array(1) { [0]=> object(stdClass)#13063 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 164

العلاقات الاقتصادية الخليجية / الأمريكية راسخة وأمريكا تسعى لتقويتها لمصلحتها

الثلاثاء، 29 حزيران/يونيو 2021

منذ فوز (بايدن) بالرئاسة الأمريكية بدأت التساؤلات حول طبيعة العلاقات الأمريكية تجاه دول الشرق الأوسط والخليج، خاصة بعد أن شهدت هذه العلاقات تطورًا وتحسنًا كبيرين في عهد الرئيس السابق ترامب. وبجانب توقعات شكل السياسة الخارجية الأمريكية للرئيس بايدن تجاه إيران، واستعداد الرئيس بايدن للانضمام ثانية إلى الاتفاق النووي الإيراني، الذي يُعرف أيضًا باسم (خطة العمل الشاملة المشتركة بين إيران ومجموعة (5+1)، التي تضم أمريكا، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، والتى وقعت في يونيو 2015م، والذي شهد قبولاً على مدار حكم الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما، ليقوم الرئيس الجمهوري فيما بعد ترامب بإلغائه. كل تلك الأجواء السياسية التى تحمل فى طياتها الكثير من الضبابية، يسلط هذا المقال الضوء على طبيعة العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج والولايات المتحدة، وتوقعات لمستقبل تلك العلاقات فى ظل الحكم الديمقراطى (بايدن)، وذلك فى النقاط التالية:

أولاً-واقع العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية:

- العلاقات الاستثمارية: يُعتبر الخليج العربي في الوقت الحاضر، وسيبقى في المستقبل نقطة تركيز أساسية للسياسات الأمريكية في إدارة العلاقات الاقتصادية، حيث اعتمدت الولايات المتحدة بشكلٍ نموذجيٍّ مقاربة ثنائية الأطراف وقد كان هذا الميل واضحًا منذ عهد الرئيس جورج بوش، حيث سمحت الولايات المتحدة لعددٍ من صناديق الثروة السيادية في الخليج شراء حصص في شركات تصنيع ومؤسسات مالية ومشروعات عقارية أمريكية على أساس ثنائى الأطراف.  

 

      وقد بلغت استثمارات دول مجلس التعاون فى الأوراق المالية الحكومية الأمريكية نحو 77.274 مليار دولار فى يوليو 2020م، مقارنة بــ 994.269 مليار دولار فى فبراير 2020م، وذلك وفقًا لبيانات وزارة الخزانة الأمريكية. حيث ارتفعت استثمارات المملكة العربية السعودية -أكبر الدول الخليجية المستثمرة في الأذون والسندات الأمريكية -بنسبة 2.7% لـ 167 مليار دولار في يوليو 2020م؛ مقابل 162.6 مليار دولار في نفس الفترة من عام 2019م، كما رفعت استثمارات دولة الكويت بتلك القائمة إلى 42.3 مليار دولار. ورفعت سلطنة عُمان استثماراتها بتلك السندات إلى نحو 8.851 مليار دولار وذلك في نهاية فبراير 2020 مقابل 8.643 مليار دولار بشهر يناير2019 م. وارتفعت استثمارات دولة قطر بتلك السندات عند مستويات 1.238 مليار دولار مقارنة بـ 1.203 مليار دولار في شهر يناير2019م. أما دولة البحرين فقد جاءت فى المركز الأخير من حيث القيمة فقد رفعت استثماراتها بتلك السندات إلى نحو 884 مليون دولار مقارنة بـ 796 مليون دولار قيمتها في شهر يناير 2019م، ومن هنا يظهر بشكل واضح استثمارات دول الخليج في أدوات الدين الأمريكية خلال عام 2020م، مع الضغوطات المالية التي تعرضت لها نتيجة التبعات السلبية لتفشي فيروس كورونا، وهبوط أسعار النفط إلا أن تلك الاستثمارات توجهت معظمها نحو الزيادة.

