array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 185

ميلاد توجه عربي جديد في قمة الرياض والسعودية مؤهلة لقيادة القطب العربي

الأحد، 30 نيسان/أبريل 2023

        أيام فقط وتحتضن المملكة العربية السعودية القمة العربية، بعد رئاسة جزائرية لفترة قصيرة (6 أشهر) عاد معها الحديث لفرص تحقيق الحلم العربي، المبني على العقل والمنطق بدل العواطف الجياشة، وإن كانت الأخيرة عاملًا مسهلًا لتحقيق الهدف.

قد تكون قمة الرياض، قمة نضج الفرص، التي صاحبت قمة الجزائر أيضًا، ولعل أهمها التحولات الاستراتيجية العالمية، التي يستطيع القادة العرب استغلالها، لوضع لبنة التأسيس لقطب عربي في عالم متعدد الأقطاب قيد التشكيل. لذلك يسلط هذا المقال الضوء على أهم هذه التحولات عشية هذه القمة، فهي فرص تاريخية، قد لا تتكرر، من أجل التحرر الاستراتيجي العربي، إذا حسن استغلالها.

أولًا-التحولات الإقليمية والعربية

        إن أهم تحول على الصعيد الإقليمي، يتمثل في بداية "تصفير المشاكل البينية" ذات البعد الإقليمي بين المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الإسلامية، وهذا البعد قد يخفي في طياته "بعدًا عالميًا" بالنظر للدور الذي لعبته الصين في إعادة العلاقات.

وقد تم الإعلان يوم 10 مارس 2023م، عن استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ عام 2016م، أي طيلة 7 أعوام من التوتر، بعد مبادرة من الرئيس الصيني شي جين بينغ الذي استضافت بلاده المباحثات بين الطرفين خلال الفترة من 6 إلى 10 مارس 2023م، ولم يتوقف الاتفاق عند إعادة العلاقات الدبلوماسية بل نص أيضًا على تفعيل اتفاقية التعاون الأمني الموقعة بينهما عام 2001م، وكذلك الاتفاقية الاقتصادية الموقعة عام 1998م.

الجغرافيا بين السعودية وإيران

يعتبر "تطبيع العلاقات" بين الرياض وطهران، حجر الزاوية في تسريع الحلول السياسية للمشاكل العربية خاصة تلك التي تكتسي بعدًا إقليميًا، وعلى رأسها الملف اليمني والسوري واللبناني وحتى الفلسطيني.

        وإذا كانت "الجغرافيا هي آلة لإشعال الحروب" كما قال المفكر الفرنسي إيف لاكوست، فإنها أيضا "آلة للأمن والتعايش في سلام"، فإيران ودول الخليج جيران جغرافيًا، ويتعين على دبلوماسية هذه الأطراف أن تحوّل الجغرافية لعامل قوة وازدهار وتعاون، ويبدو أن هذا هو التوجه حاليًا، خاصة أن إيران تعيش تحت خط التسديد الإسرائيلي، ويجرى الرهان على "تحسين العلاقات مع دول الخليج العربي" للحيلولة دون هجوم إسرائيلي / أمريكي محتمل.

وربما هذا ما يفسر، تزامن وتوازي تسريع الحل السياسي للأزمة اليمنية مع الاتفاق على إعادة العلاقات السعودية / الإيرانية، حيث في الوقت الذي كان فيه وفد سعودي في إيران يوم 8 أبريل 2023م، لبحث حيثيات فتح السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد، كان وفد من الحوثيين (الواقعين تحت دائرة التأثير الإيراني)، يستقبل وفدًا سعوديًا / عمانيًا لبحث سبل إنهاء الحرب بشكل دائم، وبعدها مباشرة بدأت عملية تسليم الأسرى بين "الإخوة اليمنيين" بتاريخ 14 مايو 2023م.

