array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 188

القوة الناعمة لدول الخليج: مساعدات إنسانية وتماسك وأمن مجتمعي وقيم

الأحد، 30 تموز/يوليو 2023

كغيره من المصطلحات في العلوم الاجتماعية فقد مفهوم القوة الناعمة معناه الحقيقي نتيجة شيوع استخدامه، فمنذ أن ظهر هذا المصطلح في بداية التسعينيات بعد أن صاغه البرفسور جوزيف ناي، راج استخدام المصطلح وخرج من إطاره الأكاديمي المنضبط في تحرير المصطلحات لضمان التراكم المعرفي إلى الفضاء العام وأصبح سهل التداول في وسائل الإعلام وتسابقت شركات العلاقات العامة لتوظيفه لبناء استراتيجيات إعلامية تهدف لتسويق الدول.

 تلقف هؤلاء وغيرهم ممن ينزع لتبسيط التحديات وكيفية مواجهتها وراحوا يبشرون بأن في هذا المصطلح ما يعوض الدول عن الحاجة للقوة الصلبة فهي قادرة بمجموعة من الأنشطة والبرامج غير المكلفة أن تكسب التعاطف والدعم لسياساتها وتكون مؤثرة على الساحة الدولية.

وسبق أن اشتكى جوزيف ناي من إساءة استخدام المفهوم الذي صاغه. ففي كتابه القوة الناعمة وسيلة النجاح في السياسة الدولية (ترجمة الدكتور محمد البجيرمي 2007) يقول "سرَني رؤية المفهوم وهي يدخل في مجال الأحاديث والخطب العامة، إلا أن بعض الناس قد أساؤوا فهمه فأساؤوا استغلاله وجعلوه تافهاً لا يزيد عن تأثير الكوكاكولا وهوليوود وسراويل الجينز الضيقة الزرقاء".

ويظهر التبسيط المخلَ في التعاطي مع هذا المصطلح المهم لو قمنا بقياس ما يقترح مسوقو العلاقات العامة على الحكومات من برامج وأنشطة وترتيبات لتعزيز قوتها الناعمة بمقاييس التعريف الأصلي للمصطلح الذي ورد في كتاب جوزيف ناي.

ببساطة إذا كانت القوة الصلبة تقوم على الإكراه باستخدام القوة العسكرية أو الإغراء باستخدام القوة الاقتصادية لجعل الآخرين يتبنون مواقف تتفق مع تفضيلاتك وتوجهاتك، فإن القوة الناعمة تتمثل في القدرة على التأثير على الآخرين من خلال الجاذبية وجعلهم يريدون ما تريد ويميلون لتأييدك بالإعجاب بما يميزك دون قسر أو إغراء. ولذلك فللقوة الناعمة ثلاثة مصادر رئيسة هي (1) القيم (2) الممارسات السياسية الداخلية (3) توجهات السياسة الخارجية.   هنا سنجد أن جوهر القوة الناعمة هو القيم والتي يتم ترجمتها في ممارسات داخلية وخارجية. هذه القيم تتصف بكونها عالمية حيث يتطلع إليها الناس في مختلف الثقافات يحلمون بأن تكون منظِمة لعلاقاتهم مع بعضهم.  ويعزز جاذبية هذه القيم تطبيقها على أرض الواقع من خلال النظام السياسي في شكل قواعد ومؤسسات وسلوكيات ماثلة أمام الآخرين. هنا نجد شرطاً مهماً كي تصبح القيم مصدر قوة ناعمة قادرة على الجذب ويتمثل في الانسجام بينها وبين الممارسات على أرض الواقع وبدون هذا الانسجام تفقد القيم جاذبيتها.

لننظر على سبيل المثال حالة النظام السوفيتي فقد حقق درجة عالية من الجاذبية في بداياته حيث جسد قيم العدالة الاجتماعية ومحاربة الاستغلال والطبقية، إلا أن هذه الجاذبية سرعان ما تبخرت حين انكشفت حقيقة الواقع الذي يعيشه المواطن السوفيتي ومعاناته بسبب طبقية النظام وحظوة مسؤولي الحزب وعوائلهم وممارسات مؤسساته للإبقاء على مزاياهم، وتأكدت الفجوة بين ما يروج له النظام وما يمارسه على أرض الواقع.