     يضاف إلى ذلك حجم ضخم من الاستثمارات فى المجالات الأخرى بين الخليج والولايات المتحدة، فعلى سبيل المثال تعتبر دولة الإمارات العربية المتحدة أكبر مستثمر عربي في السوق الأمريكية بإجمالي استثمارات تقدر بنحو 4.8 مليار دولار، وتتركز باستثمارات مهمة في القطاعات التجارية والمالية، كما تتواجد العديد من الاستثمارات الأمريكية فى الإمارات بعدة قطاعات منها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والأمن السيبراني والصناعات المتقدمة. كذلك الحال قاد صندوق الاستثمارات العامة السعودي عمليات الاستثمار في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة، واستحوذ على عدد كبير من الأسهم الممتازة في الولايات المتحدة وأوروبا، وحقق أرباحًا في وقت لاحق. من ناحية أخرى، خصص كل من جهاز أبو ظبي للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار في الكويت، مبالغ كبيرة من رأس المال واختاروا الاستثمار المباشر في العقارات والبنية التحتية وفرص التملك في الشركات الخاصة.

  • العلاقات التجارية: بلغ إجمالى حجم التبادل التجاري السلعي بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية نحو 90 مليار دولار لعام 2018م، مقارنة ب 8 .84 مليار دولار عام 2017م. وقد بلغت إجمالى الصادرات السلعية من الخليج إلى الولايات المتحدة نحو 38 مليار دولار، بينما بلغت إجمالى الواردات السلعية لدول مجلس التعاون الخليجى من الولايات المتحدة نحو 52 مليار دولار وهو ما يمثل 7.11% من إجمالى واردات دول الخليج من الأسواق العالمية.

     أما بالنسبة للنفط ومنتجاته، فقد تصدر قائمة أكثر السلع المصدرة إلى الولايات المتحدة لتستأثر على ما نسبته 9.71% من إجمالى الصادرات السلعية لدول الخليج فى عام 2018م، ويليها الألومنيوم ومصنوعاته. ويوضح الشكل رقم (1) حجم واردات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط ومنتجاته من دول الخليج العربي ، ويظهر من خلاله توجه تلك الواردات نحو الانخفاض خاصة منذ عام 2018م، على الرغم من كون الولايات المتحدة الأمريكية خامس أكبر مشترٍ لنفط الشرق الأوسط إلا أن وارداتها من المنطقة تراجعت مع ارتفاع معدلات إنتاج النفط محليًا، إثر طفرة استخراج النفط الصخري بالولايات المتحدة، إلا أن نصيب دول الخليج من النفط الذي استوردته الولايات المتحدة في عام 2019م، بلغ نحو 20 ألف برميل يوميًا، واستمر فى النقصان ليصل إلى ما يقل عن 15 ألف برميل بنهاية عام 2020م.

شكل رقم (1) واردات الولايات المتحدة الأمريكية من النفط ومنتجاته من دول الخليج العربى خلال الفترة (1994-2020)

ألف برميل

    وعلى مستوى الميزان التجاري السلعي بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية، ففى عام 2018م، تحسن هذا العجز فى الميزان حيث بلغ 1.14 مليار دولار مقارنة بعجز بلغ 9.19 مليار دولار عام 2017م، كما هو موضح بالشكل رقم (2).

