array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 189

التحول الأخضر في أمريكا اللاتينية يخلق فرصًا للشركات الخليجية في الطاقة النظيفة

الثلاثاء، 29 آب/أغسطس 2023

عندما تولى غوستافو بترو، رئيس كولومبيا، منصبه في أغسطس 2022م، تضمن خطابه توليه مهام منصبه إشارة واضحة ومحددة إلى "السعي إلى تحالف مع العالم العربي". ليس سرًا أن كولومبيا، وبقية أمريكا اللاتينية، تسعى إلى تعزيز شراكاتها مع الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، رغبةً في تحسين أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية، وهذا يتلاقى مع الرغبة الخليجية في تنويع تحالفاتها الخارجية  وتوسيع شراكاتها الاقتصادية.

منافع ومكاسب مشتركة

يمكن أن يكون لتعزيز الشراكات بين دول مجلس التعاون الخليجي ومنطقة أمريكا اللاتينية مردودًا إيجابيًا للغاية للجانبين، وذلك كما يتضح فيما يلي:

1- دعم جهود التنويع الاقتصادي

تسعى دول أمريكا اللاتينية بنشاط إلى تنويع علاقاتها التجارية. خلال السنوات الأخيرة، تفوقت الصين على الولايات المتحدة باعتبارها أكبر شريك تجاري لعدد من دول المنطقة، بما في ذلك البرازيل والأرجنتين. وهناك رغبة لاتينية قوية في تنويع اقتصاداتها الوطنية بحيث لا تعتمد بشكل رئيسي على قطاع الزراعة.

أما مجلس التعاون الخليجي فيصنف كواحد من التكتلات الاقتصادية الرئيسية في العالم في تبادل السلع والخدمات، ولديه قدرة هائلة على الاستثمار، مع ناتج محلي إجمالي يبلغ حوالي 1.6 تريليون دولار أمريكي. يأتي التركيز على توسيع العلاقات بين أمريكا اللاتينية ودول مجلس التعاون الخليجي في وقت حاسم بالنسبة للعديد من خطط وأجندات التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تهدف إلى تحديث وتنويع أنظمتها الاقتصادية والإنتاجية، إلى جانب السعي إلى كسب نفوذ اقتصادي وسياسي أكبر خارج منطقته.

يدعم هذا التوجه، السوابق التاريخية والاجتماعية للتعاون بين الجانبين، مثل إنشاء منظمة أوبك في عام 1960م، من قبل العراق، والسعودية، والكويت، وإيران، وفنزويلا، وقمة الدول العربية وأمريكا الجنوبية (ASPA) التي عُقدت لأول مرة عام 2005م، في برازيليا بغرض زيادة التعاون والتنسيق السياسي، مما شجع العديد من مبادرات التعاون على أساس غير إقليمي وعابر للحدود الوطنية، وتقدم أيضًا الجالية العربية الكبيرة في أمريكا اللاتينية (يتراوح عددهم بين 16 و 30 مليون مواطن)، أساسًا متينًا للارتقاء بالعلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي وأمريكا اللاتينية والكاريبي، خاصة مع استضافة دول الخليج فاعليات دولية مهمة، كمعرض إكسبو دبي 2020م، وكأس العالم لكرة القدم في قطر لعام 2022م.

2-تعزيز التكامل الاقتصادي

تحتل قضية الأمن الغذائي مكانة مركزية في أجندة متخذي القرار في دول مجلس التعاون الخليجي. يمكن أن يُسهم قطاع الأغذية الزراعية اللاتينية في دعم جهود دول الخليج في هذا الصدد؛ حيث تُعد المنطقة أكبر مصدر صافٍ للغذاء في العالم وتنتج ما يكفي لإطعام نحو 1.3 مليار شخص، أي ضعف عدد سكانها. بالفعل، حدد الخليج العربي أمريكا اللاتينية كقوة زارعية عالمية، حيث تُعد البرازيل أكبر مصدر للحوم الحلال في العالم. لدى شركة OneFoods البرازيلية (ومقرها دولة الإمارات) حصة سوقية تبلغ 45% من منتجات الدجاج في السعودية والإمارات والكويت وعمان. وتمتلك شركة المراعي السعودية للأغذية والمشروبات (أكبر شركة ألبان في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث القيمة السوقية) 30 ألف فدان من الأراضي الزراعية بالأرجنتين.

