داخل الرابطة لمعالجة القضايا الحيوية مثل لجنة العلوم والتكنولوجيا ولجنة التنمية، كما تعقد المؤتمرات الوزارية بشكل دوري كل عام، وقد عقدت القمة الأولى للرابطة  في بالي (إندونيسيا ) عام ١٩٧٦م، أي بعد تسعة أعوام  من تأسيسها وتتابعت بعدها اجتماعات القمة حتى عقدت القمة الثانية والأربعين في مايو ٢٠٢٣م، في إندونيسيا، وفي القمة الأولى عام ١٩٧٦م، تم التركيز على المشروعات الاقتصادية بشكل فعلي بمعاهدة التجارة التفضيلية بين الدول  الأعضاء والاتفاق على المشروعات الصناعية للدول والمنطقة الصناعية  المغلقة بينهم، فحسب الاتفاقية أصبحت التجارة الحرة مكفولة بين الأعضاء وهذا عامل مهم في تطوير العلاقات الاقتصادية بل النمو الاقتصادي للدول ، وفي اجتماع وزراء اقتصاد الرابطة عام ١٩٧٧م، تم الاتفاق على المشروعات الاقتصادية المختارة للدول، وقد لعب التعاون الصناعي  للرابطة في تحقيق عملية التكامل الاقتصادي بسبب توزيع المشروعات الصناعية بينها لتجنب المنافسة بين الدول الأعضاء للرابطة،  وتشكلت لجنة خاصة ١٩٧٧م، للتنسيق في المجالات الصناعية والتعدين والطاقة.

والجدير بالذكر أن الفكرة الرئيسة في التعاون أنه يمكن  لرجال الأعمال والحكومات العمل في مجال التصنيع المشترك في كل دولة عضو على نحو تكاملي سواء في الإنتاج أو التصنيع بشرط أن يتمتع المنتج بالحماية  الجمركية في الدول الأعضاء للرابطة ، ومع عام ١٩٨٠م، أخذ القطاع الخاص يبادر في مجال التصنيع المشترك كما حدث في مجال صناعة السيارات ، ويؤكد نجاح رابطة آسيان إلى التنظيم والتنسيق في توزيع المشاريع والتجارة الحرة بين الدول الأعضاء والاستقرار السياسي وشبكة العلاقات الاقتصادية وخاصة التجارية مع دول الجوار الإقليمي لها والمجموعات الاقتصادية الدولية وفتح المجال لدول الرابطة لبناء علاقات ثنائية مع دول خارج المجموعة سواء بشكل منفرد أو جماعي في مجال الاستثمارات وتدفقها.

 

 

رابطة آسيان وشبكة العلاقات الخارجية الدولية والإقليمية

 

تتميز رابطة آسيان بعلاقات متميزة بدول جوارها الجغرافي الصين وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا ونيوزيلندا، وهذا الانفتاح على الجوار حقق مصالح مشتركة تجعل دول الرابطة تتبنى سياسة الحياد في المواجهة بين الصين والولايات المتحدة خاصة،  أن هناك أقليات صينية في دول آسيان وهذه الأقليات ذات وزن اقتصادي في دولها كما في ماليزيا وإندونيسيا ، فدول آسيان تتبنى سياسة برجماتية في علاقاتها وتعتمد نظرية الاعتماد المتبادل من خلال التبادل التجاري والاستثمارات مما يجنب الدول المجابهة العسكرية وهذا ما نلاحظه في العلاقات الصينية ـ الأمريكية فالعلاقات التجارية بينهما تدفعهما للحلول السياسية وعدم التصعيد بينهما، وفي عام ١٩٩٤م، شكلت  الرابطة منتدى آسيان الإقليمي(ARF )والذي يضم الآن ٢٧ دولة من أجل التعاون الاقتصادي والتجارة البينية والمحافظة على جنوب شرق آسيا .

