قضية تغيير تركيبة النظام الدولي تؤرق الباحثين المعنيين بالعلاقات الدولية منذ نهاية الحرب الباردة، وهدم سور برلين، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وتحلل حلف وراسو، وسيطرة أمريكا على النظام الدولي بمفردها، ثم زاد القلق بعد تعامل واشنطن الأحادي مع المجتمع الدولي حيث بدت أمريكا وكـأنها رئيسة حكومة العالم، و جاءت هذه المتغيرات بعد أن استقر النظام الدولي لسنوات على الصيغة التي فرضتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، وتمخض عنها ظهور الأمم المتحدة، تلك الصيغة التي ارتضت بها أكثر دول العالم، فالدول المنتصرة آنذاك رأت أن تركيبة مجلس الأمن الدولي و"الفيتو" تعطي الدول الخمس دائمة العضوية الوصاية على العالم وتجعلها صاحبة اليد الطولى، بينما رأت دول العالم الثالث أن ميثاق الأمم المتحدة يساعدها على الاستقلال وتقرير المصير وحفظ الأمن والسلم الدوليين وتحقيق التنمية، وكانت قد بدأت الأمم المتحدة عملها في 24/10/1945م، بعد انتهاء مؤتمر سان فرانسسكو بحضور ممثلي 50 دولة في يونيو عام 1945م، ودام شهرين متاليين لصياغة الميثاق.
وبعد أن تجاوزت اليوم الأمم المتحدة عامها الثمانين، جرت مياه كثيرة في النهر ، وحدثت تطورات متلاحقة جعلت خريطة المجتمع الدولي تختلف عما كانت عليه في منتصف أربعينيات القرن العشرين، وأصيبت دول العالم الثالث بإحباط شديد، فالعالم لم يشهد تطورات إيجابية بعد تشكيل الأمم المتحدة، واكتشفت الدول الفقيرة أنها ضحية "الفيتو" وسيطرة الدول الكبرى ومقصلة النفوذ والقوة وغياب القانون، خاصة الدول العربية، ففي وجود المنظمة الدولية، احتلت إسرائيل فلسطين وشردت شعبها، ثم سيطرت على باقي فلسطين في حرب 1967م، بل توسعت في احتلال أراض عربية خارج دولة فلسطين كما حدث من احتلال سيناء و الجولان وتم تجاهل القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن بخصوص القضية الفلسطينية، كما جرى تغييب المنظمة الدولية تجاه غزو العراق وإسقاط نظامها عام 2003م، وما ترتب على ذلك من توسع نفوذ إيران على حساب العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأيضًا تهميش الأمم المتحدة تجاه ما حدث في أفغانستان وفنزويلا وغيرها، بل جاءت رئاسة ترامب لأمريكا لتسقط ما تبقى من دور الأمم المتحدة، ومحاصرتها بقطع إمدادات التمويل عن منظمات الأمم المتحدة، بل تتحكم واشنطن في حضور زعماء العالم للتحدث أمام الأمم المتحدة في نيويورك .
وفي خضم العبث الأمريكي بالأمم المتحدة، وتراجع دور روسيا بمحاولات إضعاف متعمدة، و عدم قدرة الاتحاد الأوروبي على القيام بحالة توازن على الساحة الدولية مع أمريكا، لذا في هذه الظروف اتجهت أنظار العالم إلى الصين الذي تصادف نهوضها وتحولها إلى القوة العالمية الثانية، فعقد عليها العالم آمالًا كبرى، ورأى فيها القوة الوازنة أمام تغول أمريكا وتفردها على الساحة الدولية، خاصة مع القفزات الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية التي حققتها الصين، لكن في غمرة هذا التفاؤل العالمي، دخلت الصين في عدة اختبارات عملية كشفت عن ترددها وعدم قدرتها أو عدم رغبتها في مواجهة أمريكا، وتكتفي بالدفاع عن مصالحها فقط، وظلت في حالة انكفاء وعدم مشاركة فعلية في قضايا العالم، فلم تتحرك تجاه الحرب الأمريكية / الإيرانية رغم أنها حليفة لطهران، وكذلك السلبية تجاه مأساة حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة وانتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، ولم تحرك ساكنًا عما حدث في فنزويلا واختطاف رئيسها ونقله قسرًا إلى أمريكا، أيضًا لم تعترض على تهديد واشنطن لدول أمريكا اللاتينية وكندا أو التلويح بضم جزيرة جرينلاند الدنماركية، و قضايا كثيرة كشفت تغول وتسلط أمريكا، بينما ظلت الصين مشغولة بتوفير إمدادات الطاقة وتنفيذ مشروع الحزام والطريق وإيجاد موطئ قدم في إفريقيا والشرق الأوسط عبر التجارة والاستثمار دون أي إشارات حول قضايا الأمن والدفاع واستقرار الشرق الأوسط.
وعليه، لا يبدو هناك أمل من صعود الصين إلى سدة النظام الدولي الجديد في خدمة قضايا العالم، وعدم التعويل على أي دور لها في تحقيق التوازن الدولي والإقليمي، وستظل منشغلة بالنمو ومصالحها وتوسيع نفوذها التجاري والاستثماري، وافتتاح المزيد من الأسواق التجارية لتصريف منتجاتها، وضم تايوان تحت شعار (صين واحدة)، وستظل علاقاتها مع الدول العربية علاقة ( بائع ومستهلك)، و من الأجدى ألا تعول الدول العربية على الصين في تحقيق التوازن ودعم قضاياها، ويجب البحث عن نموذج واقعي للعلاقات العربية ـ العربية سواء بإحياء وتفعيل دور الجامعة العربية بآليات جديدة، أو إيجاد مظلة عملية بين الدول العربية الفاعلة والمؤثرة للحفاظ على الوجود العربي ومصالحهم، إضافة إلى صيغة تعاون مع الدول الإقليمية الكبرى والمؤثرة ودول الجنوب ومنها مجموعة بريكس لقيام تكتل قوي يحقق التوازن الاستراتيجي ويبعد المنطقة عن الاستهداف والاستقطاب.






