array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 182

7 ملاحظات على والوثيقة تتطلب مناقشتها لتحويلها من مجرد فكرة لشراكة استراتيجية

الإثنين، 30 كانون2/يناير 2023

في شهر مايو الماضي أصدرت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسية والأمنية ما يعرف بالبيان المشترك الموجَه للبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي بشأن الدخول في "شراكة استراتيجية مع الخليج" بهدف توسيع وتعميق التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون. الوثيقة تقترح قيام شراكة قوية في عدة مجالات وتتضمن جملة من المقترحات العملية للاتحاد الأوروبي ودول المجلس للانتقال من مرحلة التعاون الذي بدأ في 1989م، إلى مستوى شراكة استراتيجية. الشراكة-حسب الوثيقة-تتناسب مع ما شهدته العلاقات بينهما من تطورات وتستجيب للتطلعات والتحديات الدولية الراهنة بما يخدم مصالحهم المشتركة مع التركيز على تحقيق نتائج ملموسة. 

تتضمن الوثيقة مقدمة وخمسة أقسام وخاتمة أكدت فيها المفوضية على ضرورة استخدام كافة الأدوات المتاحة من أجل ضمان التحقيق الفعال والسريع لهذه الشراكة الاستراتيجية. المقدمة تحدثت عن أهمية منطقة الخليج للاتحاد الأوروبي والارتباط بين أمنه واستقراره وبين أمن دول الاتحاد، كما بيَنت أهمية الأخير لدول الخليج حيث يمثل أكبر سوق وكتلة استثمارية موحدة ورائد في البحث والابتكار وداعم للتعددية وللتحولات الاجتماعية بما يخدم حقوق الإنسان.

ولكن مبررات الدخول في شراكة استراتيجية لا تقتصر على المصالح الثنائية للطرفين، بل تتجاوزها إلى أهمية التحرك المشتركة للمساهمة في مواجهة التحديات الكبيرة والمتعددة التي يشهدها النظام الدولي سواء تعلقت بالطاقة أو البيئة أو الأمن والاستقرار. الوثيقة جعلت المجال متاحاً لدخول بقية الدول الخليجية المحورية (العراق، إيران) للدخول في هذه الشراكة مستقبلاً.

  في القسم الأول المعنون شراكة من أجل الازدهار ركزت الوثيقة على جميع ما يتعلق بالتعاون الاقتصادي والتبادل التجاري والاستثمار المشترك. أما القسم الثاني والذي جاء تحت عنوان شراكة من أجل التحول الأخضر وأمن الطاقة المستدامة فقد خٌصص لكل ما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة والبيئة وقضايا التغير المناخي ودعم تطوير الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وإنتاجها.

القسم الثالث من الوثيقة وعنوانه شراكة من أجل الاستقرار الإقليمي والأمن العالمي تحدث عن مسؤولية واستعداد الاتحاد الأوروبي في دعم جهود اجراءات بناء الثقة وتطوير منظومة أمنية جماعية تحقق الأمن لكافة دول الخليج. كما تطرق هذا القسم إلى مسائل الأمن البحري، والسلامة النووية، ومكافحة الإرهاب، والأمن السيبراني، وأهمية مشاركة الاتحاد الأوروبي دول المجلس بخبراته في هذا الشأن. الوثيقة أشارت إلى النشاط المتنامي لدول المجلس في قضايا الأمن الإقليمي وثمنت جهودها للتوسط لحل عدة نزاعات إقليمية، وأكدت أن هذا يعد مجالاً لتحرك مشترك بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي.

 القسم الرابع من الوثيقة جاء تحت عنوان شراكة إنسانية وإنمائية عالمية وأشار إلى أن دول المجلس تعد من أكبر المانحين للمساعدات الإنسانية ويقترح حواراً خليجياً أوروبياً لوضع المساعدات الإنسانية ضمن منهج شامل يربط بينها وبين التنمية والسلام.

لم يكن البعد الاجتماعي غائباً عن الوثيقة حيث خصصت له قسم تحت عنوان شراكة من أجل المواطنين تحدثت فيه عن مشاريع التحول الطموح التي تعيشها دول المجلس وما لها من آثار اجتماعية على الحقوق وأكدت ضرورة الدخول في حوارات شاملة مع دول المجلس حول حقوق الإنسان وحوار الأديان بما يعزِز الأخوة الإنسانية، إضافة إلى تسهيل سبل التواصل و التبادل التعليمي والثقافي من خلال التخفيف من إجراءات السفر لمواطني المجلس.

آخر أقسام الوثيقة كان تحت عنوان شراكة مؤسسية أقوى وتضمن مقترحات عملية من بينها عقد قمة أوروبية مع دول المجلس، إضافة إلى تنظيم اجتماعات وزارية قطاعية، وحوار سياسي، وافتتاح مكاتب لبعثات الاتحاد في مختلف دول المجلس.

ما يميز الوثيقة ويؤكد حرص المفوضية على تحقيق الشراكة هو جملة التوصيات action points التي وضعتها في نهاية كل قسم وتتضمن خطوات عملية للشراكة.  ويلاحظ هنا أن أكثر هذه الخطوات يتمثل في الدخول في حوارات مع دول المجلس حول القضايا المختلفة، ولا شك أن هذا يعكس إدراكًا من المفوضية أن كثيراً من القضايا التي تضمنتها الوثيقة بحاجة إلى بحث مفصّل من أجل الوصول إلى مرئيات مشتركة حولها قبل البدء في تنفيذ أي إجراءات.

