array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 187

فجوة بين صناع القرار وخبراء السياسة الأمريكيين للحفاظ على الشراكة مع الخليج

الخميس، 22 حزيران/يونيو 2023

قبل أسابيع عقد مجلس سياسات الشرق الأوسط بالتعاون مع معهد دول الخليج العربية ندوة في مبنى الكونجرس الأمريكي تحت عنوان: مستقبل الأمن في الشرق الأوسط: شارك فيها عدد من المسؤولين والسفراء السابقين والخبراء في شؤون المنطقة ونعرض هنا لأبرز ما تضمنته من آراء وأفكار قد تعكس الرؤية الأمريكية للمنطقة وتحديداً الخليج العربي. 

دوغلاس سيليمان Douglas Silliman   السفير الأمريكي السابق في الكويت والعراق وحالياً يرأس معهد دول الخليج العربية يرى أن هناك تردد في واشنطن لإدراك التحولات الكبيرة التي يشهدها النظام الدولي تسببت في تراجع الهيمنة الأمريكية حيث برزت الصين وروسيا إضافة إلى ظهور قوى إقليمية تحرص على أن تكون سياساتها تعبيراً عن مصالحها الوطنية دون أي اعتبارات أخرى وذكر منها الهند وتركيا والمملكة العربية السعودية والبرازيل.

لقد أصبح النظام الدولي اليوم متعدد الأقطاب ولذلك لا يمكن فهم ما يحدث على الساحة الدولية من منظور اللعبة الصفرية، وفي الخليج والشرق الأوسط عمومًا فقد أصدقاء الولايات المتحدة ثقتهم بواشنطن وهناك شعور عام بانسحاب الولايات المتحدة وتخليها عن مسؤولياتها ولذلك تسعى هذه الدول إلى التعامل مع الواقع الجديد من خلال تعزيز قدراتها العسكرية الذاتية من جهة والدخول في مصالحات تنهي حالة التوتر وتنويع شراكاتها من جهة أخرى.

بالنسبة لإيران يرى السفير أنه في الوقت التي تركز فيه واشنطن على البرنامج النووي الإيراني فإن دول الخليج قلقة من تطور قدرات طهران العسكرية سواء تصنيع الصواريخ أو الطائرات المسيرة وتهديد الملاحة في الخليج العربي وكذلك توظيفها شبكة الميليشيات لممارسة النفوذ والتدخل في الشؤون الداخلية. وهنا تقف الولايات المتحدة عاجزة عن تقديم أي دعم لدول الخليج حسب السفير.

أما الصين فهناك صورتين متباينتين عنها في واشنطن وفي عواصم دول الخليج.  ففي حين ترى الولايات المتحدة أن بكين توسع نفوذها في كافة المجالات بهدف إضعاف النفوذ الأمريكي، يرى المسؤولون في دول الخليج أن الصين شريك تجاري واقتصادي مهم وسوق كبير لمنتجات النفط ومصدر لسد الاحتياجات ومنها التقنيات العسكرية دون شروط وبأسعار تنافسية، إضافة إلى وجود تقارب بين مؤسسات الحكم في الصين ومؤسسات الحكم في الخليج.  ويعتقد الخليجيون أن علاقاتهم مع الصين والولايات المتحدة أمران منفصلان يجب ألا يؤثر أحدهما على الآخر وهذا مخالف لرؤية واشنطن وكذلك بكين اللتان تنظران لتقارب دول الخليج مع كل طرف سيكون له آثار على علاقتها مع الطرف الآخر.

ولا يرى السفير الصين قادرة أو حتى راغبة في أن تحل محل الولايات المتحدة في الخليج وعلى واشنطن أن تدرك ذلك وتهدئ من روعها بل أن الصين مستفيدة مما يحققه التواجد العسكري الأمريكي من أمن في الممرات المائية في الخليج وبحر العرب.