وبالإضافة إلى قيم يتطلع لها الناس تمارس على أرض الواقع فإن من مصادر القوة الناعمة السياسة الخارجية التي تعنى بالصالح العام والبعيدة عن الأنانية.

جوزيف ناي قال إن الولايات المتحدة ومقارنة بالقوى الكبرى المنافسة لها تمتعت بمصادر قوة ناعمة جذبت الآخرين لها ومنحتها شرعية مكنتها من تحقيق الكثير من أهدافها.  فهي تتمتع بنظام سياسي ديموقراطي قائم على الحرية وتتبنى سياسة خارجية دافعت عن نظام دولي ليبرالي واقتصاد دولي حر استفاد منه الآخرون.  ويشير إلى أن هذه المصادر بدأت تتآكل بسبب تحولات في الممارسات الداخلية والخارجية، إلا أنها لا تزال قابلة للتصحيح بسبب طبيعة النظام السياسي الأمريكي وقدرته على التصحيح الذاتي.

اليوم يزداد تآكل هذه المصادر بالنظر إلى ما يعيشه المجتمع الأمريكي من حالة استقطاب سياسي حادة وجدل حول ممارسات تعد من ركائز النظام الديموقراطي مثل نزاهة الانتخابات والتلاعب بعملية التصويت والتهديد باستخدام القوة، وممارسات إطلاق النار العشوائي التي أصبحت شبه يومية تهدد الأمن المجتمعي والشعور بالسلام بين عامة المواطنين. إلا أن مصدر التهديد الأكبر للقوة الناعمة الأمريكية والذي يشير إلى احتمال أفول جاذبية طريقة الحياة الأمريكية في العالم هو ما يمكن وصفه بسيطرة أقلية ليبرالية متطرفة على مشهد رسم الصورة الأمريكية من خلال ترويجها لحقوق لا أصل لها في شرائع سماوية أو اتفاقيات دولية أو ثقافات وطنية. 

تروج هذه الأقلية المتطرفة للمثلية وما يترتب عليها من زواج مثلي وإعادة تعريف للأسرة وما يسمى بالهوية الجندرية واختلاق هويات جديدة غير الرجل والمرأة واستهداف الأطفال بإعادة تعريف هوياتهم وهي ممارسات تسببت في صراعات اجتماعية ثقافية في المجتمع الأمريكي قد تكون الضربة القاضية للقوة الناعمة الأمريكية وجاذبيتها العالمية. ويظهر هذا من ردة الفعل الرافضة ليس فقط في المجتمعات المتدينة مثل العالم الإسلامي، بل نجدها في الصين وروسيا والهند والمجتمعات الإفريقية.

قد لا تمثل المثلية إشكالية لهذه المجتمعات لو أنها بقيت داخل حدود الولايات المتحدة فهذا خيارهم، إلا أن مساعي واشنطن لفرضها على بقية العالم هو ما يتسبب في شرخ كبير في صورة الولايات المتحدة التي وصفها جوزيف ناي في كتابه ملزمون بالقيادة (1990) بأنها أقوى أمة ليس فقط في قوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل في قوتها الناعمة.   فقد عينت إدارة الرئيس بايدن مبعوثة خاصة لحقوق المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وأحرار الجنس وثنائيي الجنس (LGBTQI +)))، وتتمثل مهمتها في "قيادة جهود الولايات المتحدة لحماية هذه الفئات على مستوى العالم".  كما سبق لوزير الخارجية أنطوني بلينكن أن ذكر توجهًا لتعيين ممثلين لهذه الفئات في البعثات الدبلوماسية الأمريكية يعملون جنباً إلى جنب مع الملحق التجاري والملحق العسكري والملحق التعليمي.