من جانبها، تولي بلدان أمريكا اللاتينية أهمية خاصة لزيادة صادراتها وتدفق الاستثمار الأجنبي إليها، لحل العديد من المشكلات التي تفاقمت بفعل الوباء والحرب الأوكرانية، كالتضخم وعدم المساواة. وفقًا لتقرير الاستثمار العالمي للأونكتاد لعام 2022م، نما الاستثمار الأجنبي المباشر في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي بنسبة 56% ليصل إلى 134 مليار دولار في عام 2021م. مع ذلك، تحتاج بلدان المنطقة إلى زيادة وتحسين الاستثمار العام واجتذاب المزيد من التمويل الخاص خاصة في قطاع البنية التحتية، حيث قدّر بنك التنمية للبلدان الأمريكية، فجوة الاستثمار في البنية التحتية في المنطقة بنحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، أو حوالي 150 مليار دولار سنويًا.

وبالنسبة للمستثمرين في دول مجلس التعاون الخليجي الذين يسعون إلى التنويع والنمو، تقدم أمريكا اللاتينية والكاريبي، بمواردها الغنية وسياساتها الصديقة للاستثمار، كوجهة جذابة، خاصة في القطاعات الاقتصادية سريعة النمو، كالبنية التحتية، حيث تستثمر موانئ دبي العالمية، بكثافة في العديد من موانئ دول أمريكا اللاتينية. بالإضافة إلى السياحة والخدمات المالية، بما في ذلك التكنولوجيا المالية، التي تتطور بشكل ملحوظ في القارة اللاتينية.  

3-تشجيع جهود التحول إلى الاقتصادات الخضراء

تحظى قضية التغير المناخي والتحول إلى الطاقة النظيفة بأهمية خاصة لدى دول مجلس التعاون الخليجي، وقد طرح بعضها عدة مبادرات في هذا المجال، بما فيها مبادرة السعودية الخضراء والشرق الأوسط الأخضر. وتستضيف دولة الإمارات مؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP28) في نوفمبر المقبل. كما تستعد البرازيل لاستضافة النسخة الثلاثين من المؤتمر في 2025م، الأمر الذي يوفر فرص متنوعة للتعاون وتبادل المعارف والخبرات. أعلنت تشيلي وكولومبيا وكوستاريكا بالفعل عن ثلاث من أفضل ست استراتيجيات مناخية في العالم، وفقًا لـ Climate Action Tracker، ومعظم بلدان أمريكا اللاتينية التزمت بإزالة الكربون بحلول عام 2030م.

يُعزز هذا التعاون المرتقب، ما يتوافر لبلدان أمريكا اللاتينية من إمكانات هائلة في مجال الطاقة الخضراء؛ خاصة أن لديها أنظف مصفوفة للطاقة من جميع الاقتصادات الناشئة. ما يقرب من 30 %من طاقتها تأتي من مصادر الطاقة المتجددة، أي ضعف المتوسط العالمي. في أمريكا الوسطى، يبلغ هذا الرقم 80 %، مما يمنح المنطقة ميزة تنافسية في إنتاج الوقود النظيف، مثل الهيدروجين الأخضر، للاستخدام المحلي والعالمي. وأخيرًا، تتمتع أمريكا اللاتينية بإمكانات ضخمة لمساعدة العالم على مواجهة تغير المناخ من خلال الاستفادة مما يتوافر لديها من احتياطيات كبيرة من النيكل والجرافيت وهي موطن لثلثي الليثيوم في العالم و38 %من النحاس، وهو أمر ضروري لإنتاج السيارات الكهربائية والتحول الأخضر.

وفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) في ديسمبر 2021م، تحتاج أمريكا اللاتينية لاستثمارات بقيمة 118 مليار دولار أمريكي سنويًا لتوليد الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة بما يتماشى مع أهداف اتفاقية باريس للمناخ. يمكن أن يخلق التحول الأخضر في أمريكا اللاتينية فرصًا للشركات الخليجية الراغبة في التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة. وهذا يفسر تركيز المسؤولين الخليجيين واللاتينيين على تطوير علاقات التعاون في مجال الطاقة المتجددة، العلوم والتكنولوجيا، التنمية المستدامة، والعمل المناخي.

