لا يُمكن تصنيف الحرب الإيرانية، التي اندلعت هذا العام، على إنها مجرد صراع إقليمي جديد في منطقة الشرق الأوسط، بل هي بمثابة اختبار ضغط عالمي لأمن الطاقة، والمضائق البحرية الحيوية، وحدود سياسات القوى العظمى. وتتناول هذه المقالة نتائج هذه الحرب وتداعياتها من وجهة نظر الصين، حيث ترى أن السياسة المتحفظة التي انتهجتها بكين لم تعكس موقفاً سلبياً، بل جاءت نتاج حسابات استراتيجية مدروسة بعناية، تمثلت في: حماية مصالحها المتعلقة بالطاقة، والحفاظ على التوازن في علاقاتها مع إيران ودول الخليج وواشنطن، بالإضافة إلى تجنب الانزلاق في ساحة صراع يقع خارج المحيط الاستراتيجي الحيوي للصين. ورغم أن الحرب أظهرت هشاشة هيكلية في اعتماد الصين على الممرات البحرية التي لا تملك السيطرة عليها، لكنها في المقابل، فتحت آفاقًا رحبة لإعادة توجيه موقعها الدبلوماسي والاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب.
مقدمة
غدت الحرب الإيرانية نقطة تحول مفصلية في معادلة أمن الخليج. فالحرب لم تقتصر على إعادة فتح الأسئلة التقليدية المتعلقة بإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل كشفت عن البنية الأعمق للنظام الإقليمي: من حيث اعتماد أسواق الطاقة العالمية على مضيق هرمز، وهشاشة دول الخليج في مواجهة صراعات لا تملك السيطرة على مسارها، وحدود الدبلوماسية بين القوى الكبرى في منطقة يمكن أن يتجاوز فيها التصعيد العسكري حسابات السياسة.
أما بالنسبة للصين، فقد شكّلت الحرب معضلة استراتيجية معقدة. فبكين تُعد الشريك الاقتصادي الأهم لإيران، وأحد أكبر مستوردي الطاقة من الخليج، وفاعلًا دبلوماسيًا متزايد الحضور في المنطقة. ومع ذلك، امتنعت الصين طوال فترة الحرب عن الانخراط المباشر في الصراع؛ فقد أدانت التصعيد، ودعت إلى وقف إطلاق النار، ودعمت جهود الوساطة الدبلوماسية، وشددت على ضرورة استعادة أمن الملاحة عبر مضيق هرمز. لكنها في المقابل لم تقدم أي ضمانات أمنية لإيران، ولم تسعَ إلى مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة.
وقد أثار الموقف الصيني المتحفظ تفسيرات متعددة. فبينما يرى بعض المراقبين أنه يعكس محدودية النفوذ الصيني في الشرق الأوسط، حيث تمتلك بكين قوة اقتصادية ودبلوماسية واضحة، لكنها تفتقر لتقديم الضمانات الأمنية، ويرى آخرون أنه تعبير عن نهج "الصبر الاستراتيجي"، الذي يتيح لواشنطن تحمل الأعباء العسكرية، في الوقت الذي تحافظ فيه الصين على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف. وكلا التفسيرين يحملان جانبًا من الحقيقة؛ فالدور الذي تلعبه الصين لا يمكن وصفه بأنه دور المتفرج، كما لا يمكن اعتباره قيادة سياسية خفية خلف الكواليس. بل إن التوصيف الأدق لبكين هو أنها شريك حذر، يسعى إلى حماية مصالحه في مجال الطاقة، وتجنب الانزلاق الاستراتيجي المفرط في الصراع، مع تعزيز حضورها في صياغة النظام الإقليمي الجديد بعد الحرب.
