array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 185

تنسيق المواقف العربية للاستفادة الوطنية والقومية من التحولات الجيوستراتيجية الجديدة

الأحد، 30 نيسان/أبريل 2023

شهدت المنطقة العربية في الآونة الأخيرة ما لم تشهده طيلة عقود طويلة، فبينما لاتزال تدفع المنطقة فاتورة باهظة طوال السنوات التي أعقبت ثورات الربيع العربي 2011م، والتي تحولت بعضها لساحات خلفية، لتصفية حسابات ومؤامرات وسيناريوهات عدة، لكن التحولات الجيوستراتيجية الحالية على الساحة الدولية منحت المنطقة قدرًا أكبر في حيز التحولات، ما بين الشرق والغرب، وفرصة غير مسبوقة لبعض الدول العربية في لعب دور تاريخي يمكنه تغيير ملامح المنطقة الباهتة منذ فترة. 

وفي استحضار سريع للتاريخ، اتسمت المنطقة العربية بأنها كانت محط أنظار القوى الاستعمارية القديمة منذ سيطرة الإمبراطورية الرومانية على الشرق الأوسط، ومرورًا بالتحولات التي جرت فيما بعد، وسيطرة البريطانيين على الخليج العربي، وتوسيع الفرنسيين نفوذهم في لبنان وسوريا ومصر وشمال إفريقيا، وطيلة هذه العقود ظلت المنطقة تدفع فاتورة تلو الأخرى، حتى بعد الاستقلال، إذ ظلت الدول رهينة للسياسات الاستعمارية التي رحلت وبقي تأثيرها في القرار السياسي وحتى في الخلافات القائمة بين الدول العربية. 

ولكن مع بداية الاضطرابات الإقليمية والدولية، التي ميزت عام 2021م، والتي يمتد صداها إلى الآن، متمثلةً في الحدث الأبرز على الساحة الدولية حاليًا؛ أي (العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا)، ورغم بعدها الجغرافي عن الشرق الأوسط، لكنها ألقت بظلالها سريعًا على المنطقة، التي أصبحت مقصدًا لزعماء العالم، بهدف التأثير على مواقفها، وهو ما برهن على أهميتها وقوتها التي توارت خلال عقود مضت، وقدر لها الحضور مجددًا، ومن هنا أصبح العمل العربي المشترك ضرورة هامة أكثر من أي وقت مضى لمواجهة تلك التحديات الحاسمة.

وبناء على ذلك، يركز المقال على عدة محاور هامة

المحور الأول: الوضع السياسي والأمني في المنطقة العربية.

المحور الثاني: التفاعلات العربية في إطار البيئة الإقليمية.

المحور الثالث: التغيرات الدولية وانعكاساتها على المنطقة العربية.

المحور الرابع: الاستراتيجية العربية في ظل التحولات الراهنة: السعي لعدم الانحياز وخفض التصعيد.

وفي الخاتمة، ينتهي المقال بعدد من التوصيات الهامة لصياغة رؤية عربية موحدة قادرة على مواجهة التحديات الدولية والإقليمية.

المحور الأول: الوضع السياسي والأمني ​​في المنطقة العربية

لاتزال المنطقة العربية تمر بمراحل مختلفة من التغيير السياسي منذ اندلاع ثورات الربيع العربي 2011م، التي كان لها دور أو تأثير لبنية الدولة في المنطقة دون استثناء، مما أدى إلى سقوط بعض الأنظمة العربية، وإحداث التغيير السياسي في المنطقة وتأثيرها على التكتلات الإقليمية، فبينما استطاعت مصر، والبحرين، وتونس، والجزائر، والعراق تجاوز الموجات الثورية بفاتورة باهظة، وصولًا لنقطة بداية التحولات الجيوستراتيجية على مستوى العالم، إلا أن بعض البلدان العربية الأخرى لاتزال تعاني من محاول مواكبة عملية الانتقال إلى نظم أكثر ديمقراطية، ففي سوريا، وليبيا، واليمن، والسودان، لاتزال مرحلة الانتقال الديمقراطي المضطربة متواصلة.

بجانب ذلك، تواجه المنطقة الإقليمية جملة من المهددات الأمنية أبرزها انتشار ظاهرة الإرهاب العابر للحدود، وذلك بجانب الكبير في التدفقات غير المشروعة للأسلحة عبر الحدود، وتهريب المهاجرين غير الشرعيين والإتجار بالبشر، فضلاً عن تهريب الخامات والسلع، وتمدد نشاط شبكات الجريمة المنظمة العابر للحدود.

