في الخامس والعشرين من مايو عام 1981م، شهدت العاصمة الإماراتية أبو ظبي حدثًا تاريخيًا فارقًا بإعلان قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية، مكون من الدول العربية الست: المملكة العربية السعودية، سلطنة عمان، مملكة البحرين، الإمارات العربية المتحدة، دولة قطر، ودولة الكويت - ليبدأ فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة، قائمًا على التعاون والتكامل وحماية المصير المشترك لشعوب الخليج العربي. وبعد مرور خمسة وأربعين عامًا على ذلك التأسيس، يقف المجلس اليوم شاهدًا على تجربة عربية نادرة استطاعت أن تصمد، وتتطور، وتحافظ على حضورها وتأثيرها رغم ما شهدته المنطقة والعالم من أزمات وتحولات عاصفة.
لقد جاء تأسيس المجلس في ظرف إقليمي شديد الحساسية؛ فالمنطقة كانت تعيش تداعيات الثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وتصاعد التوترات الدولية، الأمر الذي دفع قادة الخليج إلى إدراك أن الأمن والاستقرار والتنمية لا يمكن أن تتحقق بصورة منفردة، بل من خلال كيان خليجي موحد ينسق المواقف، ويحمي المصالح، ويؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا. وقد أكد النظام الأساسي للمجلس منذ البداية على وحدة الهدف والمصير، وتعزيز الروابط بين الشعوب الخليجية، والتعاون في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية.
وعلى امتداد العقود الماضية، أثبت مجلس التعاون أنه ليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات والقمم، بل مشروع استراتيجي متكامل استطاع أن يحقق إنجازات ملموسة في مختلف المجالات. فمنطقة التجارة الحرة، ثم الاتحاد الجمركي، فالسوق الخليجية المشتركة، وصولًا إلى مشاريع الربط الكهربائي والمائي وسكة الحديد الخليجية، كلها تمثل محطات تاريخية في بناء منظومة خليجية أكثر ترابطًا وتكاملًا. وتشير وثائق العمل الخليجي المشترك إلى أن المسيرة الخليجية شهدت منذ عام 1981م، سلسلة متواصلة من الإنجازات المؤسسية والتنموية التي عززت من مكانة المجلس إقليميًا ودوليًا.
ومن اللافت أن العمل الخليجي المشترك لم يعد مجرد شعارات سياسية أو أمنيات وحدوية، بل تحول إلى منظومة متكاملة من المشاريع والقرارات والمؤسسات. فخلال العقود الماضية، أصدر المجلس أكثر من (1050) قرارًا للمجلس الأعلى، وما يزيد على (2580) قرارًا للمجلس الوزاري، إلى جانب عشرات الاتفاقيات والقوانين والخطط التنموية المشتركة، بما يعكس حجم العمل المؤسسي الذي بُنيت عليه التجربة الخليجية الحديثة.
وفي الجانب الاقتصادي، نجح المجلس في بناء الاتحاد الجمركي وإطلاق السوق الخليجية المشتركة، بما أتاح للمواطن الخليجي حرية التنقل والعمل والتملك والاستثمار والتعليم والعلاج والتقاعد داخل دول المجلس الست، وكأنه يعيش في وطن اقتصادي واحد. وقد أعلنت دول المجلس منذ عام 2008م، مبدأ المعاملة المتساوية للمواطن الخليجي في مختلف المجالات الاقتصادية والخدمية، في خطوة شكلت نقلة نوعية في مفهوم المواطنة الخليجية المشتركة.
كما تكشف الأرقام الحديثة حجم ما تحقق من تكامل فعلي على الأرض؛ إذ تشير بيانات عام 2024م، إلى أن أكثر من 41 مليون مواطن خليجي تنقلوا بين دول المجلس، فيما تجاوز حجم التجارة البينية الخليجية 146 مليار دولار، إلى جانب وجود مئات الآلاف من الخليجيين العاملين أو المستثمرين أو المستفيدين من الخدمات الصحية والتعليمية في الدول الأعضاء الأخرى، الأمر الذي يعكس عمق الترابط الاقتصادي والاجتماعي بين شعوب المنطقة.
ومن أبرز الإنجازات الخليجية كذلك مشروع الربط الكهربائي، الذي أصبح نموذجًا ناجحًا للتكامل الفني والاستراتيجي. فمنذ بدء تشغيل المشروع، قدمت شبكة الربط الكهربائي آلاف حالات الدعم الطارئ لشبكات الكهرباء الخليجية، فيما تجاوز الوفر الاقتصادي التراكمي للمشروع حتى نهاية عام 2025م، أكثر من 5.22 مليار دولار أمريكي، وهو ما يعكس أهمية العمل الخليجي المشترك في حماية البنية التحتية الاستراتيجية لدول المنطقة وتعزيز أمن الطاقة الخليجي.