4- الدعم المتبادل في التجمعات الاقتصادية الإقليمية والدولية

يمكن أن يُسهم التعاون الوثيق بين مجلس التعاون الخليجي وأمريكا اللاتينية في دعم جهود كل طرف للانضمام للتكتلات الاقتصادية للطرف الآخر. في هذا الإطار، وافق مجلس الوزراء السعودي في 22 مارس 2022م، على الانضمام إلى تحالف المحيط الهادئ كعضو مراقب. وسبق أن انضمت دولة الإمارات إلى التحالف كعضو مراقب في يوليو 2018م. وتهدف هذه العضوية إلى بناء شراكات تجارية واقتصادية وتعليمية، وتحقيق تكامل أعمق بين الأعضاء في الخدمات والموارد والاستثمارات.

يُذكر أنَّ تحالف المحيط الهادئ هو تكتل تجاري في منطقة أمريكا اللاتينية، تأسس في 28 أبريل 2011م، من قبل تشيلي وكولومبيا والمكسيك وبيرو بهدف تعزيز التكامل الإقليمي والتجارة الحرة بين الدول الأعضاء، والتي يبلغ إجمالي عدد سكانها 230 مليون نسمة، ويشكل اقتصادها ما يقرب من 35% من الناتج المحلي الإجمالي للقارة اللاتينية. في الوقت نفسه، تتطلع السعودية إلى الانضمام إلى تجمع البريكس BRICS، والذي يضم في عضويته البرازيل من أمريكا اللاتينية، إلى جانب روسيا، الصين، الهند، وجنوب إفريقيا. ويمكن أن تُساعد علاقة الرياض القوية مع البرازيل في تسهيل انضمامها للتكتل. هذا إلى جانب إعلان دولة الإمارات في يناير 2023م، رغبتها في الانضمام إلى الاتفاقية الرقمية DEPA التي تُشارك فيها تشيلي ونيوزيلندا وسنغافورة.

جهود دؤوبة

توضح اتفاقات التعاون الاقتصادي والإيماءات السياسية بين البلدان في منطقتي الخليج العربي وأمريكا اللاتينية، تنامي أهمية كل منهما في خريطة العلاقات الدولية للطرف الآخر، واهتمام كلتا المنطقتين باستكشاف علاقات أعمق لتنويع شركائهما الاقتصاديين والتحوط من المخاطر وسط حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي. ومن أبرز الإجراءات التي اتخذها الجانبان خلال الفترة الأخيرة لتقوية الشراكات الاقتصادية والتجارية فيما بينهما، كل مما يلي:

1- تطوير الأطر التشريعية والقانونية

تعمل دول الخليج العربي وأمريكا اللاتينية على تطوير الأطر التشريعية والقانونية التي من شأنها أن تضع الأسس القوية لتعزيز علاقات التعاون الاقتصادي. خلال الفترة الأخيرة، تم توقيع العديد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم بين الجانبين. على سبيل المثال، وقعت تشيلي في 24 فبراير 2021م، مذكرة تفاهم تاريخية بشأن التجارة مع مجلس التعاون لدول الخليج العربية للبدء رسميًا في تطوير دراسات الجدوى لاتفاقية التجارة الحرة المستقبلية.

سبق أن وقعت في يناير 2007م، مذكرة تفاهم بين دول مجلس التعاون الخليجي ودول تجمع الميركوسور (البرازيل، الأرجنتين، أوروجواي، وباراجواي). وهي خطوة مهمة ربما تمهد للوصول إلى اتفاقية تجارة حرة بين الجانبين، بالإضافة إلى التوقيع على الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي والفني والاستثماري بين الجانبين.

وفي 2 يونيو 2023م، وقعت دولة الإمارات اتفاقية خدمات جوية مع بيرو، لتكون بذلك أول دولة في الشرق الأوسط توقع اتفاقية من هذا النوع مع الدولة الواقعة في أمريكا اللاتينية، والتي ستسمح بإنشاء طرق جوية جديدة للركاب لأغراض السياحة ورحلات العمل بين بيرو والدول العربية ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ. ويستكمل هذا الصك الهام بالتوقيع على اتفاق إلغاء التأشيرات السياحية بين البلدين ودخوله حيز النفاذ مؤخرًا. بالإضافة إلى توقيع مذكرة تفاهم بين دولة الإمارات وبنما في 16 مارس 2023م، بهدف تطوير آليات التعاون المشترك لتعزيز مناخ الأعمال وتشجيع الاستثمارات. وفي 22 فبراير 2022م، وقعت الغرفة الوطنية للتجارة والخدمات في أوروجواي وغرفة تجارة دبي، مذكرة تفاهم بهدف "تشجيع وتعزيز وتسهيل التعاون الفعال في مجالات التجارة والصناعة والخدمات".