وبناءً على ذلك، تعتبر النتيجة الرئيسية للحرب متناقضة، فمن ناحية، عززت الولايات المتحدة نفوذها العسكري في منطقة الخليج، ولا سيما في محيط مضيق هرمز. ولكن تكلفة هذا النفوذ باتت أكثر وضوحًا من أي وقت مضى، فقد أدركت دول الخليج مجددًا بأن القوة الأمريكية قادرة على توفير الحماية لهم، لكنها في الوقت نفسه قد تجعلها عرضةً لردود فعل انتقامية. ومن ناحية أخرى، أدركت الصين أن صعودها الاقتصادي لا يزال مرتبطًا بممرات بحرية، وتدفقات طاقة، وبنى تحتية أمنية لا تمتلك بكين السيطرة عليها بشكل مباشر. وفي هذا السياق، وفي ظل هذا المشهد، تضاعفت أهمية استراتيجية "التنويع متعدد المستويات"، أكثر من أي وقت مضى، بدءًا من توسيع مصادر الطاقة، مرورًا بتسريع مبادرات إزالة الكربون، وصولًا إلى توفير مسارات نقل بديلة.
مضيق هرمز وهشاشة أمن الطاقة الصيني
كانت أبرز تداعيات الحرب المباشرة تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُمثل أحد أكثر الشرايين حيوية وحساسية في الاقتصاد العالمي؛ إذ يعبر من خلاله جزءٌ هائل من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ولذلك، عندما تعطلت حركة المرور عبر المضيق، تجاوز التأثير حدود منطقة الخليج، فقد قفزت أسعار الطاقة، وتضاعفت تكلفة التأمين على الشحن البحري، وانتشرت حالة من عدم اليقين في أسواق السلع الأساسية وأسواق الصناعة. ويؤكد سرعة وحجم هذا الاضطراب، مدى قدرة أي نزاع إقليمي على التحول خلال وقت وجيز إلى هزة اقتصادية عالمية.
وكانت الصين الأكثر تأثرًا بهذه الاضطرابات. فالاقتصاد الصيني يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، حيث تستورد جزء كبير من النفط الخام من دول الخليج. وبالتالي، شكّل تعطل الملاحة في مضيق هرمز نقطة ضعف جوهرية في نموذج نموها الاقتصادي. ورغم أن الصين أنشأت احتياطيات استراتيجية من النفط، ووسّعت استثماراتها في الطاقة المتجددة، واحتفظت بقاعدة كبيرة من الفحم كمصدر داعم للطاقة، فإن هذه الأدوات لا تلغي المخاطر الناتجة عن الاعتماد على الممرات البحرية، وإنما تقتصر على منحها هامش مؤقت من الوقت لإدارة الأزمات.
لقد جاءت أزمة مضيق هرمز لتعزز درساً تجذر طويلاً في العقيدة الاستراتيجية الصينية؛ مفاده أن أمن الطاقة لا يتحقق بمجرد توقيع عقود الإمداد، وإنما يتشابك تشابكاً وثيقاً بسلامة الممرات البحرية، وحماية البنى التحتية، ومدّ النفوذ السياسي. ورغم أن الصين قد تشتري النفط من إيران والسعودية والإمارات والكويت وقطر، إلا أن تدفق هذه الطاقة وحركتها يظلان رهناً بممرات بحرية تصيغ القوة البحرية الأمريكية ملامح أمنها بشكل أساسي. ومن هذا المنطلق، فإن مضيق هرمز لا يعدو كونه امتداداً للمشكلة نفسها والمعروفة في الأدبيات السياسية بـ "أزمة مضيق ملقا"، حيث يرتكز الاقتصاد الصيني على مسارات بحرية عُرضة للشلل جراء صراعات لا تكون بكين فيها اللاعب الرئيسي.
ومن المرجح، بالتالي، أن تدفع الحرب الصين إلى تسريع استراتيجيتها القائمة بالفعل على تنويع مصادر الطاقة ومسارات الإمداد. ويشمل ذلك تعزيز الاعتماد على خطوط الأنابيب القادمة من روسيا وآسيا الوسطى، وزيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة والطاقة النووية، وتوسيع قدرات التخزين الاستراتيجي، إلى جانب مواصلة تطوير الممرات البرية ضمن مبادرة "الحزام والطريق". ومع ذلك، لا يمكن لأي من هذه الاستراتيجيات أن تشكل بديلاً كاملاً للطاقة الخليجية على المدى القصير؛ إذ إن هشاشة الموقف الصيني أمام أزمة مضيق هرمز، تظل ذات طبيعة هيكلية وليست ظرفًا مؤقتًا.