شكل رقم (2) حجم التبادل التجاري، والميزان التجاري بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية خلال عامي 2017-2018

  • مستقبل العلاقات الاقتصادية بين دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية فى ظل عهد الرئيس (جو بايدن):

    إن مصالح دول الخليج مع الولايات المتحدة لا تقل أهمية عن مصالح أمريكا مع تلك الدول، فهناك مصالح حيوية استراتيجية أساسية؛ نظرًا لتميزها بموقع هام من الناحية الاستراتيجية والأمنية فهى تشكل طريقًا ملاحيًا وملتقى الطرق للقارات والاقتصادية لدول العالم الكبرى، كما تتمتع بثروات نفطية ضخمة، وهذا يشكل لصانع القرار الأمريكي أحد المرتكزات الأساسية فى الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج وذلك لعدة أسباب منها:

  • حماية الاقتصاد الأمريكي من أي أزمات ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط أو انقطاع وصول النفط اليها.
  • التحكم بأسعار النفط من خلال السيطرة على العرض والطلب العالمي؛ وبالتالى التحكم فى اقتصادات الدول الصاعدة مثل الصين وإحباط أي تهديد يمكن أن تشكله روسيا من خلال تشكيل حلقة احتواء لمنطقة شرق آسيا والعراق.

    وبصرف النظر عما إذا كانت حكومة الولايات المتحدة ديموقراطية أو جمهورية، فإنها تنظر فى أفضل السبل لخدمة مصالحها الاقتصادية والتجارية وتعزيز علاقاتها بشركائها. وهو ما يظهر فى الجوانب التالية:

  • المصالح الاقتصادية النفطية وأمن الطاقة: إن من أبرز سمات الخليج العربى الاستراتيجية هو مخزونه الهائل من النفط، حيث يحتوي على نحو نصف الاحتياطات النفطية العالمية المؤكدة. وتعتمد الاقتصادات الصناعية على النفط ومنتجاته بشكل كبير ومنها الاقتصاد الأمريكى الذي يتصدر قائمة الدول الأكثر استهلاكًا لخام النفط، حيث تجاوز استهلاكه 20 ألف برميل يوميًا، وهو ما يشكل 19.7% من حجم الاستهلاك العالمي، يليها الصين بـ14.05 مليون برميل يوميًا بما يمثل 14.3% من الاستهلاك العالمي. ويبقى الحديث عن استغناء الولايات المتحدة فى عهد بايدن عن نفط الخليج أمر أبعد ما يكون لعدة اعتبارات تتمثل فيما يلي:
  • يتزايد الطلب الأمريكي على النفط بشكل مستمر، وذلك بسبب عدة عوامل أهمها: ازدياد عدد السكان، والاستخدامات الجديدة للموارد، وزيادة مستويات المعيشة، وبهذا فإن إجمالي استهلاك النفط في الولايات المتحدة يزداد بمعدل 2% سنوي تقريبًا. ويوضح الشكل رقم (3) تطور إنتاج الولايات المتحدة من النفط ، فعلى الرغم من اتجاهه نحو التزايد ليصل إلى 950.10 ألف برميل يوميًا حتى نهاية عام 2020م، إلا أن هذا الإنتاج مازال أقل من نصف حجم الاستهلاك النفطي للولايات المتحدة؛ وبالتالي فإن القول بأن الولايات المتحدة قد أصبحت ذات اكتفاء ذاتي في مجال النفط ومشتقاته بعد ثورة الزيت الصخري غير صحيح، حيث أن الولايات المتحدة ما زالت تستورد حوالي  40 % من احتياجاتها النفطية، وأن حوالي 50 % من العجز التجاري الأمريكي سببه هو استيراد النفط ومشتقاته لتغطية ذلك العجز بين الإنتاج والاستهلاك ، ومعظم هذا الاستيراد يتم من دول الخليج العربي .