وتسعى دولة الإمارات إلى توقيع اتفاقات للتجارة الحرة مع بعض بلدان أمريكا اللاتينية. في 19 يناير 2023م، اختتمت الجولة الأولى من المفاوضات حول اتفاقية تجارية بين تشيلي والإمارات. بالمثل، تستعد كوستاريكا والإمارات للبدء في النصف الثاني من عام 2023م، في التفاوض على اتفاقية تجارية. وسيكون هذا أول اتفاق تجاري توقعه كوستاريكا مع دولة شرق أوسطية. وصدق الكونجرس البرازيلي مؤخرًا على اتفاقية التعاون وتيسير الاستثمار، وعلى اتفاقية التعاون والمساعدة المتبادلة في الشؤون الجمركية مع دولة الإمارات. في ذات السياق، وقعت غرفة قطر مذكرة تفاهم مع نظيرتها الأرجنتينية بهدف تعزيز وتنويع التبادلات التجارية والتعاون الاقتصادي بين البلدين في 26 يونيو 2023م، كما وقعت السعودية وكوبا في 25 ديسمبر 2021م، مذكرة تفاهم لتوسيع وتعزيز علاقات التعاون في المجال الاقتصادي.

2- تبادل الزيارات وعقد الاجتماعات

تحرص دول الخليج العربي وبلدان أمريكا اللاتينية على إيفاد كبار مسؤوليها من أجل تنشيط الشراكات الاقتصادية والتجارية. في يونيو 2023م، قامت "ريم بنت إبراهيم الهاشمي"، وزيرة الدولة الإماراتية لشؤون التعاون الدولي، بجولة في أمريكا اللاتينية، زارت خلالها البرازيل بهدف مناقشة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات. وخلال جولتها بأمريكا اللاتينية، قامت وزيرة الدولة الإماراتية أيضًا بزيارة كولومبيا، كوستاريكا، الأرجنتين، وباراغواي.

وفي مايو 2023م، زار وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودي عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ "عادل بن أحمد الجبير"، كولومبيا، تشيلي. وخلال هذه الجولة، بحث المسؤول السعودي مع المسؤولين اللاتينيين، سبل تطوير العلاقات في المجالات كافة، خاصة في مجال الحفاظ على البيئة والحد من التغير المناخي، وذلك في إطار مبادرات المملكة المناخية. وسبق أن زار الجبير كوستاريكا في سبتمبر 2022م. وفي يناير 2023م، زار وزير الخارجية السعودي "فيصل بن فرحان"، البرازيل. علاوة على زيارة "محمد بن عبد الرحمن آل ثاني" نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري جمهورية الدومينيكان والمكسيك وفنزويلا في يوليو 2022م، وسبق أن زار كوستاريكا في نوفمبر 2022م.

على الجانب اللاتيني، زار الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو"، السعودية في يونيو 2023م، حيث التقى بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وتناول اللقاء الجوانب الثنائية للتجارة والاستثمار والتعاون في العلوم والثقافة والتكنولوجيا، والقضايا المتعلقة بمجالات النفط والغاز والبنية التحتية والسياحة والزراعة. وفي 15 أبريل 2023م، زار الرئيس البرازيلي "لولا دا سيلفا" دولة الإمارات، وهي أول زيارة رسمية له إلى الشرق الأوسط منذ انتخابه في بداية العام الجاري. وفي 23 مايو 2023م، قام وزير الصناعة والتجارة في باراغواي، لويس كاستيليوني، بزيارة السعودية، سعيًا إلى تعزيز العلاقات التجارية مع المملكة، وتوثيق التعاون في مجال التعليم والطاقات المتجددة والمشاورات السياسية.

