array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 168

الثقافة الخليجية من نافذة معرض الكتاب بالرياض

الأحد، 28 تشرين2/نوفمبر 2021

الثقافة في دول مجلس التعاون الخليجي موروث قديم منذ أن تواجد العرب في شبه الجزيرة العربية، وسجل التاريخ الموروث الثقافي العربي بكل فخر، وما المعلقات الشعرية الخالدة، وسوق عكاظ إلا مجرد  لمحات من معالم تاريخية شاهدة على الموروث العربي ، وقد سجل الشعر" ديوان العرب" الملاحم العربية الخالدة ووثق للشجاعة والحروب والانتصارات ومختلف المناسبات، وكان اللسان العربي القويم أهم أداة معبرة عن هذا الموروث الثقافي والحضاري  العربي القديم، وكل ذلك يؤكد أن حياة البداوة كانت ثرية جدًا ومليئة بالعطاء الثقافي، بل سبق العرب كافة الحضارات التي كانت سائدة في ذلك الوقت بتسجيل تاريخهم وثقافتهم عبر شعر فصيح، مازال يشهد على الحضارة العربية القديمة الزاهرة، ويؤصل لثقافة عربية خالصة، انتشرت في جميع أصقاع العالم.

وجاء دين الله الإسلام ونزل القرآن الكريم في جزيرة العرب بلغة العرب ليكون كتاب الله الخالد القويم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه إلى يوم القيامة وبلسان عربي مبين، وبلغة قوم سادوا الأرض وعمروها، وبلغة أهل الجنة في الآخرة، وبذلك فإن الثقافة عند العرب أصيلة ومتأصلة وليست عابرة، أو طارئة، واستمرت الحضارة العربية عبر ثقافة ناضجة وواعية ومعتدلة ووسطية تستمد روافدها من الدين الإسلامي الحنيف الذي أسس للوسطية وقبول الآخر والتعامل معه والاستفادة من العلم حتى لو كان في الصين، واعتبر الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها، لتضيء للبشرية عقولاً كانت أسيرة الظلام في الغرب والشرق حتى أقاصي الأرض.

ومازالت الثقافة العربية الأصيلة متجذرة ومتعددة الأشكال ولعل هذا ما أكده معرض الرياض الدولي للكتاب الذي نظمته وزارة الثقافة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من 1إلى 10 أكتوبر 2021م، بمدينة الرياض وشاركت فيه ألف دار نشر من 28 دولة، إضافة إلى تنظيم عشرات الندوات الثقافية، والأمسيات الشعرية، والمحاضرات التي أثرت الفعالية وحولت المعرض إلى منصة ثقافية متكاملة، ومنبرًا للفكر وتفاعل للثقافات، وزاد من ثراء هذه الفعاليات اختيار جمهورية العراق الشقيقة ضيف شرف المعرض وشارك منها أكثر من 50 مثقفًا وأكاديميًا ومبدعًا في مجالات الفكر والثقافة والشعر والرواية والمسرح، وغيرها.

حيث كشفت هذه الفعاليات والأنشطة عن الوجه الجاد والحقيقي للثقافة في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي والجهود التي تبذلها المؤسسات الحكومية وتنتجها العقول المبدعة النيرة، وجاء ذلك في احتفالية ثقافية كبرى استقطبت رموز الفكر والثقافة والأدب والشعر والموسيقى والمسرح من كافة أنحاء المملكة والدول الخليجية والعربية والعالمية، ومن بينهم ضيف الشرف؛ دولة العراق الشقيقة، ولقد أحسنت المملكة ممثلة في سمو الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود وزير الثقافة ورئيس مجلس إدارة هيئة الأدب والنشر والترجمة في التخطيط والتنفيذ لهذا الحدث الهام الذي أظهر الوجه الثقافي للمملكة من خلال احتفالية ثقافية وفكرية متعددة .

