array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 185

القمة فرصة للمملكة لتقديم مقترحات تعالج الإشكالية المزمنة للعمل العربي المشترك

الأحد، 30 نيسان/أبريل 2023

لو أجرينا اليوم استطلاعاً للرأي العام العربي حول مدى رضاه عن مستوى العمل العربي المشترك أو عن أداء المؤسسات العربية القومية وفي مقدمتها الجامعة العربية فلن يكون مفاجأً أن تأتي نتيجة الاستطلاع متدنية جداً وهو ما نلمسه من خلال ما يكتب وينشر من حين لآخر في وسائل الإعلام التقليدية والحديثة عن تعاطي الحكومات والمؤسسات العربية مع القضايا القومية. بل سنلحظ عزوفاً عن تناول هذه المسألة وهو ما يشير إلى حالة الإحباط التي أصابت الشارع العربي تجاه مسائل التعاون والتحرك العربي المشترك.

ونحن هنا أمام أمرين إما أن تكون هذه الصورة السلبية عن العمل العربي المشترك وآلياته دقيقة وتعكس الواقع وهذا يقتضي تشخيص أسباب تردي مستوى العمل العربي وضعف مؤسساته، أو أن تكون الصورة غير دقيقة ومن ثم النظر في سبب تشكلها لدى الرأي العام العربي والبحث في كيفية تصحيحها.

ولكن قبل البحث في هذه المسألة لابد أولاً أن نشير إلى أن بعضاً من أوجه الإشكالية التي تواجه الجامعة العربية والتي تمثل المظلة لكافة مؤسسات العمل العربي المشترك ليست محصورة فيها بل تشترك معها كافة المنظمات الدولية والإقليمية.  فكما يظهر من الأمم المتحدة ، أو منظمة التعاون الإسلامي، أو الاتحاد الإفريقي، أو رابطة الدول المستقلة التي تضم عدداً من الدول التي تشكلت بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، أو منظمة الدول الأمريكية  سنجدها جميعاً تواجه إشكالية ضعف الدور في كل ما يتعلق بالقضايا السياسية والأمنية بسبب حرص الدول الأعضاء فيها على استقلال قراراتها في كل ما يتعلق بهذه المسائل كونها ذات طابع سيادي لذلك تتجنب منح المنظمات أي صلاحيات تمكنها من دور فاعل في هذه القضايا وتقيِد هذا الدور بحساباتها المنفردة وهذا ما تسبب في الضعف الذي نلاحظه في دور هذه المنظمات في التعامل مع قضايا الأمن والسلام.

فيما عدا ذلك فإن الدول الأعضاء تمنح المنظمات مساحة واسعة للتحرك تجاه بقية قضايا التعاون كونها لا تمس في الغالب جوانب سيادية (مجالات الصحة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والزراعة.....)

نعود الآن لمسألة العمل العربي المشترك والانطباع الراسخ لدى الشارع العربي عن ضعفه وعجز مؤسساته. فمن خلال مراجعة مخرجات القمم العربية الخمس الأخيرة التي عُقدت بين 2016-2022م، نستطيع الجزم بوجود إرادة قوية لتعزيز العمل العربي المشترك في حال أخذنا القرارات الصادرة عن هذه القمم مؤشراً على ذلك، فهي تتضمن كماً كبيراً من الاستراتيجيات والخطط والآليات والإعلانات والبرامج والأدلة في كافة المجالات التي تصب في مصلحة تعميق التعاون والتكامل العربي. وكما يظهر في تقرير للأمين العام للجامعة العربية جاء في 78 صفحة وقدمه للقمة العربية الثامنة والعشرين المنعقدة في الأردن هناك عدد هائل من الإجراءات لتعزيز العمل العربي المشترك في شكل اجتماعات لجان وفرق عمل وعقد مؤتمرات وورش عمل وحلقات نقاش.

من جانب آخر ليس هناك نقص في آليات العمل العربي المشترك  فقد تم تأسيس كم كبير من الأجهزة  لهذا الغرض تشمل مجالس وزارية ( يبلغ عددها خمسة عشر مجلساً ولكل مجلس مكتب تنفيذي) ولجان دائمة إضافة إلى منظمات متخصصة من أبرزها: المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، والمنظمة العربية للتنمية الزراعية، والمنظمة العربية للتنمية الإدارية، والمنظمة العربية للعمل، وصندوق النقد العربي، والمؤسسة العربية لضمان الاستثمار وائتمان الصادرات، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والهيئة العربية للاستثمار والإنماء الزراعي، إضافة إلى  البرلمان العربي  ولجنة حقوق الإنسان و عدد كبير من المراكز البحثية العربية المتخصصة. 

إذاً يتبين لنا من المعلومات المذكورة أعلاه سواء فيما يتعلق بقرارات القمم العربية لتعزيز العمل العربي المشترك أو عدد وتنوع آلياته وجود إرادة حقيقية  لتحقيق التكامل بين الدول العربية ولذلك يُشرع التساؤل عن أسباب ضعف العمل العربي المشترك، فقد  جاء في تقرير الأمين العام المشار إليه أعلاه  أن " الجامعة العربية  حرصت على تنسيق الجهود وتقريب المواقف والتحركات من أجل تحقيق مكاسب ملموسة على صعيد المشروعات الاقتصادية والاجتماعية  والتنموية العربية القومية والتي بدأ التخطيط لها منذ زمن بعيد لكنها لا زالت تصطدم بعراقيل شتى بما في ذلك منطقة التجارة العربية الحرة (وقعت اتفاقيتها في 1997)  ومشروع الاتحاد الجمركي العربي (أعلن في 2009)".