وهناك حقيقة أخرى، لم يلتفت إليها الإعلام العربي بالتحليل اللازم، وهي أنه بعد التقارب السعودي / الإيراني، أجرى الرئيس الإيراني اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون يوم 9 أبريل 2023م، وهي المرة الأولى منذ سنوات، حيث رغم أن العلاقات الجزائرية / الإيرانية ممتازة سياسيًا وتاريخيًا، إلا أنه بسبب توتر العلاقات بين إيران ودول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، دخلت العلاقات الجزائرية الإيرانية مرحلة "جمود صامت"، ولم تحدث لا زيارات ولا استثمارات، مما يعاكس تمامًا اتهام الكثير من المحللين الجزائر باصطفافها مع إيران ضد أشقائها العرب.

        وبدون شك فإن القمة العربية في الرياض، بمقدورها أن تحصد ثمار التقارب الإيراني / السعودي بخصوص الملف اليمني، وملفات أخرى منها الملف الفلسطيني.

سوريا: زلزال طبيعي وارتدادات سياسية

        إن الملف السوري، هو واحد من أهم الملفات التي كرست الشرخ العربي، بين من يعتبر "الربيع العربي ثورة" ومن يعتبره "مؤامرة"، وقد انعكس ذلك بشكل جلي على دمشق، حيث تم تجميد عضويتها في الجامعة العربية عام 2011م، بين مؤيد ومعارض، مع السعي لمنح مقعدها للمعارضة بين مؤيد ومعارض أيضًا. وفي النهاية لا دمشق حافظت على مقعدها ولا المعارضة جلست على هذا المقعد، مقابل انهيار الوضع في البلاد وتعرضها المستمر للعدوان الصهيوني، فضلاً عن الوجود العسكري الأجنبي الروسي والإيراني.

        وتعد الجزائر واحدة من الدول الشديدة التأييد لنظام بشار الأسد، وقد سعت جاهدة لكي تعود دمشق إلى الجامعة العربية خلال القمة التي استضافتها يوم 1 نوفمبر 2022م، لكنها لم تفلح.

        وبعد الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا شهر فبراير 2023م، وجد الشعب السوري تقريبًا نفسه بدون مساعدات إنسانية، مقارنة بالشعب التركي، حيث كان الرئيس رجب طيب أردوغان يتباهى بالإعلان عن المساعدات الدولية وعن عدد الدول المشاركة في عمليات الإنقاذ، حتى هب "الإخوة العرب" من جزائريين وسعوديين وقطريين وإماراتيين وغيرهم لنجدة إخوانهم السوريين، وكان ذلك درسًا قاسيًا للجميع، وبذلك يمكن القول إن الزلزال الطبيعي أحدث ارتدادًا سياسيًا على علاقة الدول العربية مع الدولة السورية.

والحقيقة أنه قبل ذلك كانت عمليات التقارب جارية بين دمشق وعواصم عربية أخرى، قبل أن يحدث التقارب السعودي / الإيراني ليلعب دورًا مكملاً وربما مسرّعًا، بسبب نشأة "شبه تحالف" بين طهران ودمشق ما جعل سوريا شبه معزولة عن المجموعة العربية.

لذلك، وبالموازاة مع التقارب السعودي / الإيراني، عادت العلاقات بين دمشق وتونس، وقام وزير خارجية سوريا بزيارة للرياض وبعدها القاهرة، وغيرها من الزيارات، قبل اجتماع جدة التي جمعت دول الخليج إلى جانب العراق ومصر والأردن يوم 14 أبريل 2023م، لبحث ملف عودة دمشق للجامعة العربية، وهو ما خلصت إليه إلى جانب قرارات أخرى.

        وفي ذات السياق، ليس مستبعدًا، أن يستفيد لبنان من التقارب السعودي / الإيراني، وقد تصل القمة العربية إلى ما يشجع اللبنانيين على حل مشاكلهم السياسية أولاً بانتخاب رئيس جديد للبلاد، بعد بقائها منذ نهاية عهد ميشال عون شهر نوفمبر 2022م، أي طيلة 7 أشهر كاملة بدون رئيس دولة.

وبذلك يبدو أن أمام قمة الرياض العربية فرصة جديدة وثمينة للّم الشمل العربي، لتحقيق أهداف استراتيجية أخرى، كما نوضحه لاحقًا.