كما دشنت رابطة آسيان مع الدول الخمس السابقة تكتلا تجاريًا هو الأكبر من نوعه، إذ يغطي نحو ثلث الاقتصاد العالمي ويعزز مكانة الصين التجارية، بينما تغيب عن هذا التكتل الولايات المتحدة ويحمل هذا التكتل الجديد الذي تأسس عام ٢٠٢٠م، اسم الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP)، ولا يضم التكتل الولايات المتحدة أو الهند وكانت المباحثات مع آسيان قد بدأت منذ عام ٢٠١٢ لتوقيع هذه الشراكة، وكانت الصين قد أبرمت عددًا من الاتفاقات الثنائية ولكنها المرة الأولى التي توقع اتفاق تجاري إقليمي متعدد الأطراف.  وعلق رئيس وزراء الصين لي كي تشيانغ بقوله " إن إبرام اتفاق الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة بعد ثماني سنوات من التفاوض، في ظل الظروف العالمية الراهنة، يجلب شعاعًا من النور والأمل وسط غيوم من السحب الداكنة، وأنه انتصار للتعددية والتجارة الحرة". وتركت دول الشراكة الباب مفتوحًا للهند لانضمامها، علمًا بأنها كانت مشاركة في المفاوضات خلال السنوات الماضية، وبذلك تكون الشراكة قد ربطت اقتصاديًا بين دول شمال شرق آسيا مع دول جنوب شرق آسيا مما يعرز التعاون السياسي والأمني من خلال التعاون الاقتصادي لأن المصالح التجارية والاستثمارية تحتاج إلى الاستقرار السياسي.

ومما يدلل على برجماتية آسيان لتحقيق مصالحها الاقتصادية، فإنها ليست ذات حساسية من الاتفاقات الأمنية لبعض الدول المشاركة في الشراكة الاقتصادية فمثلاً تجاورت اتفاقية أكواس، حيث شكلت

الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا شبه تحالف عسكري (أكواس AUKUS) لمواجهة الصين وهذا التعاون الأمني بين الدول الثلاثة لمساعدة استراليا ببناء غواصات تعمل بالطاقة النووية وذلك لتعزيز قدرة أستراليا، وحسب بيان زعماء الدول الثلاث في ١٦ سبتمبر ٢٠٢١م، " فإن هدف هذه القدرة تعزيز الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ودعم قيمنا ومصالحنا المشتركة".

والملاحظ أن اليابان وأستراليا والولايات المتحدة والهند شكلت تحالف "كواد"  لمواجهة الصين بطريقة غير مباشرة وعقدت قمتها الأولى في البيت الأبيض سبتمبر ٢٠٢١م، وأعلنت في بيانها أنها تعمل على " تعزيز النظام الحر والمفتوح والقائم على القواعد المتجذرة في القانون الدولي والذي لا يثبطه الإكراه لتعزيز الأمن والازدهار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ وخارجها؛ وأضاف البيان " نحن ندافع عن سيادة  القانون وحرية الملاحة والتحليق والحل السلمي للنزاعات والقيم الديمقراطية وسلامة أراضي الدول "، ولكن آسيان بقيت محايدة في كل هذه التحالفات والتكتلات  وتستفيد تجاريًا واستثماريًا من سياستها البرجماتية.

وتحاول الولايات المتحدة في محاولة جديدة، إعادة  تجربة  آسيان في الحرب الباردة بتشكيل تجمع في آسيا الوسطى، فقد اجتمع الرئيس الأمريكي بايدن في التاسع عشر من سبتمبر ٢٠٢٣م، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة برؤساء مجموعة الدول الآسيوية الخمس حسب ما صدر عن البيت الأبيض  وهي الجمهوريات الإسلامية التي كانت ضمن الاتحاد السوفيتي السابق: كازخستان،  قيرغيزستان، تركمانستان، طاجيكستان، وأوزباكستان واقترح  بايدن في الاجتماع تأسيس مجموعة اقتصادية وأمنية بالاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم   ( C5+1)لآن هذه الدول غنية بالمعادن فكازخستان من أكبر مصدري اليورانيوم حول العالم وتركمانستان دولة نفطية، ولكن هذه الدول تعتبر البوابة الخلفية لروسيا الاتحادية وضمن حزام الصين  ولا يمكن لروسيا والصين أن تسمحا للنفوذ الأمريكي ولكن يمكن لواشنطن أن تلتف عليها من خلال علاقتها مع دول مجاورة . وكان جون كيري قد زار هذه الدول عام ٢٠١٥م، عندما كان وزيرًا للخارجية في عهد الرئيس أوباما والهدف احتواء الصين وتهديد روسيا في محيطها الجيوبولتيكي ،  ولكن هذه  الدول ضمن كومنولث الدول المستقلة ومبدأ مونرو الروسي وفيها أقليات روسية تجعل أهداف واشنطن بعيدة المنال على الأقل في المدى المنظور لأن الدعوة لتشكيل هذه المجموعة تشبه ظروف تشكيل مجموعة آسيان خلال الحرب الباردة خاصة أن العالم الآن  يشهد حربًا باردة جديدة بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا الاتحادية من جهة ثانية.