كما كشفت الأزمة أن "الاعتماد المتبادل" في مجال الطاقة هو سلاح ذو حدين. فإيران ودول الخليج المنتجة للطاقة تحتاج إلى الأسواق الآسيوية، وخاصة الصين، في حين تعتمد بكين بصورة كبيرة على إمدادات الطاقة الخليجية. ويمنح هذا الارتباط المتبادل الصين قدرًا من النفوذ، لكنه لا يمنحها السيطرة الكاملة. إذ يمكن للصين التشجيع على ضبط النفس، ودعم جهود الوساطة، وتقديم حوافز اقتصادية، لكنها لن تستطيع ضمان منع انزلاق الأطراف الإقليمية نحو التصعيد، لا سيما عندما تستشعر تلك الأطراف وجود تهديدات وجودية تمس بقاءها.
الدور الصيني المتحفظ: غياب أم استراتيجية؟
إن الغياب الظاهري للصين عن الخيار العسكري للحرب لا ينبغي تفسيره على أنه لا مبالاة. فقد كانت بكين ومصالحها الاستراتيجية على المحك: إذ تشمل المصالح الصينية استقرار إيران، واستمرار تدفقات الطاقة الخليجية، وعلاقاتها مع الأنظمة الملكية العربية، فضلًا عن التنافس الأوسع مع الولايات المتحدة. إلا أن هذه المصالح لم تكن كافية لتبرير التدخل المباشر.
هناك عدة اعتبارات شكلت موقف الصين المتحفظ في تعاملها مع الحرب. أولها أن إيران حليف استراتيجي، لكنها ليست حليفًا بالمعنى الرسمي. فبكين ليست مُلزَمة بالدفاع عن إيران، وقد حرصت الصين دائمًا عن تجنب النمط الأمريكي في التحالفات سواء داخل الشرق الأوسط أو خارجه. ثانيًا، وكما يوضح الشكل رقم (1)، ترتبط بكين بعلاقات اقتصادية أكبر بكثير مع دول الخليج مقارنة بإيران، ولذلك فإن أي انحياز علني إلى طهران قد يعرّض علاقاتها مع الدول العربية للخطر. ثالثًا، لم يكن لدى بكين أي مصلحة في تحويل حرب إقليمية إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن. ويعكس ذلك أيضًا هرم أولويات السياسة الخارجية الصينية. فكما يوضح الشكل رقم (2)، تضع بكين الولايات المتحدة ومحيطها الجغرافي المباشر في قمة أولوياتها الاستراتيجية، بينما تُعامل الساحات البعيدة، مثل الخليج، باعتبارها مناطق مهمة وحيوية، ولكنها تأتي في مرتبة ثانوية. ولا يعني ذلك أن منطقة الخليج هامشية بالنسبة للصين، بل إن بكين مترددة في تحمّل التزامات أمنية مفتوحة في منطقة تقع خارج نطاقها الاستراتيجي الأساسي، خشية استنزاف مواردها وتركيزها، اللذين لا يزالان مطلوبين بشكل أكثر إلحاحًا في ساحات اهتمامها الرئيسية، وخاصة مضيق تايوان.
شكل 1: كفة الخليج الراجحة: العلاقات الاقتصادية والتجارية لبكين مع دول مجلس التعاون مقارنة بإيران
.png)
- الصادرات الصينية إلى الدول
- الواردات الصينية من الدول
(أسماء الدول في الشكل: المملكة العربية السعودية – الإمارات – الكويت – قطر – عمان – البحرين – إيران)
يمكن وصف نهج الصين تجاه الحرب الإيرانية بأنه "وساطة دون تحمّل المسؤولية". فقد دعمت بكين جهود وقف إطلاق النار، وأيّدت المقترحات الدبلوماسية، وشدّدت على ضرورة استعادة الملاحة عبر مضيق هرمز. كما سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها طرفًا خارجيًا معنيًا بالأزمة، لكنها تجنّبت أن تصبح مسؤولة عن سلوك أي طرف من أطراف الصراع. وهذا تمييز مهم؛ فالصين تريد نفوذاً في الشرق الأوسط، لكنها لا ترغب في وراثة الأعباء التي لطالما صاحبت وجود القوة العسكرية الأمريكية في المنطقة. ويعكس هذا الموقف الحذِر أيضًا الأسلوب الدبلوماسي الأوسع نطاقًا للصين. فبكين تفضّل التدخل في النزاعات عندما تبدو التسوية السياسية ممكنة، لا عندما تكون المخاطر العسكرية عالية. فالصين تسعى إلى ترسيخ صورتها كعامل استقرار في المنطقة، لا كطرف مقاتل. وقد كشفت الحرب الإيرانية عن نقاط القوة وأبرز القيود الخاصة بهذا النهج. فالصين قادرة على الجمع بين الأطراف، وتشجيع الحوار، والاستثمار الاقتصادي، لكن مع اندلاع المواجهات العسكرية وانتشار القوات البحرية، يبقى نفوذها محدودًا.