ومؤخراً وبعد أن أقر البرلمان الأوغندي قانوناً يجرِم المثلية أصدر الرئيس بايدن بياناً أدان بلغة قوية هذا القانون ذكر فيه أنه طلب من مجلس الأمن القومي الأمريكي أن يُجري تقييماً لتداعيات القانون ودراسة فرض عقوبات على أوغندا.

وإذا كان جوزيف ناي يعتقد أن جاذبية الولايات المتحدة تعتمد اعتماداً كبيراً على القيم التي تعبر عنها من خلال سياستها الخارجية، فإن هذه القيم الخاصة بأقلية متطرفة ومحاولة فرضها على العالم والادعاء بعالميتها لا يمكن أن تتمتع بأي جاذبية على الإطلاق.  لذلك قد يكون التساؤل هنا مشروع إن كان النموذج الأمريكي للعيش قد أوشك على انتهاء صلاحيته؟

 الإجابة على هذا التساؤل تقتضي مسحاً لمعرفة آراء الناس من مختلف المجتمعات تجاه الولايات الأمريكية.  على سبيل المثال قد نسأل طالباً يرغب في الدراسة في الخارج أو مريضاً لتلقي العلاج أو رجل أعمال لاستثمار أمواله أو شخصاً من عامة الناس للانتقال للإقامة الدائمة للاختيار بين مجموعة من الدول الكبرى وتحديداً: الولايات المتحدة والصين، وروسيا واليابان والهند. كيف ستكون إجاباتهم؟ ما يبدو واضحاً من مؤشرات أولية هو احتمال تفضيل الولايات المتحدة والغرب إجمالاً لإشباع هذه الاحتياجات.  ومن ثم ينشأ سؤالاً آخر عن سبب هذا التفضيل، هل هو قوة جاذبية الولايات المتحدة أم ضعف جاذبية غيرها؟ إن نتائج استطلاع مثل هذا ستظهر بلاشك أن إشكالية القوة الناعمة للولايات المتحدة وما قد أصابها بسبب قسر الآخرين على تبني قيم اجتماعية متطرفة تبدو أكثر تعقيداً.

نعود الآن إلى إشكالية فهم وتوظيف القوة الناعمة خارج الولايات المتحدة، فكما أشرنا في بداية المقال هناك نزعة تبسيطية تترجم القوة الناعمة في جملة من الأنشطة والبرامج التسويقية التي تستهدف عامة الناس والاعتماد على استطلاعات آنية سريعة من أجل إثبات التمتع بالقوة الناعمة. هذه النزعة مردها تحول القوة الناعمة على يد خبراء التسويق والمبيعات من أصل ذو قيمة إلى سلعة يتم تسويقها على الحكومات، وحتى الدول الكبرى مثل الصين وروسيا والهند لم تسلم من تسليع مفهوم القوة الناعمة.     

لعلنا في الختام نشير إلى أن لدى دول مجلس التعاون قوة ناعمة تتمثل في عنصر مهم في سياساتها الخارجية ويتمثل في (1) المساعدات الإنسانية والوقوف بجانب المحتاجين خلال الكوارث والأزمات (2) تماسك وأمن مجتمعي (3) قيم اجتماعية تؤكد مكانة الأسرة وتقدير واحترام كبار السن، وهو يمنحها جاذبية تنعكس على تفهم الشعوب لها ولمواقفها، خاصة في المجتمعات الغربية. إلا أن تحول هذا التفهم إلى قبول ودعم لدى النخب والقوى المؤثرة في الدول المهمة (سياسيون ومشرِعون ومفكِرون وباحثون وناشطون ومؤسسات إعلامية)، ليس سهلاً حيث إن لهؤلاء معايير تجعل قابليتهم للانجذاب نحو المجتمعات الخليجية وحكوماتها أمراً أكثر تعقيداً وصعوبة. 

يبقى أن نشير إلى أن المملكة تتمتع بمصدر قوة ناعمة تمنحها جاذبية استثنائية لدى ملياري مسلم تتمثل في احتضانها الحرمين الشريفين وشرف خدمتهما وقاصديهما من حجاج ومعتمرين وهذا يتطلب مقالاً منفرداً.

مقالات لنفس الكاتب