القضية الفلسطينية رهينة الأوضاع

        في سياق التحولات العربية، وتحديدًا القضية الفلسطينية، وبين قمة الجزائر 2022م، وقمة الرياض 2023م، شهدت القضية الفلسطينية تطورًا خطيرًا، بتمادي الكيان الصهيوني في انتهاك المقدسات وزيادة في وتيرة القتل والاعتقالات، وبناء المستوطنات، ولم تنفع العرب مع الكيان الصهيوني لا اتفاقات أوسلو، ولا عمليات التطبيع ولا اتفاق أبراهام، ولا الاجتماعات التنسيقية الأمنية في الأردن ومصر.

        بل أن الولايات المتحدة "بخلت على الفلسطينيين" حتى بإصدار بيان يدين إسرائيل في مجلس الأمن.

        والدليل الواضح على فشل التطبيع ما يحدث من انتهاكات للأقصى، وعن الوضع المتفجر في السودان منذ يوم 15 أبريل 2023م، بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني رغم التطبيع مع إسرائيل الذي جرى تسويقه على أنه حل لجميع مشاكل السودان.

        صحيح أن القضية الفلسطينية لا تحل بين يوم وليلة، لكن "تصفير" مشاكل البلدان العربية من جهة، وتحسين العلاقات الثنائية، سيمكّن من إعطاء نفس جديد للقضية الفلسطينية.

        وبالمقابل تعيش دولة الكيان الصهيوني، حالة من الاضطراب، ليس داخليًا فقط، بل حتى في علاقاتها الدولية، لاسيما مع موسكو، وحتى واشنطن.

        لذلك نعتقد أن قمة الرياض أمامها الفرصة من أجل إعطاء دفع يقوّى قرارات قمة الجزائر بخصوص المصالحة الفلسطينية، وكذلك بخصوص البلدان العربية التي لم تعرف الاستقرار بعد، خاصة ليبيا والسودان بعد حلحلة الملف اليمني.

ثانيًا – تحولات العلاقات الدولية للمجموعة العربية

تنعقد قمة الرياض العربية أيضًا في ظل تحولات بارزة للعلاقات الدولية للمجموعة العربية، خاصة في العلاقات الدولية للمملكة العربية السعودية مع الدول الكبرى، التي تؤشر إلى نمو فكر عربي جديد في رسم السياسات والدفاع عن المصالح.

التوجه شرقًا وحتمية تقوية الجبهة العربية

في هذا السياق، يمكن الإشارة، إلى تعزيز العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج مع الصين على وجه التحديد، وتجسد ذلك في محطتين على الأقل، تتمثل المحطة الأولى في انعقاد قمة الرياض "الخليجية العربية الصينية" يوم 9 ديسمبر 2022م، وخلصت إلى بيان ختامي من 24 نقطة أهمها تعزيز التعاون بين العرب والصين.

يحدث هذا رغم أن العلاقات الاستراتيجية التاريخية تربط دول الخليج بصفة عامة مع الولايات المتحدة، وجاءت قمة الرياض هذه في ظل توتر العلاقات بين واشنطن وبيكين، ما يعني أن دول الخليج ليست "تابعًا أعمى" لواشنطن.

أما المحطة الثانية التي أسالت كثيرًا من حبر المحللين، فهي الوساطة الصينية بين الرياض وطهران والتي سرعت عملية إعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وقد فسر كثير من المحللين هذا الحدث باختراق صيني لمعقل أمريكي.

إلى جانب هذا التحول في العلاقات الصينية / الخليجية بصفة عامة والسعودية بصفة خاصة، هناك تحول آخر، يتمثل في تحسن متسارع وملحوظ في العلاقات العربية الروسية، وخاصة العلاقات الخليجية / الروسية، ونلمس هذا التحول في محطتين على الأقل:

تتمثل المحطة الأولى في الموقف العربي المحايد تجاه الحرب الروسية / الأوكرانية، وهو موقف ثمنته موسكو أكثر من مرة على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذا على لسان وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، لكن ذلك الموقف، خاصة بالنسبة لدول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية يشكل غصة بالنسبة لواشنطن، التي تكون قد راهنت على الدعم المادي الخليجي لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