ووفقاً للسفير فلا يزال لدى واشنطن فرصة للمحافظة على علاقاتها التاريخية مع دول الخليج وحماية مصالحها المشتركة معها ولكن هذا يتطلب خمسة أمور:

  1. مزيد من التواصل رفيع المستوى بين المسؤولين الحكوميين، إضافة إلى ممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني وإرسال وفود مختلطة من الكونجرس من الحزبين الجمهوري والديموقراطي من أجل تأكيد وجود رؤية مشتركة بين الحزبين فيما يتعلق بحماية المصالح الأمريكية ومنع دول الخليج من محاولة توظيف أي تباينات تظهر بين مواقف الحزبين.
  2. توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي لرصد ما يحدث في الخليج والبحر العربي وتشارك المعلومات مع دول الخليج.
  3. تجنب تسييس العلاقات مع دول الخليج وحمايتها من التجاذبات السياسية الداخلية.
  4. تحديد أوضح للعلاقات ومن ذلك على سبيل المثال وضع إطار لها شبيه بالشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة من أجل أن تكون الصورة واضحة تماماً ويعرف كل طرف ماذا يتوقع من الطرف الآخر.
  5. تطوير اتفاقيات إبراهام وتعميقها، إلا أن هذا الأمر مرتبط بموقف الحكومة الإسرائيلية والتطورات في القضية الفلسطينية

مساعدة وزير الدفاع السابق ماري بيث لونج Mary Beth Long ترى أن قيماً مشتركة جمعت الولايات المتحدة ودول الخليج في السابق ورغم اختلافهم حول بعض الملفات، إلا أن الطرفين جمعهما الاحترام المتبادل وحرص حقيقي على الشراكة خاصة العسكرية.  هذا الأمر تغير اليوم؛ فموقف الولايات المتحدة في المنطقة في حالة من الضعف ليس له مثيل فهي غير قادرة على إقناع حلفاءها في الخليج والتأثير على مواقفهم. وترى أن عدم قدرة واشنطن على التأثير فيما يحدث في الخليج العربي أو حتى المشاركة في بناء التصورات حول ترتيبات الأمن فيه يمثل اليوم خطراً أمنياً لم تتوقعه ولم تستعد له.

وترى أن السنوات القادمة ستكون صعبة جداً للولايات المتحدة بسبب توجه دول الخليج للتقارب مع من ترى واشنطن أنهم خصوم لها (الصين، روسيا، وتكتل بريكس) هذا التقارب يمثل تكتلات ومحاور جديدة سيترتب عليه تنسيق مواقف تجاه قضايا مهمة وفي حال استمر ذلك فإن الولايات المتحدة لن تصبح الشريك الأهم لدول الخليج. ومن منظور المصالح الأمريكية فإن التحولات في الخليج والشرق الأوسط خلال السنوات القادمة ستصبح خطيرة وفوضوية وصعبة جداً.

وتشير ماري لونج إلى أن واشنطن لم تلتقط جملة من المؤشرات المبكرة على حدوث هذه الفجوة مع شركائها ومن بينها الخلافات حول سوريا وكذلك الحرب في العراق.

وفيما يتعلق بتطور الشراكة الاقتصادية بين دول الخليج والصين فقد يكون المأمول منها أن تسهم في تعزيز الشراكة العسكرية بينها. وترى أن الخطر الأكبر يكمن في التحول من الدولار إلى اليوان ففي حال حدوث ذلك سيكون له تبعات أمنية خطيرة وعميقة وطويلة الأمد وشاملة على المصالح الأمريكية وستتسبب في إضعاف قدرات الولايات المتحدة.

وتخلص المسؤولة السابقة في توصيفها للوضع الراهن بأن الولايات المتحدة اليوم في الخليج أقل أهمية وأقل قدرة على التحرك وسيصبح الخليج أكثر صعوبة للتعامل معه، وهذا الأمر سيجعل الولايات المتحدة أقل أمناً.  وتقول إن على واشنطن أن تدرك أن دول الخليج ليست ضدها لكنها تتحرك وفقاً لرؤيتها لما يحقق مصالحها التي لم يعد بعضها يتوافق مع مصالحنا ولذلك علينا أن نتعلم كيف لنا ان نتعامل مع هذا الواقع الجديد الذي لم نتعود عليه.