وترتبط رابطة آسيان أيضًا مع منظمة التعاون الاقتصادية ( ECO) التي تضم عشر دول إسلامية في وسط آسيا كما أن إندونيسيا العضو في مجموعة العشرين الاقتصادية تعتبر حلقة الوصل بين آسيان والعشرين وهذا يعكس شبكة علاقات آسيان التي أسهمت في نجاحها . وأثناء القمة التي عقدها الرئيس أوباما عام ٢٠١٦م، مع دول آسيان في ولاية كاليفورنيا أكد على ضرورة الشراكة الأمريكية وآسيان

 

الأهمية الاستراتيجية لرابطة آسيان وتحولات النظام العالمي

تحتل آسيان موقعًا استراتيجيًا هامًا بين دول الخليج العربي والمحيط الهندي ودول جنوب شرق الصين وبحر الصين، حيث ممر ملقا الذي يقع بين إندونيسيا وماليزيا الذي تعبر منه ثلث التجارة  العالمية  و٨٠٪ من البترول المستورد لليابان والصين ويعتبر الممر ثاني ممر أهمية لتجارة النفط العالمية بعد ممر مضيق هرمز ، وأهمية  خاصة للصين حيث منفذ لتجارتها ويعتبر شريان القوة الاقتصادية الصينية ولأهميته للصين وصفه الرئيس الصيني "معضلة ملقا" ، وأخذت الصين تروج إلى مبادرة الأمن العالمي التي تستهدف إقامة شراكة أمنية مع الدول المحيطة بالممر وهي دول آسيان.

ومنذ نهاية حرب فيتنام لم تشهد منطقة جنوب شرق آسيا حروبًا إقليمية، وتعتبر منطقة سلام ولتأكيد ذلك بتوقيع الدول العشر للرابطة عام ١٩٩٥م، اتفاقية تحظر السعي للحصول على الأسلحة النووية او امتلاكها لتحقيق الأمن الإقليمي الخالي من أسلحة الدمار الشامل، كما تعتبر رابطة آسيان مهمة استراتيجيًا لتوازن القوى الإقليمي وشرق آسيا في ظل التنافس الدولي بين الصين وروسيا من جهة والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى ، خاصة آن الصين تعتبر الدعم الأمريكي لأوكرانيا حربًا بالوكالة ضد روسيا ومحاولة إضعافها باستمرار الحرب وحرب غير مباشرة ضد الصين في ظل التوتر الصيني الأمريكي ، ومن هنا تكمن أهمية آسيان ، وتنتهج الصين سياسة القوة الناعمة في التعامل الدبلوماسي مع آسيان من خلال الاستثمارات وخاصة البنية التحتية كاستثمار الصين بحوالي ٧٬٣ مليار دولار في خط سكة الحديد السريع في إندونيسيا والذي بدأ العمل به عام ٢٠١٥م، مما جعل معظم دول آسيان تعتقد بقوة تأثير الصين في جنوب شرق آسيا على مستوى التبادل التجاري والاستثمارات الاقتصادية وشبكات الدفاع في المنطقة والتأثير الدبلوماسي والاقتصادي .  ولقد بلغ التبادل التجاري للصين (صادرات وواردات) مع آسيان عام2022م، ٩٧٠ مليار دولار بينما بلغت تجارة الولايات المتحدة مع الرابطة في نفس العام ٥٠٥٬٨ مليار دولار، وكما بلغ حجم التبادل مع الاتحاد الأوروبي ٢٩٥٬٢ مليار دولار واليابان ٢٤٠٬٢ مليار دولار والاستثمارات اليابانية تدفقت على آسيان عام ٢٠٢١م، بلغت ١٢ مليار دولار.