أما المحطة الثانية المهمة أيضًا في العلاقات العربية وخاصة الخليجية / الروسية، فتكمن في بناء تحالف طاقوي قوي يضم دول الأوبك وروسيا، ويعرف باسم "أوبك+"، وتعد السعودية وروسيا أهم دولتين منتجتين للبترول في أوبك+ وعلى الصعيد العالمي أيضًا، وبعد أن ظلت واشنطن لحقب زمنية طويلة تتحكم في توجهات أوبك في تحديد أسعار الطاقة العالمية، لم تعد أصوات واشنطن تلقى آذانًا صاغية داخل دول الأوبك، ويعد التخفيض الطوعي لدول الأوبك+ لإنتاج النفط بمقدار مليون برميل يوميًا (500 ألف برميل لدول الأوبك و500 ألف لروسيا) بتاريخ 2 أبريل 2023م، ضربة موجعة للغرب وعلى رأسها واشنطن، ويضاف ذلك للقرار المتخذ شهر أكتوبر 2022م، القاضي بتخفيض الإنتاج بنحو 2 مليون برميل يوميًا للحفاظ على استقرار السوق.

لكن التوجه العربي شرقًا، الذي يعتبر قرارًا شجاعًا للدفاع عن المصالح العربية، بحاجة لتقوية الجبهة العربية، خاصة إذا كانت الدول الغربية وعلى رأسها واشنطن تنظر إليه بعين الريبة، وهي فرصة أمام القمة العربية بالرياض.

مجموعة البريكس: قطب عالمي قيد التشكل

        في سياق الشرح السابق، يمكن أن نضيف سعي عدة دول عربية إلى الانضمام لمجموعة البريكس، وحسب المعلومات المتداولة فإن هناك على الأقل أربع دول طلبت الانضمام للمجموعة هي الجزائر ومصر والسعودية والإمارات.

        وبالنظر لكون مجموعة البريكس تضم دولا من أهم خصوم واشنطن بصفة خاصة والغرب بصفة عامة، فإن طلب الجزائر الانضمام لهذه المجموعة يعتبر أمرًا طبيعيًا، بالنظر لعلاقاتها التاريخية مع دول المجموعة، لكن طلب دول الخليج وعلى رأسها السعودية الانضمام لهذه المجموعة، يعتبر أمرًا ذا دلالة كبيرة.

        ويضاف إلى هذا كله، أن إيران، وبتحصيل حاصل، أصبحت ضمن دول المجموعة، ما يفسر في أحد جوانبه، الوساطة الصينية بين طهران والرياض.

        ولا يمكن أن نغفل عن هذا، مشاركة كل من إيران والسعودية في لقاءات منظمة شنغهاي للتعاون، وهي تقريبًا مكمّلة لمجموعة البريكس، وكانت الرياض قد أعلنت بتاريخ 29 مارس 2023م، انضمامها للمنظمة بصفة "شريك في الحوار".

        تشير هذه المعطيات، إلى ميلاد توجه عربي عالمي جديد، يمكن أن تؤسس له قمة الرياض، وتوجد السعودية في وضع يؤهلها لقيادة قطب عربي، رفقة عدد من الدول العربية، في عالم متعدد الأقطاب، مستفيدة من النهضة الاقتصادية والتنموية الملفتة التي أحدثها ولي العهد محمد بن سلمان، غير أن ذلك يبقى مرهونًا بالوضع العربي الداخلي الذي يتعين على قمة الرياض العربية أن تضيف له لبنة أخرى لتعزيز قرارات قمة الجزائر.

ثالثًا-التحولات العالمية: فرصة العرب الثمينة

        في الحقيقة لا يمكن فصل التحولات العالمية عن التحولات الإقليمية والعربية، حيث تنعقد قمة الرياض العربية في ظرف دولي شديد التعقيد، لكنه ينبئ بتحولات خطيرة أكثرها تشاؤمًا نشوب حرب عالمية ثالثة لكنها حرب نووية، وأكثرها تفاؤلا إنشاء عالم متعدد الأقطاب أو ثنائي القطبية على الأقل، بعد هيمنة القطب الغربي لمدة 30 سنة على الأقل كان فيه العالم العربي والإسلامي أكثر الخاسرين، بدليل عدد الحروب والأزمات التي حدثت فيهما.