وفي 21 فبراير 2023م، بحث وزير الخارجية والأديان في جمهورية كوستاريكا "أرنولدو أندريه تينوكو" خلال زيارته الرياض، مع المسؤولين السعوديين العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها في المجالات كافة، بما في ذلك الحفاظ على البيئة والحد من آثار التغير المناخي. كما زار وزير الخارجية المكسيكي "مارسيلو إبرارد"، السعودية وقطر والإمارات في مارس 2022م. بالإضافة إلى زيارة وزير خارجية بارغواي "خوليو سيزار أريولا" والرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" قطر في ديسمبر ويونيو 2022م، على التوالي. ويعكس المستوى الرفيع لهذه الزيارات وتواترها، رغبة الطرفين القوية في توثيق علاقات التعاون المشترك.

بالإضافة إلى عقد اجتماعات بين الهيئات الاقتصادية والتجارية في الجانبين، مثل الاجتماع الذي عقد بين غرفة التجارة والصناعة الكويتية وبمشاركة هيئة تشجيع الاستثمار المباشر مع وفد اقتصادي برازيلي في 26 مايو 2023م. علاوة على عقد اجتماع بين غرفة قطر والغرفة العربية البرازيلية في 26 فبراير 2023م، لبحث فرص التعاون الاقتصادي بين قطر والبرازيل واستعراض أبرز الفرص المتاحة في المجالات المتنوعة للتكنولوجيا، وسبل إقامة شراكات بين القطاع الخاص في البلدين.

3- تعزيز البنى المؤسسية

تحرص دول مجلس التعاون الخليجي وبلدان أمريكا اللاتينية على تدشين المؤسسات والهيئات اللازمة اللازمة لتطوير العلاقات الاقتصادية بين الجانبين. افتتحت غرفة تجارة دبي مكاتب إقليمية في البرازيل وبنما والأرجنتين والمكسيك، مما سهل الاتصالات التي يمكن أن تزيد من فرص الأعمال. وعلى هامش فعاليات الجناح البرازيلي في "إكسبو 2020م، دبي"، وقع اتحاد غرف التجارة والصناعة بدولة الإمارات، مع الاتحاد البرازيلي للصناعات الوطنية، مذكرة تفاهم بشأن تأسيس مجلس أعمال إماراتي برازيلي مشترك. تهدف هذه الخطوة إلى إيجاد آليات للتعاون والتواصل بين الجانبين، فضلاً عن تنمية وتطوير آليات التعاون بين الفعاليات التجارية والاقتصادية في دولة الإمارات وجمهورية البرازيل الاتحادية.

وفي 2 يونيو 2022م، أعلن اتحاد الغرف السعودية، عن تشكيل الجانب السعودي في مجلس الأعمال السعودي البرازيلي في دورته التأسيسية، كما أعلن بنك الاستثمار البرازيلي  BTG Pactual، أكبر البنوك الاستثمارية في أمريكا اللاتينية في يوليو 2023م، رغبته في افتتاح مكتب له بالرياض لجذب الاستثمارات السعودية والخليجية للبرازيل ودول أمريكا اللاتينية، وذلك بعد حصوله على رخصة مزاولة الأعمال المصرفية بالمملكة.

نتائج مختلطة

بفضل الجهود التي تبذلها كل من دول الخليج وأمريكا اللاتينية، نمت العلاقات الاقتصادية باطراد. على الرغم من بعدها جغرافيًا، شهدت أمريكا اللاتينية في السنوات الـ 15 الماضية زيادة ملحوظة في التبادل التجاري، من 9.6 مليار دولار عام 2016م، إلى 15.4 مليار دولار عام 2020م، وفقًا لتقرير صادر عن غرفة تجارة دبي ومجلة الإيكونوميست. استحوذت البرازيل والأرجنتين والمكسيك على 76% من تجارة أمريكا اللاتينية مع دول مجلس التعاون، تمثل البرازيل وحدها 42% من واردات دول مجلس التعاون الخليجي من أمريكا اللاتينية، في حين تستحوذ دولة الإمارات على 27% من صادرات دول الخليج إلى أمريكا اللاتينية والكاريبي و 46% من صادرات أمريكا اللاتينية والكاريبي إلى الدول الخليحية.