إن الاستراتيجية التي تتبعها الصين أو الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي هي دبلوماسية النفوذ الاقتصادي وبالتالي تؤدي للتأثير السياسي ولكن آسيان تبنت استراتيجية الانفتاح على كل دول الجوار والدول الكبرى بعيدًا عن التكتلات العسكرية أو الانحياز لأطراف دولية دون أخرى لتحقيق مصالحها وتأمين الاستقرار الإقليمي وفي شرق آسيا وهي استراتيجية ناجحة بكل المقاييس وحتى رغم ميل بعض دول الرابطة لدول كبرى دون غيرها ولكن تبقى ضمن التفاهم داخل دول آسيان.  وباستعراض تاريخ تأسيس آسيان منذ ١٩٦٧م، حتى الآن فهي رابطة مؤسسات وتتميز بالاعتدال في سياستها وتتبنى الرابطة سياسة الأمن الجماعي لها وحل الخلافات السياسية والنزاعات بينها بالطرق السلمية وتهتم بآمن مياهها الإقليمية والتعاون في المجال البحري خاصة لآن فيها دول بحرية ذات مئات الجزر مثل إندونيسيا وتهتم بآمن المرور البحري لممر مضيق ملقا وبتقوية الروابط بينها وزيادة التعاون وبالتالي نجحت الرابطة كتكتل إقليمي اقتصادي رائد في التعاون الاقتصادي بعيدًا عن التدخل في الشؤون الداخلية سواء داخل دول المجموعة آو خارجها وسياسة متوازنة في ظل التحول في النظام الدولي الذي يتجه لتعددية الأقطاب الدولية ولها علاقات متميزة مع الجميع .

 

الأهمية الاستراتيجية لعلاقة آسيان ودول الخليج العربي

إن تكتل رابطة آسيان كما هو مجلس التعاون الخليجي يحتل كل منهما موقعًا استراتيجيًا هامًا وتعتبر منطقة مرور للتجارة والطاقة بين شرق آسيا والدول الغربية مرورًا بالشرق الأوسط فممر ملقا يتشابه في أهميته الاستراتيجية مع مضيق هرمز وتزداد أهمية الخليج  العربي مع توقيع الاتفاق في قمة العشرين التي عقدت مؤخرًا في الهند على مد خط سكة حديد من الهند للخليج حتى البحر المتوسط ويعتبر موازي و منافس لطريق مشروع الطرق والحزام الذي  تتبناه الصين، وتتعمق العلاقات بين كل من آسيان ومجلس التعاون في القمة التي تعقد في أكتوبر ٢٠٢٣م، وهي القمة الأولى التي تعقد بينهما، علمًا بأن العلاقة بدأت منذ ثلاثة عقود  من الزمن ، فقد كانت البداية بالاجتماع بين التكتلين على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة  في نيويورك عام ١٩٩٠م، ثم ارتفع مستوى اللقاء  على مستوى الوزراء في المنامة عاصمة البحرين عام ٢٠٠٩م، وكانت المباحثات تدور حول التجارة الحرة بينهما والتعاون الاقتصادي وفي المجال الثقافي والتعليم وغيرها من مجالات، وأن تنضم الدول الخليجية  لاتفاقية الصداقة والتعاون  (TAC)لآسيان ، وكانت إيران أول دولة تنضم لاتفاقية الصداقة والتعاون مع آسيان ٢٠١٨ م، وتكون السعودية خامس دولة للانضمام للاتفاقية وكانت البحرين قد انضمت عام ٢٠١٩م، وتبعتها كل من الإمارات العربية وقطر  وسلطنة  عمان عام ٢٠٢٢م، وتعزز القمة التعاون بين التكتلين في مجالات الاستثمار والطاقة والتجارة الحرة ، وحسب تقرير وحدة الاستخبارات للايكونومست  شكلت واردات  دول مجلس التعاون من رابطة آسيان خلال ٢٠١٦-٢٠٢٠م، حوالي ٦٪ من إجمالي واردات مجلس التعاون الخليجي وتمثل الإلكترونيات ٢٨٪ من  الواردات  تليها الآلات ١٢٪ من واردات المجلس وبلغت استثمارات دول المجلس في آسيان ٢٠١٦-٢٠٢١ حوالي ١٣٬٤  مليار دولار أمريكي وتملك  الإمارات النصيب الأكبر من هذه الاستثمارات، وتأتي ماليزيا على قمة الدول  المستفيدة من استثمارات دول المجلس الخليجي ، فأعلنت شركة آرامكو السعودية استثمارات قيمتها سبعة مليارات دولار مع شركة بتروناس للبتروكيماويات في ماليزيا ٢٠١٧م، وفي ٢٠١٣م، وقعت الإمارات اتفاقًا  يقدر ٦٬٥٧ مليار دولار لتأسيس منشأة لتخزين البترول في ولاية جوهر الماليزية  كما استثمرت قطر حوالي خمسة مليارات دولار في مجمع بينجيرانج  المتكامل للبترول في ولاية جوهر أيضًا، كما أن الكويت من خلال شركة البترول الكويتية استثمرت في مشروع مصفاة النفط المشتركة في فيتنام وشراكة مع شركة بيرتامينا الإندونيسية لتطوير مجمع مصافي للنفط في شرق جزيرة جاوة الإندونيسية .