وفي الخلفية تلوح الحاجة إلى حل الأزمة الإنسانية في اليمن وضرورة تكثيف الجهود لإعادة بناء سوريا والعراق، ومن هنا يجب على الدول العربية أن تلعب دورًا استباقيًا في مستقبل تلك البلدان الهشة، التي تعد محط أطماع القوى الإقليمية والدولية.

وتأتي القضية الفلسطينية ( القضية الأم) على رأس أهم القضايا التي تتصدر اهتمامات الدول العربية، إذ يرى الكثيرون أن أصل الشرور في الشرق الأوسط في المائة سنة الأخيرة هو القضية الفلسطينية،  فهي تختفي من شاشة الرادار السياسي العربي، لتعود لتظهر من جديد بصور مختلفة، إما بقوة أو من خلف الستار، ولكنها موجودة دائمًا في خلفية أي صورة سياسية، وفي الرؤية الجيوسياسية الغربية تطبق القضية، على الشرق الأوسط برمته، وأصبح معتاداً الإشارة إلى الصراع العربي- الإسرائيلي، في الأدبيات الغربية وأجهزة الإعلام، بأزمة الشرق الأوسط، فقد أضاع ضمير المجتمع الدولي العقد وراء الآخر وهو يشاهد الحقوق الفلسطينية الموثقة بموجب قرارات الشرعية الدولية كما تعكسها قرارات الأمم المتحدة تذهب أدراج الرياح، ومع غياب أفق حقيقي للعملية السلمية، لاستعادة حقوق شعب يبتلعها الاستيطان الإسرائيلي عاماً بعد الآخر، ويقف المجتمع الدولي عاجزاً عن إنفاذ الشرعية الدولية في قضية عمرها جاوز السبعة عقود.

المحور الثاني: التفاعلات العربية في إطار البيئة الإقليمية

 تشهد المنطقة العربية صراعًا بين ثلاثة مشاريع إقليمية، وهي المشروع التركي والمشروع الإسرائيلي والمشروع الإيراني، ويمكن القول أن العلاقات بين الدول العربية وإيران وتركيا تتسم منذ عقود بالكثير من التحديات والعقبات، في ظل المخاوف والصراعات المتبادلة بينهم، وفي ظل سعي كل فريق للبحث عن مصالحه ومستقبله ومشروعه الاستراتيجي دون الأخذ بالاعتبار مصالح الطرف الآخر، مما أوقع هذه القوى الفاعلة في المنطقة في صراعات متبادلة لا تنتهي. وكل ذلك أدى على مدار العقود الأربعة الأخيرة إلى سقوط مئات آلاف الضحايا وخسارة مليارات الدولارات وتدمير دول عربية، وكانت إسرائيل والقوى الدولية الكبرى هي المستفيد الأول من تدهور هذه العلاقات، وجعلها تتحول إلى الملجأ الأساسي للحصول على الأمن والاستقرار.

 وكان أحد أهم الأسباب التي أدت إلى تدهور هذه العلاقات في العقد الأخير أنها قامت على أسس أمنية وفي ظل المخاوف المتبادلة بين هذه الأطراف وصراع المصالح بينها، وفي ظل صعود المشروعين التركي والإيراني وغياب المشروع العربي الموحد، وتقدم المشروع الإسرائيلي كي يصبح الطرف الثالث الفاعل في المنطقة إلى جانب تركيا وإيران مع بعض القوى الدولية، مما دفع بعض الدول العربية لنسج علاقات مع إسرائيل على حساب العلاقات مع إيران وتركيا.

لكن رغم الجوانب السلبية الكثيرة القائمة في العلاقات العربية-الإيرانية-التركية، إلا أن الفترة الأخيرة أصبح هناك تطورات مهمة وطارئة على الساحة الدولية، أعطت فرصة جديدة لإعادة ترتيب هذه العلاقات، وسيتم التطرق إليها لاحقًا.

المحور الثالث: التغيرات الدولية وانعكاساتها على المنطقة العربية

أحدثت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا بعد أكثر من عام هزة عنيفة بتحولات دولية وإقليمية بارزة تعيد تشكيل النظام العالمي وحتى الإقليمي بتحالفات وتحولات واسعة وغير مسبوقة، حيث ساهمت الأزمة الروسية الأوكرانية بإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط والفاعلين فيها (دول مجلس التعاون الخليجي-مصر –المغرب -إسرائيل-إيران-وتركيا) بين دعم روسيا، أو أخذ موقف الحياد، أو القيام بدور وسيط.