وفقًا لتقرير غرفة تجارة دبي ومجلة الإيكونوميست عام 2022م، بلغ إجمالي استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في أمريكا اللاتينية بين عامي 2016 و2021م، نحو 4 مليارات دولار أمريكي، 77% منها مصدرها الإمارات، و22% من السعودية، و1% من قطر. وتم توجيه نصف استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي في أمريكا اللاتينية إلى شركات الخدمات اللوجستية والتوزيع والنقل. بالإضافة إلى الاهتمام الخليجي بالاستثمار في مجال البنية التحتية والطاقة والأعمال التجارية الزراعية والسياحة والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. كان الاستثمار الأجنبي المباشر من أمريكا اللاتينية إلى دول مجلس التعاون الخليجي أقل بكثير، حيث قدر بأقل من 500 مليون دولار أمريكي بين عامي 2017 و2021م، وساهمت البرازيل بـ 85% والأرجنتين بـ 13%. وقد تمّ إجراء بعض أكبر الاستثمارات من قبل شركة BRF البرازيلية، وهي واحدة من أكبر شركات تصنيع الأغذية في العالم والمورد الرئيسي للدواجن إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي.

متطلبات تقوية الشراكة الاقتصادية

بالرغم من تطور العلاقات الاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي وأمريكا اللاتينية، لا يزال هناك الكثير الذي يتعين القيام به لزيادة الوعي والمعلومات حول الفوائد المحتملة لتعميق الروابط بين الطرفين، لا سيما خارج البرازيل والأرجنتين، حيث توفر بقية دول أمريكا اللاتينية تنوعًا كبيرًا في مصادر الغذاء وفرصًا للاستثمار في جميع القطاعات.

ووفقًا لتقرير صادر عن بنك التنمية للبلدان الأمريكية (IDB) عام 2019م، يمكن القيام بعدة إجراءات على مستوى السياسة "بتكلفة مالية منخفضة"، مع الإشارة إلى تسهيل عمليات التصدير والاستيراد وتقليل التكاليف اللوجستية (تحسين الوقت والمال اللازمين لاتمام الصفقات ونقل البضائع و / أو رأس المال عبر الحدود)، وإيجاد بيئة أعمال أكثر ملاءمة، بجانب تسهيل الوعي بفرص الأعمال التجارية في الخارج. وتشمل الإجراءات الأخرى الموصى بها للمنطقتين زيادة الطرق الجوية المباشرة وتعزيز الاتصالات عبر افتتاح المزيد من رحلات الشحن والركاب وتوثيق العلاقات بين الشركات.

من المهم أيضًا التفاوض والتصديق على اتفاقيات التجارة والاستثمار والازدواج الضريبي، وزيادة البعثات الدبلوماسية والقنصلية والتجارية. تجدر الإشارة إلى أن بنك التنمية للبلدان الأمريكية، من خلال دراسة في عام 2019م، جادل بأنه يمكن زيادة التجارة بين أمريكا اللاتينية والكاريبي ودول الخليج العربي بنحو 13 مليون دولار سنويًا من خلال توقيع اتفاقيات تجارية وزيادة الحضور الدبلوماسي.

من المهم أيضًا لبلدان أمريكا اللاتينية بشكل خاص، بالنظر للتغيرات المتلاحقة في التوجهات السياسية للحكومات، أن تقيم استراتيجاتها للشراكات الاقتصادية على أسس أكثر عملية وأقل من الناحية الأيديولوجية. ينبغي التركيز بشكل أكبر على إشراك الجهات الفاعلة غير الحكومية، وخاصة رواد الأعمال وشركات القطاع الخاص.

في ضوء ما سبق يمكن القول أن دول مجلس التعاون الخليجي وأمريكا اللاتينية يتوافر لديها العديد من الإمكانيات التي من شأنها أن تؤسس لعلاقات اقتصادية أكثر استدامة وشمولية. ومن شأن تطوير الشراكات بين الجانبين وتنويعها أن يدعم الاحتياجات المحلية والتوجهات الدولية لكلا الطرفين. ويظل مستقبل التعاون الاقتصادي الخليجي اللاتيني مرهونًا بقدرة الجانبين على ترجمة توجهاتها الرسمية الساعية لتعزيز التعاون مع الطرف الآخر إلى واقع عملي ملموس.


 

مقالات لنفس الكاتب