شكل رقم (3) متوسط الإنتاج الشهري للولايات المتحدة من النفط الخام خلال الفترة (1965-2020)

ألف برميل

2) كان الرئيس السابق دونالد ترامب قد عبّر عن رؤاه الواضحة لثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة الأمريكية، فكان يفضل زيادة التنقيب والحفر واستخراج المزيد من النفط والغاز الطبيعي. ومن ناحية أخرى، عبّر جو بايدن مرشح الحزب الديمقراطي عن شكوكه في طفرة النفط والغاز الأمريكية، وأعلن أن التكنولوجيا التي تقف وراءها والمعروفة باسم " التكسير" ذات أضرار كبيرة على البيئة، ودعا إلى تخفيض الاعتماد على حرق المركبات الهيدروكربونية لصالح تطوير مصادر الطاقات المتجددة. إذ ركز في خطابه الانتخابي على قضايا المناخ والبيئة وتعزيز الاستثمارات الخضراء، والتحول نحو الطاقة المتجددة، ومن ثم رفع الدعم والتسهيلات عن صناعة النفط الصخري، وإطلاق برنامج يحقق صافي انبعاثات صفرية من الكربون بحلول عام 2050م، واستثمار 1.7 تريليون دولار خلال رئاسته في توفير البدائل البيئية من الطاقة المتجددة، ويرى بايدن في تغير المناخ تهديدًا وجوديًا للكوكب، وأن التحول عن الوقود الأحفوري يمكن أن ينطوي على فرصة اقتصادية إذا تحركت الولايات المتحدة سريعًا لتحقيق الريادة في تكنولوجيا الطاقة النظيفة. علمًا بأنه لن يكون من السهل التحول مباشرة للطاقة النظيفة خاصة فى المدى القريب، بل سيكون لها ثمنها الذي ستتحمله الدول النفطية ومنها الولايات المتحدة في وقت تتزايد فيه تحديات الطاقة التقليدية في العالم، لا سيما مع موجات أزمة وباء كورونا، وضعف الطلب العالمي على النفط؛ وبالتالى سوف يعمل على تحجيم هذه الصناعة في إطار السعي لتنفيذ المبادرات التي تهدف نحو تخفيض الانبعاثات الكربونية.

     كما أن بايدن يعلم أن الطاقة البديلة ليست الحل لنهضة الولايات المتحدة، لأن دولاً كثيرة سبقتهم مثل دول أوروبا واليابان وغيرها في الطاقة الجديدة، وفي الوقت الحالي تتفوق فيه الولايات المتحدة على غيرها في البنية التحتية والقطاعات العسكرية والصناعية التي تعتمد على النفط والغاز، فمن الصعب جدًا أن يتخلى عن هذه الصناعة على المدى القريب. كما يتوقع أن بايدن لن يتنازل عن ريادة الولايات المتحدة الاقتصادية، خصوصًا إذا عرفنا أن هذا القطاع يوظف أكثر من 12 مليون أمريكي بالإضافة إلى الضرائب التي تستفيد منها الحكومة.

     كما أنه في الوقت الذي ستكون هناك قرارات من "بايدن" متعلقة بفرض بعض القيود على النفط الصخري في الأراضي الفيدرالية، أو وقف امتيازات الحفر في التنقيب في محمية ألاسكا الوطنية للنفط في ظل احتجاجات أنصار البيئية، سيحافظ الرئيس الأميركي الجديد على بقاء الولايات المتحدة كأكبر دولة منتجة للنفط في العالم بنحو يزيد على  12 مليون برميل يوميًا، حسب أحدث الأرقام والإحصاءات التي وصلتها منذ 2019م، لأول مرة منذ 45 عامًا ومن هنا سيبحث عن مصلحة الولايات المتحدة الأميركية، ولكن بطريقة تختلف عن ترمب، حيث سيتبع أسلوب الدبلوماسية الهادئة مع كبار منتجي النفط حول العالم ومنظمة أوبك وتوقع أنه في ضوء ذلك سنرى معدلات الاقتصاد الأمريكي ترتفع، وربما العلاقات مع الصين وإيران ستنفرج قليلاً، وعليها سنرى معاودة دخول المنتجات الصينية إلى أمريكا بسهولة مجددًا، ما يعطي بوادر على تحسن الطلب العالمي على النفط مع الانفتاح الاقتصادي المتوقع بين الاقتصادات الكبرى وهو ما قد يصب لصالح النفط الخليجي.