 الدكتور ديفيد ديروش David Deroches الأستاذ في جامعة الدفاع الوطني ركز في ورقته على المسائل العسكرية وأشار إلى أن دول الشرق الأوسط إجمالا تواجه تحدي التكيف السريع مع تطور التقنيات العسكرية حيث تفتقد لقاعدة علمية عسكرية وصناعاتها العسكرية المحلية محدودة وتعتمد على الخارج لتأمين احتياجاتها العسكرية. ويذكر أنه ورغم قدرات الدفاع الجوية التي تمتلكها دول الخليج وتحديداً المملكة والإمارات التي نجحت في توظيفها بشكل فعال في التصدي لهجمات الصواريخ والمسيرات في حرب اليمن فإنها بحاجة إلى تطوير مستمر لمنظومات دفاعاتها الجوية لتواكب التطورات في التقنية العسكرية التي يحدثها خصمها (إيران) مستفيدة من نتائج الحرب التي تبدو واضحة في الصواريخ ذات السرعة الفائقة التي يصعب اعتراضها والمسيرات الرخيصة التي يصعب رصدها. الصعوبة هنا تتمثل في أن التقنية العسكرية تتطور بشكل متسارع جداً ما يجعل أي تطوير للقدرات العسكرية يتبعه وبشكل سريع تطوير في قدرات الخصم.

وفيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني يرى ديروش أن الخيار الأنسب هو في تعزيز قدرات الردع لدول الخليج حيث يشكك في قدرة الولايات المتحدة على منع إيران من الحصول على القنبلة النووية سواء من خلال التفاوض أو المواجهة.  ولذلك ومن أجل تطمين دول الخليج واقناعها بعدم الحاجة للدخول في لعبة مكلفة سياسيًا وعسكريًا للحصول على قدرة مماثلة فإن الخيار الأنسب هو أن تبدأ الوليات المتحدة في بناء منشآت عسكرية لاستخدامات تقليدية وغير تقليدية ومستودعات لذخائر خاصة بمستويات عالية ووفق مواصفات أمريكية تكون جاهزة للاستخدام عند الحاجة حيث أن الانتظار والبدء بهذه التعزيزات بعد حصول إيران على قنبلة نووية (في حال حدث ذلك) سيكون إجراء تصعيدياً يقود لمسار خطير.

المستشارة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية آشا كاستيلبيري هيرنانديز Asha Castleberry-Hernandes ترى أن الشرق الأوسط سيكون تحت تأثير التنافس الاستراتيجي الأمريكي ــ الصيني للعشر سنوات القادمة، وفي حين أن الولايات المتحدة تركز على القضايا الأمنية (مكافحة الإرهاب) فإن الصين تعمل على المنافسة الشاملة اقتصادياً ومالياً وتقنياً وفي مجال الطاقة والدبلوماسية أيضاً.

وفي حين أن الولايات المتحدة لم تنسحب بل تعيد ترتيب أولوياتها في ضوء التطورات في العالم، فإن بكين تستفيد من أطروحة الانسحاب الأمريكي وتخلي واشنطن عن التزاماتها تجاه دول الخليج الذي يدفع هذه الدول للبحث عن بدائل. وتشير إلى أن خطورة تزايد الحضور الصيني في المجال العسكري والأمني في الخليج تتمثل في إمكانية الحصول على معلومات حساسة وكذلك فرص بناء منشآت عسكرية دائمة. وتحذر بأن تعطيل وتأجيل الكونجرس للعقود والصفقات العسكرية مع دول الخليج لا يخدم المصالح الأمريكية.  وتدعو واشنطن لتوسيع مجال منافستها للصين في الخليج لتشمل الجوانب التجارية وألا تنحصر على الجانب العسكري الذي تقتصر خطورته في تمكن الصين من بناء منشآت عسكرية دائمة أو الحصول على معلومات أمنية حساسة من خلال مشاريع التعاون مع شركة هواوي.

  هذا العرض يظهر لنا وجود فجوة بين صناع القرار في واشنطن وبين خبراء السياسة الخارجية ومنهم مسؤولين سابقين؛ فهؤلاء يدركون بشكل دقيق الواقع الجديد في المنطقة والحاجة إلى مواكبته، في حين أن صناع القرار وربما لأسباب تتعلق بحسابات داخلية ضيقة يستمرون في نهج سياسات ومواقف لم تعد ملائمة للحفاظ على الشراكات التقليدية مع دول المنطقة.

لكن المؤكد أن هذه الحوارات والمناقشات تمثل آلية للتصحيح الذاتي في النظام السياسي الأمريكي والتي تجعل الولايات المتحدة تعود قوية ونشطة من جديد بعد كل مرة يتنبأ الآخرون بانحدارها وأفول نجمها، وهذه الآلية هي ما يميزها عن خصومها، ولذلك قد ينطبق على الولايات المتحدة اليوم المقولة الشهيرة للكاتب الأمريكي مارك توين "شائعة وفاتي مُبَاَلغ فيها جداً".

مقالات لنفس الكاتب