وبالرغم من أن العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قدمت تذكيرًا خطيرًا للعالم -ولكن للغرب على وجه الخصوص -بأن القوة الصارمة واستخدام الوسائل العسكرية لتغيير الحقائق السياسية لايزال موجودًا، وبالنسبة لبلدان المنطقة العربية، يبدو أن هذا شيء عاشوا معه لعقود، ولكن كان موقفهم من العملية العسكرية الروسية عمومًا هو الحفاظ على الحياد الإيجابي.

وما تحرص الحكومات العربية بشكل خاص على مراقبته هو التأثير الاقتصادي للأزمة الروسية الأوكرانية على مجتمعاتها، لا سيما على تكلفة الغذاء والسلع الأساسية، حيث تركت الأزمة تأثيرًا ضارًا عالميًا على النمو الاقتصادي أدت إلى تفاقم الضغوط التضخمية. وبالنظر إلى حجم السكان المعرضين للخطر في المنطقة، تزداد احتمالية حدوث أزمات غذائية، مع ما يصاحب ذلك من تأثير على الاستقرار الاجتماعي، وبالتالي على الاستقرار السياسي، حيث هناك قلق كبير من أن الآثار غير المباشرة لارتفاع التضخم العالمي قد تؤدي أيضًا إلى احتجاجات واسعة النطاق.

 دول الخليج العربي التي كانت الزيادة في أسعار النفط نتيجة الأزمة الروسية الأوكرانية بمثابة ثروة كبيرة بالنسبة لهم، فقد اتخذوا بالفعل إجراءات لمواجهة تحديات الأمن الغذائي المحتملة. كما أن المكاسب المالية من ارتفاع أسعار النفط تمنحهم فرص إضافية لمواجهة أي آثار اجتماعية واقتصادية للحرب في أوكرانيا.

ولكن في البلدان المستوردة للنفط مثل مصر، التي تواجه أيضًا أزمة اقتصادية كبيرة، زادت الحكومة عدد المستفيدين من برامج التحويلات النقدية، وبالنسبة للبلدان التي تعاني من الصراع مثل سوريا وليبيا واليمن، أو تلك التي تواجه انهيارًا اقتصاديًا، مثل لبنان، فإن الحلول المالية ببساطة غير ممكنة.

المنطقة العربية ساحة للتنافس الدولي

ومن التغيرات الدولية الأخرى التي لها انعكاس جوهري في تغيير استراتيجية العديد من البلدان العربية في الفترة الأخيرة، هو تراجع الدور الأمريكي من منطقة الشرق الأوسط حيث دفع فك الارتباط الأمريكي من المنطقة، القوى الإقليمية والعالمية لملء الفراغ اللاحق، وشمل ذلك روسيا وبدرجة أكبر الصين، ولكن أيضًا دولًا إقليمية مثل تركيا، ناهيك عن إسرائيل، قاموا بتبني تفسيرًا موسعًا لأمنهم القومي، مما أدى إلى إثارة النزاعات أو جعلها أكثر احتمالًا أو إطالة أمدها في جميع أنحاء المنطقة متمثلة في سوريا واليمن وليبيا والعراق.

والوصول لنقطة الحضور الصيني القوي في الفترة الأخيرة، يدفعنا مباشرة للتفكير في حجم الصراع المحتمل في (الساحات الخلفية) إذا بقيت مستمرة، فرغم استمرار أزمات العديد من الدول منذ عام 2011م، لكن نقطة المواجهة التي وصلت لها القوى العالمية في الوقت الراهن، كانت تتجه نحو ساحة الأزمات في المنطقة باعتبارها ساحات صراع خلفية يسعى من خلالها الغرب لعدم تركها للصين وروسيا باعتبارها مناطقه التاريخية. وفيما تسعى الصين لتنفيذ مشروعها الاقتصادي وتعزيز حضورها السياسي، وهو الهدف ذاته بالنسبة لروسيا اقتصاديًا وسياسيًا، الأمر الذي كان سيدخل كل من سوريا واليمن وربما بعض الدول الأخرى لمناطق أكثر سخونة واستقطابًا، لكن ربما جاءت الخطوة الصينية برعاية الاتفاق التاريخي بين السعودية وإيران قاطعة الطريق على سيناريو (الساحات الخلفية)، الحلقة الجديدة التي كانت تعد للمنطقة العربية بالكامل، خاصة في ظل حضور القوى المتصارعة في جميع ملفاتها بصورة مباشرة وغير مباشرة. 