وتبقى هذه الوثيقة مجرد مقترح من المفوضية بحاجة ليس فقط لموافقة مجلس الاتحاد والبرلمان الأوروبي، ولكن استعداد مجلس التعاون للدخول في الشراكة الاستراتيجية المقترحة وهو ما يعني أننا لا نزال في مرحلة أولية للارتقاء بعلاقات التعاون الحالية إلى مستوى الشراكة.

الأمانة العامة لمجلس التعاون رحبت بالبيان حال صدوره حيث أكد الأمين العام حرص المجلس على تعزيز الشراكة الاستراتيجية الخليجية الأوروبية في كافة المجالات. ترحيب الأمين العام يعد خطوة لفتح المجال في الأمانة والدول الأعضاء لإجراء جولات حوار داخلية حول الوثيقة وما تضمنته من مقترحات لتكوين تصور خليجي حول الشراكة مع الاتحاد الأوروبي في حال كان هناك قناعة بها.

وهنا نطرح جملة من التساؤلات والملاحظات التي نأمل أن تسهم في تأسيس تصور خليجي للشراكة الاستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي:

  1. إن أي شراكة تقتضي وجود طرفين لديهما قناعة مشتركة بضرورة الارتقاء بالعلاقات بينهما إلى مستوى الشراكة وما يترتب عليها من استحقاقات ومسؤوليات.
  2. هل هناك اليوم تعاون بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون تجاه القضايا الاستراتيجية لكل طرف (البرنامج النووي والتدخلات الإيرانية والصراع في اليمن بالنسبة لدول المجلس، والحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة بالنسبة للاتحاد الأوروبي)؟
  3. بدون بنية مؤسسية تمنح الشراكة صفة الاستدامة (اجتماعات دورية على مستوى القمة والوزراء ولجان وآليات عمل مشتركة وتقييم مستمر) سيبقى ما تضمنته الوثيقة من توصيفات ومقترحات مجرد تطلعات.
  4. بالنظر إلى ما يعيشه الاتحاد الأوروبي من أوضاع خاصة بعد حرب أوكرانيا وما يتعرض له من تجاذبات والدور المهيمن للناتو والولايات المتحدة هل تعتبر دول المجلس الاتحاد شريكاً استراتيجياً؟
  5. هل يمكن بناء شراكة استراتيجية على ركيزة واحدة فقط (المصالح المشتركة) دون وجود قيم مشتركة تستند إليها. الشراكات الاستراتيجية التي أقامها الاتحاد الأوروبي مع عدد من الدول والمنظمات الإقليمية تُظهر أن غياب القيم المشتركة يمثل عجزاً رئيساً يحول دون تحقق هذه الشراكات على أرض الواقع. ولذلك يبدو أن هذه المسألة ستمثل الإشكالية الرئيسة في تحقيق شراكة استراتيجية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون في ضوء التباين الكبير جداً في الرؤى والمفاهيم بشأن القيم السياسية وقضايا حقوق الإنسان.
  6. يلاحظ على الوثيقة أنها في أكثر من موضوع تتحدث عن شراكة مع مجلس التعاون ودوله وهنا نقع أمام إشكالية يبدو أن الطرف الأوروبي لا يتوقف عندها كثيراً وتتمثل في العلاقات الجماعية مع المجلس كمنظمة إقليمية والعلاقات الفردية مع الدول الأعضاء وكيفية ضمان الانسجام بينهما. بمعنى لو أن الاتحاد الأوروبي دخل في شراكة استراتيجية عميقة مع إحدى الدول الأعضاء في المجلس وحدث توافق تام معها حول ملف معين، في حين أن بقية دول المجلس لديها موقفًا مختلفًا تجاه هذا الملف، كيف سيكون مصير الشراكة؟
  7. عُنوِن البيان بـ شراكة استراتيجية مع الخليج وهو ما يشير إلى أن جميع دول الخليج ومن ضمنها إيران والعراق مستهدفة بهذه الشراكة، وقد تمت الإشارة صراحة لذلك في متن الوثيقة (اشتراك بقية الدول الخليجية المحورية في الشراكة" ما يعني أن الشراكة مع دول المجلس ليست سوى مرحلة أولية لشراكة استراتيجية أوسع. ويبقى هذا أملاً، إلا أنه لا يعكس نظرة واقعية بالنظر إلى عمق الخلاف بين دول المجلس والنظام الإيراني.

مثل هذه الملاحظات والتساؤلات تؤكد الحاجة لمناقشات مستفيضة حول الشراكة الاستراتيجية والتي لا تزال مجرد فكرة، إلا أن الوثيقة توفر أرضية لنقاش عميق يسهم في بناء شراكة على أسس واقعية، ولذلك تتبين أهمية مبادرة مركز الخليج للأبحاث لعقد اثنتي عشرة حلقة نقاش (Webinars) حول الوثيقة ومجالات التعاون المقترحة بمشاركة مسؤولين وخبراء من الاتحاد الأوروبي ودول المجلس. 

وقد تيسّر لي الاستماع لما دار من نقاشات عميقة في اللقاءات الأولى أظنها تمثل إضافات فكرية ضرورية للوصول لتصور مشترك حول ترقية العلاقات الخليجية الأوروبية بما يخدم مصالح الطرفين والأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة والدفع باتجاه تعددية مسؤولة في العالم.

مقالات لنفس الكاتب