والملاحظ تزايد الاستثمارات الخليجية في آسيان وخاصة في مجال الطاقة واستيراد الإلكترونيات والآلات من دول آسيان، ويمكن تفسير هذا التوجه أن دول آسيان. أكثر أمنا للاستثمارات الخليجية منها في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لآنها في الدول الغربية  تخضع للاعتبارات السياسية فقد تعرضت استثمارات بعض الدول للتجميد في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كما حدث لإيران وليبيا وحتى روسيا بسبب الخلافات السياسية ، ولكن دول آسيان أكثر استقرارًا  وأمنًا وحيادية في سياستها الخارجية فهي منفتحة على الدول الكبرى والتكتلات الاقتصادية لتحقيق مصالحها وهي تجربة تستفيد منها دول المجلس في بناء علاقات متوازنة  مع جميع الدول الكبرى والتكتلات الاقتصادية من تحقيق مصالحها في التنوع في الاستثمارات والتجارة الخارجية ، وبالفعل فالملاحظ أن دول المجلس وعلى رأسها السعودية أخذت في تعدد علاقاتها الخارجية  بالانفتاح على جميع الدول الكبرى بسياسة الحياد الإيجابي والتوازن في علاقاتها لتحقيق مصالحها الوطنية، فكما هو حال آسيان  فعلاقات دول المجلس إيجابية مع روسيا الاتحادية والصين والهند وفي نفس الوقت علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي  وكما تحاول واشنطن بناء تعاون مع دول آسيا الوسطى ، فإن دول مجلس التعاون الخليجي لها علاقات متميزة مع دول آسيا الوسطى الإسلامية، وفي يونيو الماضي عقدت في الرياض القمة الأولى بين دول المجلس والدول الآسيوية (C5) كما أن عضوية السعودية في مجموعة العشرين كما إندونيسيا تشكل رابطًا للتعاون أيضًا كما أن انضمام السعودية إلى مجموعة بريكس  (  BRICS) يعزز أهمية دول المجلس ككتلة اقتصادية لها دورها العالمي وبالتعاون مع آسيان مستقبلًا يشكل ذلك محورًا استراتيجيًا هامًا خاصة أن شرق آسيا والمحيط الهادئ وكذلك الهندي قد أصبحت كلها مجال التنافس الاقتصادي والتكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية.

إن تحولات النظام الدولي لتعددية قطبية دولية وتراجع الأحلاف العسكرية، أصبحت التكتلات الاقتصادية الوسيلة الفعالة لتحقيق مصالح الدول، وإن دول مجلس التعاون الخليجي بعمقها الاستراتيجي العربي ومحاولة حل الخلافات الإقليمية من أجل الاستقرار الإقليمي بتصفير المشكلات الإقليمية كما في المصالحة السعودية ـ الإيرانية وحل أزمة اليمن  سينعكس على التنمية الاقتصادية في دول المجلس وتحقيق دولة الرفاهية لشعوبها ويعزز علاقاتها مع آسيان سواء في التبادل التجاري أو الاستثمارات فكلاهما مجموعة مفتحة على جميع القوى الدولية الكبرى وهذه ميزة استراتيجية لتحقيق مكانة دولية ذات حياد إيجابي لمصالحها الاقتصادية واستقرارها السياسي وفعاليتها في الدبلوماسية  الدولية  تلعب دور الوساطة الدولية في كثير من النزاعات الدولية.

مقالات لنفس الكاتب