تنامي التحالف العسكري الروسي / الإيراني

من التغيرات الأخرى التي طرأت نتيجة للأزمة الروسية / الأوكرانية، هو تنامي التحالف العسكري الروسي الإيراني عن طريق تنسيق وتبادل المعلومات والخبرات والأسلحة، وآخرها ما أكدته الولايات المتحدة من تزويد روسيا لإيران بأسلحة جافلين المتطورة المضادة والمدمرة للدبابات والدروع، تُحمل على الكتف. وكذلك هناك نقاش عن تزويد روسيا لإيران بمنظومة الدفاع S-400–المتطورة المضادة للمقاتلات-ما يشكل أكبر تحديث لسلاح الطيران الإيراني منذ عقود ويعزز قدرات إيران ويمنحها مزيدًا من الثقة والجرأة للتحدي.

كما لاحظت دول المنطقة تلميحات روسيا بأنها قد تستخدم أسلحة نووية تكتيكية في أوكرانيا، لا سيما في ضوء المفاوضات مع إيران بشأن إحياء الاتفاق النووي، وهناك مجموعتان من المخاوف بالنسبة للدول العربية، حيث إنهم قلقون من أنه إذا لم يتم إحياء الاتفاق النووي وقيام إيران ببناء سلاح نووي، فقد يؤدي ذلك إلى سباق تسلح إقليمي، وهم قلقون من أنه إذا تم إحياؤه، فإن حقيقة فشلها في معالجة أنشطة إيران الإقليمية ستسمح لطهران، التي ستستفيد من تدفق الأموال مع رفع العقوبات، بتعزيز شبكتها من الوكلاء في جميع أنحاء العالم العربي.

لذلك يشكل تنامي التحالف الروسي-الإيراني بمسيرات إيرانية لروسيا والتخطيط لبناء مصنع لإنتاج آلاف المسيرات الإيرانية شاهد-136 ستؤثر على الأمن الخليجي بشكل عام، وسط استقطاب دولي بين أمريكا وحلف الناتو والغرب من جهة، وبين روسيا وحلفائها، ولا يصب ذلك في مصلحة منطقة الخليج.

المحور الرابع: الاستراتيجية العربية في ظل التحولات الراهنة: السعي لعدم الانحياز وخفض التصعيد

في هذه البيئة المشحونة دوليًا وإقليميًا، ليس من المستغرب أن المواقف العربية من التحولات الراهنة لم تكن عشوائية، بل كانت مدروسة ونتيجة لتراكمات عديدة، وهذا ما أعلنته جامعة الدول العربية في مارس 2022م، حيث كشفت بشكل واضح عن موقفها من الأزمة في أوكرانيا، وحينها أكد الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط "أن المبدأ الحاكم سيظل دائمًا المصلحة الوطنية، والمصلحة العربية عمومًا. متابعًا حينها أن "صراعات القوى العالمية الكبرى سوف تضع ضغوطًا علينا جميعًا، وسوف تحمل بعض شعوبنا قدرًا من المعاناة، وعلينا أن نكون مستعدين للدفاع عن مصالحنا واتخاذ المواقف التي تخدم أهدافنا".

 حملت تلك الكلمات في طياتها قراءة جادة وواعية لما سيترتب على التحولات المرتقبة "حينها"، وهو ما تجلى سريعًا عبر الزيارات المتعددة لمنطقة الخليج ومصر ودول المغرب العربي، وكذلك محاولات التأثير الغربي على الخليج عبر "أوبك +"، محاولة الاستفادة منها لصالح القرار الغربي، لكن مواقف دول المنظمة وفي مقدمتها السعودية بنيت على أساس المصالح الوطنية والعربية والقواعد المعمول بها، ما اعتبره الغرب خروجًا عن المسار الذي وضع فيه المنطقة لعقود، في المقابل تحركت الصين سريعًا والتقطت روسيا الإشارة أيضًا وعززت تواصلها مع الدول العربية التي بدأته في أوقات سابقة بالتوازي مع الصين، بعد أن تراجع حضور واشنطن في المنطقة تدريجيًا منذ تولي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، ومواقف إدارته من العديد من بلدان المنطقة العربية وتحديدًا المملكة العربية السعودية.