        ومنه يمكن القول إن نشوء عالم متعدد الأقطاب، سيكون مفيدًا للعرب، إذا حسن استغلال الفرص الراهنة، وعلى رأس المتغيرات الدولية ثلاث حالات بارزة:

حالة أوكرانيا والحياد العربي

حددت موسكو لحربها في أوكرانيا أهدافًا تجعلها مستعدة لاستعمال السلاح النووي من أجل تحقيقها، أهمها إبعاد حلف الناتو عن التموقع على مقربة منها، وتعتبر الانتصار في الحرب مسألة حياة أو موت بالنسبة لها، وحددت لها واشنطن ومن ورائها الغرب أهداف لاستنزاف روسيا وإضعافها، وتعتبر انتصار أوكرانيا مسألة مصيرية بالنسبة للغرب برمته، لذلك أغدق الغرب كله أوكرانيا بالمال والسلاح، وواشنطن مستعدة للرد بالسلاح النووي إذا استخدمته موسكو.

ما يعني أن حالة العالم قبل الحرب في أوكرانيا وبعدها لن يكون نفسه. ويتعين على العرب استغلال الفرصة لموقع أفضل، والبداية كانت بإعلان الجامعة العربية حياد العرب في هذه الحرب.

وخلال القمة العربية المنعقدة بالجزائر يوم 1 نوفمبر 2022م، بعث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رسالة للقمة أشار فيها إلى مقدرة العرب على أن "يكونوا قطبًا في عالم متعدد الأقطاب قيد التشكيل."

الحالة الثانية:"أكرنة" تايوان .. انشغال أمريكي

أما الحالة الثانية، فتتمثل في التوتر بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان، وهي حالة تشبه أوكرانيا إلى حد بعيد، حيث ترغب الولايات المتحدة في جرّ الصين إلى حرب في تايوان كما جرّت الروس إلى الحرب في أوكرانيا، بهدف استنزافها وإضعافها.

لكن "أكرنة تايوان" عجّلت بتعزيز العلاقات بين الصين وروسيا، وهي علاقات ترتقي لمستوى التحالف، وإذا كانت روسيا قد حسمت موقفها المؤيد للصين، فإن الصين تتعامل مع الحرب في أوكرانيا وكأن موقفها محسوم لصالح موسكو، بدليل أن المبادرة التي عرضتها لحل الأزمة جوبهت بالرفض من طرف أوكرانيا وعموم الغرب بحجة أنها تخدم الطرح الروسي.

وبسبب "أكرنة تايوان" زاد سباق التسلح في المنطقة، لاسيما كوريا الشمالية التي بادرت بإطلاق التجارب للعديد من الصواريخ الباليستية منها العابرة للقارات، وتحرك القوات الأمريكية باتجاه المنطقة، فضلًا عن المناورات الصينية المستمرة، وصولًا لإصدار الرئيس الصيني أوامر للجيش بالاستعداد للقتال الفعلي.

هذا الوضع أقلب الاهتمام الأمريكي رأسًا على عقب، حيث أصبح مركزًا على الصين أكثر من تركيزه على منطقة الشرق الأوسط، ما يساعد على التحرر الاستراتيجي العربي.

الحالة الثالثة: الارتباك الأوروبي

إذا كانت أوروبا قد حسمت موقفها من الحرب في أوكرانيا، حيث تجندت جميعها في الصف الأوكراني، رغم الانعكاسات السلبية للحرب على أوروبا في مجال الطاقة خصوصًا، فإن أوروبا مرتبكة بخصوص تحديد الموقف من سعي الولايات المتحدة نحو "أكرنة تايوان" وجر أوروبا للمستنقع التايواني كما جرتها للمستنقع الأوكراني.