أما مشروع سكة حديد دول مجلس التعاون، فيمثل أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية الخليجية المستقبلية، إذ يمتد بطول يتجاوز 2117 كيلومترًا، ومن المتوقع أن يسهم في دعم التكامل الاقتصادي، وتعزيز حركة التجارة والاستثمار، ونقل أكثر من 95 مليون طن من البضائع سنويًا بحلول عام 2045م، إلى جانب خدمة ملايين الركاب بين دول المجلس.
وفي المجال المالي، برزت شركة المدفوعات الخليجية كنموذج متقدم للتكامل المالي الخليجي، من خلال تسهيل التحويلات المالية السريعة بين دول المجلس، وتقليص تكلفتها وزمن تنفيذها، بما يدعم بناء منظومة اقتصادية ومالية خليجية أكثر ترابطًا واستقلالية، ويعزز من قدرة الاقتصاد الخليجي على مواكبة التحولات المالية الرقمية العالمية.
أما في المجال الأمني والعسكري، فقد شكّل تأسيس قوة «درع الجزيرة» واتفاقية الدفاع المشترك خطوة مفصلية في بناء منظومة أمن جماعي خليجية، تقوم على أن أمن أي دولة عضو هو أمن للجميع، وأن أي تهديد يستهدف دولة خليجية إنما يستهدف المنظومة بأكملها. وقد برزت أهمية هذا التعاون خلال محطات عديدة، بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا بغزو الكويت، وصولًا إلى التحديات الأمنية والإرهابية المعاصرة.
ولم تتوقف إنجازات المجلس عند الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية، بل امتدت إلى البعد الإنساني والاجتماعي والثقافي. فقد أسهم المجلس في ترسيخ الهوية الخليجية المشتركة، وتعميق الروابط الاجتماعية والعائلية والثقافية بين شعوب المنطقة، حتى أصبحت فكرة «الخليج الواحد» حقيقة يعيشها المواطن الخليجي في تفاصيل حياته اليومية. كما أسهم في توحيد كثير من الأنظمة والتشريعات، وتنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية، وتعزيز الحضور الخليجي في المحافل الدولية.
ورغم ما مرّ به المجلس من تحديات وخلافات وأزمات، إلا أن التجربة الخليجية أثبتت قدرة كبيرة على الاحتواء والتجاوز، انطلاقًا من إدراك عميق بأن تكلفة الانقسام أكبر بكثير من تكلفة الخلاف، وأن وحدة الخليج تمثل صمام أمان للمنطقة كلها. وربما كانت السنوات الأخيرة، بما شهدته المنطقة من توترات وتهديدات للممرات البحرية وأمن الطاقة، تذكيرًا عمليًا بأهمية مجلس التعاون، وبأن العالم اليوم يتجه نحو التكتلات الكبرى، لا نحو الكيانات المتفرقة.
إن مجلس التعاون بعد خمسة وأربعين عامًا لم يعد مجرد مشروع تنسيقي، بل أصبح ضرورة استراتيجية ومظلة استقرار لشعوب الخليج. ومع تسارع التحولات العالمية في مجالات الاقتصاد الرقمي، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد، والأمن الغذائي، تبدو الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا للانتقال من مرحلة «التعاون» إلى مرحلة «الاتحاد التعاوني الكونفدرالي» الذي يحافظ على سيادة الدول، ويمنحها في الوقت ذاته قوة جماعية أكبر في السياسة والاقتصاد والدفاع والتنمية.
إن شعوب الخليج التي جمعها التاريخ والدين والجغرافيا والمصير، مهيئة لتكون شعبًا واحدًا، وتتطلع لأن ترى يومًا خليجيًا أكثر وحدة وتكاملًا، تنتقل فيه التجربة الخليجية إلى مستوى أعمق من الترابط المؤسسي والاستراتيجي، بحيث يصبح الخليج قوة إقليمية متماسكة قادرة على حماية أمنه، وصناعة مستقبله، ومواجهة التحديات بثقة واقتدار.
وفي الذكرى الخامسة والأربعين لقيام مجلس التعاون، تبقى الأمنية الكبرى أن يتحول هذا الكيان الناجح من مرحلة التنسيق والتعاون إلى اتحاد خليجي تعاوني كونفدرالي، يحقق طموحات الشعب الخليجي، ويحفظ استقرار المنطقة، ويؤسس لمستقبل أكثر قوة ووحدة وازدهارًا للأجيال القادمة.
فحين تتكاثر التحديات حول الأوطان، تصبح الوحدة الخليجية ضرورة مصيرية لا خيارًا سياسيًا عابرًا.
فهل يتحقق الحلم ليكون خليجنا واحدًا حقيقة لا حلمًا.....