3) يضاف إلى ذلك أن بايدن قد يسعى إلى الدخول في الاتفاق النووي مع إيران من جديد؛ وبالتالي قد تعود العلاقات كما كانت عليه في عهد أوباما، رغم الصعوبات المتوقعة ، إلا أن السياسة  ذات الوجهين في تعامل الإدارة الأميركية مع الملف الإيراني قد تكون صعبة وموضع جدل، فالعقوبات المفروضة على طهران ليست سهلة؛ وبالتالي فإن عودة تدفق النفط الإيراني مجددًا إلى الأسواق، قد لا تكون قريبة المدى، وإن حدث العكس سنجد أمامنا زيادة في المعروض وسط شكوك نمو الطلب فى ظل جائحة كورونا؛ كما من المستبعد ذلك إلا بعد أن تخفض إيران مستوى إمداداتها من اليورانيوم المخصب، والتي تنامت في عهد إدارة ترامب. وهناك أيضًا الوقت الإضافي الذي سيستغرقه ترتيب مفاوضات متعددة الأطراف بشأن اتفاق إيراني جديد والمضي فيها.

    كما تظهر البيانات التي أصدرتها وكالة بلومبرغ أن إيران لديها القدرة على ضخ حوالي 3.8 مليون برميل يوميًا، كما إن وصول النفط الإيراني إلى السوق سيولد مشكلة حقيقية لـ"أوبك" وتدمير اتفاقية تخفيضات "أوبك" وتتسبب في تراجع الأسعار. ومع ذلك، فإن عودة إيران السريعة إلى السوق فى ظل عهد بايدن ليس بالأمر المؤكد والسريع خاصة فى ظل توجه معظم صادراتها النفطية إلى الصين.

    أما السيناريو الآخر فهو أن تزيد السياسة الداخلية للولايات المتحدة من تعقيد الأمور. من المؤكد أن أي نهج جديد تجاه إيران سيواجه معارضة في الكونجرس ومن الجمهور الأميركي. ومع ذلك، فإن الرئيس الأمريكي لديه سلطة تخفيف العقوبات من خلال أوامر تنفيذية أو من طريق إصدار إعفاءات تسمح بشراء النفط الإيراني. قد تكون الإعفاءات من العقوبات بمثابة تحية لإيران للعودة إلى المحادثات وقد قدمت الولايات المتحدة إعفاءات في الماضي. إذ وجد استطلاع لـ "رويترز– إبسوس"، أجري بين الفترة من الثالث إلى السادس من (يناير 2020م)، إن 41 % من الأمريكيين يعتبرون إيران تهديدًا وشيكًا لبلادهم. وتتشارك غالبية دول الخليج وعلى رأسها السعودية مع شعب الولايات المتحدة القلق ذاته بشأن طهران.

    ومن العرض السابق يمكن القول بأن حتى إذا استطاعت الولايات المتحدة بطريقة ما أن تخفض اعتمادها على النفط الخليجي وهو احتمال غير مرجح خاصة فى المدى القصير – فإن الترابط الثنائى بين سلامة الاقتصاد الأمريكي وسلامة الاقتصاد العالمي الكلي يعني أنها لا تستطيع تجاهل أمن النفط في الخليج العربي، مادامت الاقتصادات الكبرى تعتمد على هذا النفط، أخيرًا لا ترجع أهمية الخليج العربي فقط إلى أنه يملك معظم أكبر احتياطيات العالم من النفط؛ ولكن لأنه يملك القدرة المتطورة لإنتاج النفط وأخذه بفاعلية إلى السوق وتكلفة إنتاج النفط بالإضافة إلى التوسع فى الانتاج  أقل كثيرًا في الخليج منها في أي منطقة أخرى فى العالم ؛ وبالتالى فإن الحديث عن عهد من العلاقات الأمريكية ــ الخليجية بعيد عن النفط فى ظل عهد الرئيس ( بايدن ) أمر مستحيل، حيث أن الإسهام المهم لصادرات الطاقة في الخليج العربي في الاقتصاد العالمي كاف في ذاته لوضع أمن المنطقة على رأس قائمة الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية; لأنه حتى في حالات الانقطاع المؤقت في إمدادات النفط المتدفق من الخليج العربي، أو ارتفاع أسعار النفط فإن ذلك يمكن أن يتسبب في ضرر دائم للاقتصاد الأمريكي والعالمي بتعزيز التضخم وخفض النمو والاستثمار والتوظيف.