وخلال زيارته للصين في الفترة 5-7 أبريل 2023م، أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عدة تصريحات تدعو أوروبا إلى التحرر الاستراتيجي من التبعية للولايات المتحدة، وحث أوروبا على عدم خوض حروب ليست حربها، وواضح أنه يقصد "تايوان" لكن ذلك لا يستثني "أوكرانيا" ضمنيًا، وقد جدد الرئيس الفرنسي نفس الموقف خلال زيارته لهولندا يوم 11 أبريل 2023م، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ عام 2000م، وخلفت ردود فعل متباينة لاسيما في أوروبا. للإشارة فإن إيمانويل ماكرون هو نفسه الذي سبق وأن أطلق تصريحات حول "الموت السريري لحلف الناتو" بتاريخ 7 نوفمبر 2019 في حوار مع مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية.

ويعكس هذا الموقف حالة عدم اليقين في المعسكر الغربي، وقد يمس تماسكه على المدى القريب، تبعًا لتطور الأحداث.

في انتظار رئاسيات أمريكا وتايوان

        إن مجرى الأحداث يشير إلى أن العالم قيد التحول الاستراتيجي ما في ذلك شك، فمن المستحيل أن يبقى الوضع تحت الهيمنة الغربية بعد حرب أوكرانيا والتوتر في التايوان التي ليس مستبعدًا أن تنحدر بدورها نحو حرب مدمرة، لكن مستقبل هاتين الأزمتين قد يعرف التحول بناء على نتائج الانتخابات الرئاسية في كل من أمريكا وتايوان.

        ففي حال تمكن الرئيس ترامب من تجاوز قضيته مع العدالة وترشح للرئاسيات وفاز بها، فإن موقف واشنطن من الحرب في أوكرانيا سيتغير جذريًا، لأن ترامب هو الذي صرح بأنه سيحل المشكل في 24 ساعة. والهدف هو التفرغ إلى الصين، الذي جعلها على خط التسديد خلال فترة رئاسته لأمريكا، ما يعني احتمال زيادة التوتر بين الصين وتايوان وبين الصين والولايات المتحدة.

        لكن في حالة فوز الرئيس الحالي جو بايدن بولاية ثانية، فإن الحرب ستزداد حدة وخطورة وتفتح مصير العالم على كل الاحتمالات.

أما الانتخابات الثانية، فهي تلك التي تجري في تايوان، ففي حال فوز التيار الوحدوي مع الصين قد تتغير المعادلة، والعكس صحيح، وفوز التيار الوحدوي ليس مستبعدا بدليل فوزه في الانتخابات التشريعية على حساب حزب رئيسة تايوان الحالية الميالة نحو الانفصال.

إذ تجدر الإشارة إلى فوز حزب كوميتانغ المعارض المقرب من الصين بالتشريعيات التي جرت يوم 26 نوفمبر 2022، وأدى إلى استقالة رئيسة تايوان تساينغ ون من زعامة الحزب الحاكم، ويحتمل أن يعزز هذا الفوز مواقعه في رئاسيات 2024.

في المحصلة

        في المحصلة يمكن القول، إن الوضع العالمي عشية قمة الرياض العربية، مضطرب للغاية، ما يجعل التركيز الدولي منصبًا على أوكرانيا والصين، ويمكن استغلاله لترميم الوضع العربي.

كما أن القمة العربية القادمة بالرياض يوم 19 مايو الحالي، ستنعقد في ظل واقع دولي شديد الحساسية، ينبئ بالتوجه نحو إعادة تشكيل العالم، وهو ما يعطي فرصة للعرب بالتموقع في عالم متعدد الأقطاب، بعيد عن التبعية للقطب الشرقي أو الغربي.

ويتوقف هذا على حسن استغلال الفرص بإعادة بناء البيت الداخلي العربي، وتكثيف الجهود لحل جميع الأزمات الداخلية، بالسرعة اللازمة.

صحيح أن العديد من الدول العربية اليوم في وضع هش سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، لكن ينبغي الانطلاق في إعادة البناء بما توفر من قدرات.

إنها فرص تاريخية، قد لا تتكرر، من أجل التحرر الاستراتيجي العربي.

مقالات لنفس الكاتب