هذا اعتراف صريح من الأمين العام للجامعة العربية بضعف العمل العربي المشترك رغم كل ما اتخذ من قرارات وتم من إجراءات. ولذلك أكد خلال ترؤسه لاجتماع لجنة التنسيق العليا للعمل العربي المشترك عام 2017م، على " أهمية إيجاد آلية محكمة وملزمة للتعاون والتنسيق بين مكونات منظومة العمل العربي المشترك لتحقيق مزيد من الانسجام.... وتوحيد الأسس والقرارات التي تحكم عمل منظمات العمل العربي المشترك وتوفير متطلبات فاعليتها في مجالات تخصصها .. والانتقال بالمنظمات العربية من التنسيق بين أنشطتها إلى العمل المشترك لتنفيذ مشروعات حيوية للمنطقة العربية".

الملاحظ أن الأمين العام وبعد أن قدم هذا التشخيص لوضع آليات العمل العربي المشترك وضرورة تعزيز فاعليتها جعل المشكلة في عدم وصول إنجازات هذه الآليات بسبب ضعف المتابعة الإعلامية. فهو يؤكد "أهمية تغطية أنشطة الجامعة العربية ومنظماتها من خلال الشبكة الإعلامية الإلكترونية حيث أن الأمانة العامة للجامعة ومنظماتها العربية المتخصصة تقوم بـ إنجازات هامة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية .. إلا أن المعطيات المتعلقة بالأنشطة والإنجازات لا تصل إلى المواطن العربي ولا يتم إعلامه بها كاملة وبالشكل المطلوب وهو ما يتطلب دعم وتطوير الجانب الإعلامي لمنظومة العمل العربي المشترك."

هذه التوصيفات تُظهر وجود التباس حتى عند أهم المسؤولين عن العمل العربي المشترك فمرة تتمثل المشكلة في وجود عراقيل أمام العمل العربي المشترك وضعف فاعلية آلياته، ومرة أخرى عدم وعي المواطن العربي بالإنجازات العربية المشتركة.

ومن دون تحديد واضح لطبيعة المشكلة سيكون من الصعب الحكم بشكل موضوعي عن حجم وفاعلية العمل العربي المشترك ومستوى أداء آلياته. لذلك تتبين الحاجة لإجراء تقييم شامل من خلال دراسة موسعة لكافة جوانب العمل العربي المشترك تشمل القرارات والخطط والاستراتيجيات والآليات على مدى فترة زمنية كافية من أجل الخروج بتصور واضح لحالته الراهنة وكيفية معالجة أي قصور قد يظهر بما يسهم في الارتقاء به ليصل مستوى تطلعات القادة والمواطنين.

قمة الرياض 32 فرصة للتقييم والتطوير   

ضمن كلمة المملكة في الجلسة الختامية للقمة العربية في دورتها 31 المنعقدة في الجزائر أعلن سمو وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان عن انعقاد القمة الثانية والثلاثون في المملكة "انطلاقًا من حرص المملكة العربية السعودية على ديمومة التعاون القائم بيننا على جميع الأصعدة" وكانت المملكة قد استضافت القمة في دورتها التاسعة والعشرين في مدينة الظهران تحت اسم قمة القدس تقديراً لمركزية قضية فلسطين. وخلال تلك القمة قدمت المملكة مبادرتين الأولى تتعلق بتعزيز العمل العربي المشترك في مواجهة التحديات والمبادرة الثانية عقد قمة ثقافية عربية إيماناً بأهمية البعد الثقافي في تعزيز العمل العربي المشترك.

قمة الرياض 32 تمثل فرصة تاريخية للمملكة لتقديم مقترحات عملية تعالج الإشكالية المزمنة التي تواجه العمل العربي المشترك. ولا شك أن القمة العربية لها تقاليدها وقواعد عملها الثابتة، إلا أن ذلك لا يمنع أن تبحث الجهات المعنية في المملكة بالترتيب لانعقاد القمة وفي مقدمتها وزارة الخارجية في كيفية جعل هذه القمة ترتسم بملامح الأجواء التي تعيشها المملكة تحت رؤية 2030 التي يمكن – إذا جاز لنا الأمر-أن نلخصها في الجملة الأولى في تقديم سمو ولي العهد لوثيقة الرؤية "دائماً ما تبدأ قصص النجاح برؤية، وأنجح الرؤى هي تلك التي تٌبنى على مكامن القوة".

العالم العربي اليوم بحاجة إلى رؤية تُبنى على مكامن القوة.  فرغم الكم الكبير من مظاهر الضعف والتشتت، إلا أن هناك مكامن للقوة في الوطن العربي الممتد من المحيط إلى الخليج لابد من اكتشافها وإحيائها والبناء عليها لمستقبل عربي أفضل. قمة الرياض 32 تمثل فرصة لإعلان رؤية عربية 2050 لبناء مجتمعات عربية حيوية واقتصاديات مزدهرة وأمة عربية طموحة.

مقالات لنفس الكاتب