المصالح الاقتصادية غير النفطية: العلاقات والمصالح الاقتصادية بين الخليج والولايات المتحدة لا تقتصر فقط على النفط، فعلى سبيل المثال تستورد الإمارات من الولايات المتحدة ما قيمته 20 مليار دولار سنويًا من البضائع. حيث حققت أمريكا فائضها التجاري مع الإمارات بما يقدر بنحو 14.5 مليار دولارعام 2019م، وهذا يعني أن مصالح أمريكا في منطقة الخليج تطورت أكثر من مصالحها المتعلقة بالنفط فقط.

    كما تحافظ أمريكا والمملكة العربية السعودية على شراكة كبيرة في مجال التجارة، حيث أن تمركز الطرق التجارية المحيطة بالمملكة في الخليج والبحر الأحمر، يضع المملكة على أهم الممرات للتدفق الحر للبضائع الأمريكية على مستوى العالم. فضلاً عن توقيع أمريكا والمملكة اتفاقية إطار للاستثمار التجاري لتوسيع العلاقات بين الشركات وزيادة تدفق الاستثمارات بين البلدين. ويضع برنامج رؤية المملكة 2030 خططًا لتنويع الاقتصاد السعودي، بما في ذلك زيادة التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة. ومن الواضح أن التجارة بين البلدين هي عنصر أساسي في العلاقة، حيث قدر تدفق البضائع بين البلدين في عام 2019 بنحو 38.7 مليار دولار.   كما يتوقع أيضًا أن يستمر حجم التبادل التجاري والعلاقات الاستثمارية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج العربي، فى النمو والزيادة حيث يتوقع مراقبون استمرار استثمارات ومشاركة الشركات الخليجية في الأسواق، ورجال الأعمال الأمريكيين كما كانت من قبل بغض النظر عن السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة.

خاتمة:

      لا شك أن الرئيس بايدن سيلقي بظلاله على الحالة السياسية والاقتصادية في المنطقة، ومن ضمن ذلك العلاقة مع دول الخليج، وهو ما سينعكس على كثير من الملفات الملحة التي لم يتم البت فيها خلال حكم ترامب، ولكن يشير كثير من الخبراء إلى أن كثرة التحديات الداخلية ستشغل بايدن بشكل قد لا يؤثر كثيرًا في التغيرات السياسية والأمنية التي فرضتها إدارة ترامب في وقت سابق، كما أن عودة المفاوضات مع إيران ليس بالضرورة أن تنطلق من اتفاقية العمل المشترك السابقة، بل قد يستفيد بايدن من حالة الضعف الإيراني لتعديل كثير من الشروط في الاتفاقية السابقة.

   إن التحالف والشراكة يبدو أنها ستكون أحد ركائز العلاقات الأمريكية الخليجية التى ازدادت قوةً في السنوات الماضية وفرضت نفسها على كثير من طاولات النقاش السياسي والاقتصادي في العالم، بوصفها ركنًا لا يمكن الاستغناء عنه في دعم الاستقرار الدولي بكافة أشكاله. وقد أثبتت دول الخليج أنها قادرة على التعامل مع أي رئيس مهما كانت توجهاته، حيث تحرص على أن تظل الأبواب مفتوحة على جميع الاحتمالات، من أجل ديمومة هذه العلاقة التاريخية بين دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية.

مقالات لنفس الكاتب