هبت رياح تغيير عاتية على إيران ومنطقة الخليج العربي إثر بدء الحرب الدامية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران في نهاية شهر فبراير الماضي، حيث بدأت بتحقيق نتائج مفاجئة وخاطفة تمثلت في مقتل المرشد الأعلى لإيران على خامنئي ومعه مجموعة من القادة الإيرانيين الكبار على المستويين السياسي والعسكري، ما أثار علامات استفاهم كثيرة مع تكهنات ذهب أكثرها في اتجاه تأكيد اختراق إسرائيلي/ أمريكي عالي المستوى للدوائر الضيقة المحيطة بالقيادات الإيرانية، ثم تلا ذلك تدمير ممنهج وواسع للمواقع العسكرية والمدنية الإيرانية تحت ضغط آلة عسكرية أمريكية جبارة، وإن كانت هذه الحرب متوقعة على نطاق واسع بعد أن حشدت الولايات المتحدة القوات اللازمة لها من قواعد عائمة وحاملات طائرات في البحار والمحيطات، ومن اليابسة في أوروبا، إلا أنها بدت وكأنها مفاجئة لإيران نفسها حيث كانت الضربة الأولى شديدة التأثير من الناحيتين العسكرية والمعنوية خاصة بعد مفاجأة اغتيال القيادات الإيرانية العليا وعلى رأسها المرشد الأعلى للثورة الإيرانية في وقت قياسي ما أربك حسابات طهران.
وقد تعزز هذا الارتباك مع اتساع نطاق الضربات، في ظل عجز واضح على احتواء الهجوم والتصدي مع عدم القدرة على إعادة تنظيم الصف القيادي بسرعة، فالضربة الأولى لم تكن مجرد هجوم، بل كانت عملية شلل استراتيجي استهدفت القيادة والسيطرة معًا، وهو ما انعكس مباشرة على أداء الدولة الإيرانية في إدارة الأزمة.
ويمكن القول إن أخطر ما أفرزته هذه الحرب لا يتمثل في الخسائر المادية أو البشرية فقط، بل في كشف هشاشة التماسك الداخلي للنظام الإيراني في لحظة اختبار حقيقية، فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج القرار بشكل سريع ومتوازن، وهو ما بدا أن إيران أخفقت فيه خلال هذه الأزمة.
و يبدو أن غياب القيادات بشكل جماعي أصاب طهران بحالة من تمزق القرار والتخبط الذي بدا في قصف أهداف مدنية وتنموية في دول مجلس التعاون الخليجي الست والأردن وتركيا، مع صدور إشارات متناقضة من طهران حول هذا القصف وتجلى ذلك في اعتذار الرئيس الإيراني بز شكيان لدول مجلس التعاون الخليجي عن هذا القصف، ثم سحب هذا الاعتذار تحت ضغط من قيادات الحرس الثوري والتيار المعادي لدول الجوار وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، واستمرت إيران في تحويل جبهة القتال إلى دول الخليج، بينما تفاوضت لاحقًا مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، مع أن دول مجلس التعاون التزمت الحياد الاستراتيجي التام في هذه الحرب ولم تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها للهجوم على إيران وحرصت على عدم الانخراط في التصعيد، وهو موقف يعكس إدراكً دول مجلس التعاون لطبيعة المخاطر، وسعيًا منها لعدم توسيع رقعة الحرب و لتجنب الانزلاق إلى صراع إقليمي قد يمتد إلى خارج الإقليم ، إلا أنها حذرت إيران من العواقب الوخيمة في حال تمادي الأخيرة في انتهاج هذه الاعتداءات غير المبررة.
وقد ألقت هذه الحرب تحديات خطيرة على أمن دول الخليج والمنطقة العربية فإضافة إلى القصف بالصواريخ والمسيرات التي استهدفت منشآت الطاقة والمطارات وخزانات الوقود ووقوع ضحايا في بعض دول الخليج، توقفت إمدادات النفط بعد إغلاق مضيق هرمز الذي يعد التحدي الأكبر للأمن الخليجي والعالمي حيث تعطلت الملاحة في الممر المائي الذي يعبره (20%) من إمدادات الطاقة العالمية. كما أن هناك تحد آخر يلوح جراء الفراغ السياسي الذي قد يحدث في إيران وانعكاسه على دول الإقليم، حيث أدى اغتيال القيادات الإيرانية إلى حالة من عدم اليقين ومخاوف من خطر الفوضى في حالة الانهيار المؤسسي الكامل في إيران ما قد يؤدي إلى هجرات جماعية من إيران إلى دول الجوار، إضافة إلى خطر إعادة تموضع الميليشيات الموالية لإيران في المنطقة.
والحلول المطروحة لمواجهة تحديات الأمن الإقليمي مازالت في طور التشكل حيث فرضت هذه التطورات احتياجات أمنية ملحة ومن الضروري البحث عن صيغ مرنة وفعالة للأمن الإقليمي غير تقليدية تبدأ بالأمن الوطني لكل دولة، ثم ترتيبات إقليمية تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي مع تكامل أمني وتوزيع الأدوار في الدفاعات بما يحقق وجود مظلة دفاع خليجية شاملة تمتد من الكويت حتى سلطنة عُمان لتوفير الإنفاق العسكري مع ضمان وجود شبكة دفاعات قوية بدون ثغرات، وضرورة تعزيز وتطوير القيادة العسكرية الموحدة لدول مجلس التعاون أو قوات درع الجزيرة المشتركة، و أهمية إنشاء منظمة إقليمية أوسع بترتيبات دقيقة للحفاظ على أمن المنطقة بشراكة عربية أو دولية.