شكل (2): التسلسل الهرمي للسياسة الخارجية الصينية [i]
.png)
(ترجمة الجمل في الشكل رقم (2) الدول النامية هي الأساس – القوى العظمى - المحيط الجغرافي يمثل الأولوية. القوى الكبرى أساسية – الصين – الولايات المتحدة – جنوب شرق وشمال شرق آسيا – الاتحاد الأوروبي – دول الخليج)
إنّ تحفّظ الصين، مدفوعاً بتردّد روسيا في التدخل المباشر في الصراع، قد فتح الباب أمام تنامي التكهنات بأن الحرب الإيرانية ربما تتقاطع مع مسارات تفاوضية أوسع نطاقاً مع واشنطن، وتحديداً فيما يتصل بملفي تايوان وأوكرانيا.
ورغم أنّ هذه التكهنات تبدو مفهومة سياسيًا، فإن إثباتها تحليليًا يظل أمرًا بالغ الصعوبة. وتفيد النظرة الفاحصة لمجريات الحرب بأنها أفرزت تبادلاً للمصالح دون أن تتوج بإبرام أي صفقة رسمية كبرى، فقد استفادت روسيا بصورة مباشرة من الصراع عبر ارتفاع أسعار الطاقة وتحويل جزء من اهتمام وموارد الغرب بعيدًا عن أوكرانيا. أما مكاسب الصين فكانت غير مباشرة، لكنها ليست هامشية. إذ استطاعت بكين دراسة التكلفة العملياتية والدبلوماسية لانخراط الولايات المتحدة عسكريًا في ساحة بعيدة عن شرق آسيا، كما استفادت من التحويل المؤقت لاهتمام واشنطن وأصولها العسكرية بعيدًا عن منطقة المحيطين الهندي والهادي. ولم يكن ذلك تحولًا استراتيجيًا حاسمًا، لكنه منح الصين رؤية أوضح للقيود التي تواجه القوة الأمريكية عندما تتعدد الأزمات في مناطق مختلفة. وبالنسبة لبكين، تظل تايوان الأفق الاستراتيجي المركزي، لكن لا يوجد دليل واضح على أنه قد جرت المقايضة بأمن الخليج مقابل الحصول على تنازلات في مكان آخر.
توازن القوى الإقليمي وعودة الهيمنة الأمريكية
كان من أوضح نتائج الحرب إعادة ترسيخ القدرات العسكرية للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. فعلى الرغم من سنوات من النقاش حول تراجع الانخراط الأمريكي والتحول نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ، جاءت هذه الأزمة لتعيد واشنطن بقوة إلى قلب منطقة الخليج. فالحشود العسكرية الإضافية، والعمليات البحرية المكثفة، وحماية خطوط الملاحة الدولية، أعادت التأكيد على حقيقة أن الولايات المتحدة تظل الفاعل العسكري الذي لا غنى عنه في المنطقة.
ويمثل ذلك مكسبًا لواشنطن، لكنه مكسبًا معقدًا. فقد عززت الولايات المتحدة نطاق نفوذها، لكنها في الوقت نفسه عمّقت مستوى انخراطها وتشابكها في أزمات المنطقة. فكل أزمة كبرى في الخليج تعيد تذكير دول المنطقة بأن المظلة الأمنية الأمريكية لا تزال ضرورة لا غنى عنها، لكنها في الوقت ذاته تذكّرها بأن هذه المظلة قد تنطوي على مخاطر خاصة بها. فدول الخليج، رغم اعتمادها على واشنطن في تحقيق الردع، لا ترغب في أن تتحول إلى منصات دائمة لحروب لم تختار الدخول فيها.