ولقد تشرف مركز الخليج للأبحاث بالمشاركة في تنظيم هذه الفعاليات خاصة الندوات الثقافية، ولقد سعد المركز بنجاح هذه الفعاليات التي حولت أروقة المعرض إلى ورش عمل وحلقات نقاشية مثمرة وتفاعلية بين المثقفين والجمهور السعودي من الجنسين، برعاية وزارة الثقافة وهيئة الأدب والنشر والترجمة التي كانت على مستوى الحدث، وفق رؤية متكاملة وإعداد جيد وبمشاركة شباب وطني على قدر كبير من الدراية والهمة والروح الوطنية الوثابة؛ ما جعل التنظيم ناجحًا رغم كثافة الحضور، وعدد دور النشر المشاركة.

ولقد شهد المعرض وفعالياته تفاعل المثقفين والأكاديميين العراقيين مع محيطهم العربي، ورغبتهم في العودة إلى الحضن العربي خاصة الانفتاح على السعودية، والعودة إلى التواصل الثقافي والإنساني، حيث الامتداد الطبيعي للتواصل القديم مع المملكة العربية السعودية من قبل التاريخ، وتماهي الثقافات والحضارات القديمة شمال المملكة وجنوب العراق، وأكدت الندوات أن الثقافة والحضارة بكل مفرداتها لا يمكن فصلها أو انكفائها داخل حدود الدولة الحديثة.

وما قدمه معرض الرياض للكتاب، وما ترتب عليه يعزز التفكير في تكرار هذه الفعاليات وتنظيمها بشكل دوري مع التنويع في المشاركات واستضافة الدول ضيوف الشرف، ليكون رافدًا من روافد الثقافة العربية لتعزيز مفهوم هذه الثقافة وإعادة اكتشاف الإرث العربي العظيم في مواجهة انتشار ثقافة شبكات التواصل الاجتماعي العابرة للحدود والتي تستهدف في كثير من الأحيان طمس الهوية العربية، وكذلك القراءة الإلكترونية التي تفرض العزلة على الشباب والانكفاء والابتعاد عن الجذور، وعن المحيط العربي.

ومن المشاهد المهمة التي تميز بها معرض الرياض للكتاب هو الحضور المشرف للعنصر النسائي السعودي، وتجلى ذلك في المشاركة والتفاعل مع الندوات الثقافية والأمسيات الشعرية بما يؤكد أن المرأة السعودية تخوض غمار الحياة الحديثة في العمل والثقافة والتعليم بكل جدية وندية مع الرجل، وهي مسلحة بالعلم والمعرفة، وإنها تستطيع أن تقدم للمجتمع الكثير وأن تكون أمًا ناضجة ومسؤولة عن أجيال  واعية، ومن الملفت أيضًا أن الحكومة في المملكة توظف الذكاء الاصطناعي في مجالات كثيرة ومنها على سبيل المثال تطويع ؛ الذكاء الاصطناعي للغة العربية ،وبرمجة الحاسوب للتعامل معها لتكون لغة عالمية في مجال العلم جنبًا إلى جنب مع اللغة الإنجليزية.

إن معرض كتاب الرياض، تجربة ثقافية ناجحة وملهمة قدمت الكثير من الفعاليات واستضافت الكثير من الشخصيات من دول عديدة، ومركز الخليج للأبحاث إذ يفخر بمشاركته، يأمل في تكرار هذه التجربة الناجحة كثيرًا في وطن ينهض بشكل سريع ومتنامي من أجل غد أفضل، وهو يتفاعل مع جواره ومنفتح عليه، ويعتبر الحوار مع الآخر وقبوله والتعامل معه أحد أهم وسائل الثقافة والانفتاح الإيجابي حيث يحقق الاستفادة من التجارب والنجاحات وتبادل الخبرات، خاصة أن الثقافة تفاعلية وتعبر الحدود دون استئذان. كما أن المبدعين السعوديين يؤمنون بأن كل ثقافات المنطقة ارتوت من معين واحد وتستقي مصادرها من تاريخ واحد، لذلك لابد أن تتواصل وتتعاون من أجل مستقبل أكثر إشراقًا.

مقالات لنفس الكاتب