حددت عدة عوامل رئيسية تصورات وردود فعل معظم الدول العربية تجاه الأزمة الروسية/ الأوكرانية:

أولًا، تحاول الدول العربية تجنب الانحياز إلى جانب في صراع بعيد عن منطقتهم الجغرافية وذلك من خلال التحوط في رهاناتهم بين القوى الكبرى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين). وكان هذا واضحًا في امتناع العديد من الدول العربية عن التصويت على تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

ثانيًا، من وجهة نظر العديد من الحكومات العربية، تبرز الأزمة الروسية / الأوكرانية المعايير المزدوجة الغربية، حيث يرون أن الولايات المتحدة غزت العراق عام 2003م، دون رد فعل يذكر من دول العالم التي رافقت الغزو الروسي لأوكرانيا.  وبالنسبة للعديد من الأنظمة العربية، كان غزو العراق هو البادرة الأولى للاضطراب المستمر منذ عقدين في المنطقة، فلم يكتف الغزو بتفكيك الحزب الحاكم في العراق ومؤسسات الدولة فحسب، بل فتح أيضًا الباب أمام توسع النفوذ الإيراني في لبنان والعراق وغيرهما.

ثالثًا، تشعر الدول العربية بأن الولايات المتحدة تخلت عنها خاصة بعد انسحابها المتعثر من أفغانستان، فلم تعد غالبية الدول العربية مقتنعة بالتزام الولايات المتحدة بالحفاظ على أمن المنطقة والتصدي للتهديدات الإيرانية والإرهابية. في الوقت نفسه، أعلنت الولايات المتحدة عزمها الابتعاد عن الشرق الأوسط وتقليص وجودها العسكري، مما دفع الدول العربية إلى إعادة النظر في اعتمادها السابق على مظلة أمنية أمريكية ومتابعة مصالحها بشكل مستقل عن واشنطن، وكان أحد جوانب هذا النهج هو البقاء على علاقة جيدة مع جميع القوى الكبرى، وتصفير المشاكل في الإقليم مثل تطبيع السعودية لعلاقتها مع تركيا، والجهود الحالية أيضًا لدفع العلاقات المصرية التركية إلى الأمام.

كل هذا منذ بداية الأزمة في أوكرانيا كان يؤشر لبدء مرحلة جديدة على صعيد التوازنات العالمية، وبدا ذلك واضحًا في القمة الصينية / العربية في الرياض بالمقارنة مع قمة بايدن في نفس العاصمة، وفي الاختراق الاستراتيجي الذي حققته بكين بشأن الاتفاق بين الرياض وطهران، وهو اعتبر البداية لتصفير أزمات الشرق الأوسط، وهي النقطة الأهم في مسار المنطقة من حيث التوقيت والمسار. وربما تشهد القمة العربية المقبلة التي ستستضيفها السعودية في مايو المقبل عودة سوريا للجامعة العربية رسمياً، حتى لبنان الذي يعاني أزمات مالية قد يستفيد من التقارب السعودي-الإيراني.

هذا يجعلنا نتطرق إلى نقطة هامة يجب أن تدركها دول المنطقة وهو أن تصفير القضايا وتحقيق معادلة الأمن والاستقرار لا يتوفر عبر العلاقات القوية مع القوى العالمية فقط، لكنه يتساوى في نفس الوقت مع جزئين آخرين، الأول منهما عبر الأمن الداخلي والأمن الإقليمي (علاقات الدول ببعضها البعض)، ما يعني أن معادلة السلام والحرب تتوفر بشكل أكبر انطلاقًا من الدول الجارة والإقليم، بحيث تدرك إيران أن الاتفاقيات مع الغرب وواشنطن ليست هي من تحقق لها معادلة الأمن، وكذلك دول الخليج، والعمل على الانطلاق من المحلي نحو الإقليمي، وهو المسار الأسلم. 