ومن المرجح أن يعزز هذا التوتر، الاستراتيجية الخليجية الراسخة القائمة على التحوط الاستراتيجي. فدول مجلس التعاون الخليجي ستواصل الاعتماد على الولايات المتحدة في مجال الأمن التقليدي والردع العسكري، إذ لا تستطيع أي قوة أخرى، بما في ذلك الصين أو روسيا، أن تحل محل واشنطن في هذا الدور. وفي الوقت نفسه، ستسعى هذه الدول إلى توسيع نطاق شراكاتها مع أطراف دولية وإقليمية أخرى، بهدف تقليل الاعتماد المفرط على دولة حليفة واحدة.
أما بالنسبة للصين، فإن هذا الواقع يخلق أمامها مساحة للتحرك، لكنها تظل محدودة. فبكين تستطيع أن تقدم نفسها كشريك في مجالات التجارة، والبنية التحتية، والطاقة، والتكنولوجيا، والدبلوماسية، كما يمكنها دعم الحوار الإقليمي وتوفير أدوات اقتصادية لمرحلة إعادة الإعمار. لكنها لا تستطيع واقعيًا أن تحل محل الولايات المتحدة كضامن أمني في منطقة الخليج، كما لا يبدو أنها راغبة أصلًا في تبني النموذج الأمريكي القائم على الالتزامات العسكرية الواسعة، والانتشار العسكري المباشر، وتحمل الأعباء السياسية. ولذلك، فإن الميزة الأساسية للصين لا تكمن في تقديم نظام عسكري منافس، بل في طرح دور اقتصادي ودبلوماسي مكمل للوضع القائم.
الخاتمة
إن الحرب الإيرانية تمثل جرس إنذار وفرصة سانحة للصين في آن واحد، فرغم أنها كشفت عن هشاشة صعودها الاقتصادي، في مواجهة أمن ممرات الطاقة والمضائق البحرية الخارجة عن نطاق سيطرتها، ففي الوقت نفسه أتاحت لبكين مساحة لتعزيز دورها كشريك اقتصادي، ووسيط دبلوماسي، وربما كطرف محتمل في جهود إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب. وعلاوة على ذلك، تمكنت الصين من تحقيق مكاسب غير مباشرة جراء الانشغال الأمريكي المؤقت بالحرب، وتحول جزء من القدرات العسكرية لواشنطن بعيداً عن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حتى وإن ظلت هذه المكاسب محدودة وغير مضمونة المآل. وبناءً عليه، لم يكن النهج الصيني المتحفظ غياباً عن المشهد، بل كان ضبطاً للنفس في ضوء أولويات بكين، وحدود قدراتها، وحساباتها السياسية.
وتتمثل الدلالة الأكثر عمقاً للمشهد في أن أمن الخليج يتجه نحو مرحلة باتت أكثر ازدحاماً بالقوى الفاعلة، وهو مسار لا يعني بالضرورة أفول الهيمنة الأمريكية؛ إذ لا تزال القوة العسكرية للولايات المتحدة تمسك بزمام المبادرة، غير أن دورها في رعاية الأمن الإقليمي أضحى أكثر كلفة، وأشد عرضة للسجال، وأكثر خضوعاً للتوازنات السياسية.
وفي المقابل، يشهد النفوذ الاقتصادي الصيني تنامياً ملحوظاً، في وقت تمضي فيه دول الخليج نحو تنويع خياراتها الاستراتيجية دون فك ارتباطها بشراكتها مع واشنطن. والنتيجة الحتمية لهذه التحولات هي صياغة معادلة أمنية إقليمية أكثر تشتتاً وبرجماتية وتعدداً في مستويات التحرك؛ تستمر فيها الهيمنة الأمريكية، ولكن بالتوازي مع تصاعد سياسة التحوط الخليجية، وتعاظم الحضور الاقتصادي الصيني، والسعي المتزايد لبناء شراكات بديلة ومتوازنة.