الخاتمة

الرؤية العربية أصبحت تتوجه في السنوات الأخيرة نحو تنويع العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، وعدم الاعتماد على علاقتها مع الولايات المتحدة فقط؛ نظرًا إلى المتغيرات العالمية التي لم تعد فيها واشنطن اللاعب الأوحد والأقوى في الساحة الدولية، فبدا لافتًا اهتمام الدول العربية الراسخة في المنطقة بتعزيز علاقتهم مع قوى عظمى أخرى مثل الصين مؤخرًا. كما أن تزايد اهتمام دول الخليج العربي، لا سيما استضافة السعودية القمم الصينية التي توجت التعاون الاقتصادي معها، وأخيراً إتمام الاتفاق مع إيران كلها متغيرات من شأنها دعم المنطقة للتمتع بأكبر قدر من الاستقلالية والتأثير الإقليمي، لأن لديهم خياراً أكثر للتحالف مع عدد من الشركاء.

ولكن مع استمرار الحرب في أوكرانيا بلا أفق وتحولها لحرب استنزاف، سيمتحن طول أمد الحرب التي دخلت عامها الثاني، مدى قدرة الدول العربية على البقاء على الحياد الإيجابي، وعدم دفع المنطقة لمزيد من الاحتقان والتصعيد.

الطريق لازال أمامنا مليء بتحديات كبيرة، ولكن لا يمكن أن يكون هناك حل أفضل لمواجهة هذه التحديات من نظام إقليمي عربي قوي، والحث على مزيد من الوحدة عبر الحدود في العالم العربي.

توصيات

  • يجب أن يتم إعادة تنظيم العلاقات العربية بمعنى صياغة مشروع عربي موحد و رسم استراتيجية خاصة وموحدة للأمن الجماعي كأداة للاستقرار في الإقليم، والذي لا يجد طريقةً إلى التجسيد مالم تتمتع كل وحدة على حدة بمستوى مقبول من الاستقرار الداخلي، إذن يتطلب ذلك الهدف، بأن تقوم كل دولة من دول الإقليم بأن تستعين بالأخرى؛ لمساندتها من أجل مواجهة التهديدات، وذلك بتوفير مستوى عالٍ من التعاون والتنسيق الأمني بين القوات المسلحة، والتبادل المعلوماتي بين الأطراف، بشكل يصبح له ثقل استراتيجي يساعد في بناء قدرات دفاعية مشتركة؛ فيربط بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية اتفاق دفاع مشترك، يجعل من أي عدوان على إحدى دوله عدوانًا على البقية، يستدعي حشدًا عسكريًّا.
  • ضرورة أن تكون تسوية أزمات المنطقة ذات أولوية قصوى يجب إنجازها في أقل وقت ممكن، انطلاقًا من حل الأزمة في اليمن، والعمل على توحيد صفوفه، وكذلك في سوريا ودعم السيادة على كامل أراضيها، بجانب ضرورة أن يكون هناك توافقًا مشتركًا بين جميع الدول العربية بشأن الإسراع بعودة سوريا إلى المحيط العربي، وتوحيد الجهود في ليبيا وطنيًا دون الانصياع لاستراتيجيات أجنبية، وتصفير الأزمة المتعلقة بقضية الصحراء المغربية لما يمكن أن تحمله من تداعيات، ودعم عودة العراق لمكانته المستحقة.
  • ضرورة حل القضية الفلسطينية، حيث بقاء هذه القضية دون حل عادل مستند إلى قرارات الشرعية الدولية يفضي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، لا يعنى فقط استمرار معاناة الشعب الفلسطيني، وإنما يعنى أيضاً استمرار مرحلة الاستنزاف لمقدرات وموارد شعوب منطقة الشرق الأوسط.
  • يجب تعزيز فاعلية جامعة الدول العربية في توحيد الصف العربي وتحقيق الوحدة المنشودة من قبل الشعوب العربية، وذلك بإعادة صياغة العلاقات العربية-العربية، ودعم المنظمات العربية المتخصصة التابعة للجامعة العربية.
  • يجب تنسيق الجهود والمواقف لتحقيق أقصى استفادة وطنية وقومية من التحولات الجيوستراتيجية الجديدة والتي ستمر بمخاض عسير، ما بين التوازنات مع الصين التي حضرت للمنطقة بقوة، وروسيا التي أطلقت شرارة تغيير موازين القوى، والمصالح مع الغرب التي لا يمكن أن تنقطع بحكم تاريخها وتشابكها الكبير والارتباط الوثيق بالمنطقة، لكن يجب أن تعاد هندستها، وهو ما يحتاج لحسابات دقيقة ومواقف عربية متناغمة ومتفاهمة بما يؤسس لقوة الشرق الأوسط الجديد.
مقالات لنفس الكاتب