أمن الممرات المائية والمضائق البحرية أحد أهم القضايا الاستراتيجية في العلاقات الدولية المعاصرة، نظراً للدور الحيوي الذي تؤديه هذه الممرات في التجارة العالمية وأمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي، فالبحار والمحيطات لم تعد مجرد فضاءات جغرافية طبيعية، بل مسارح للتنافس الجيوسياسي وصراع النفوذ، حيث يمر من خلالها نسبة كبيرة من التجارة الدولية وموارد الطاقة التي تعتمد عليها الاقتصادات الكبرى والناشئة على حد سواء.
إن فهم طبيعة هذه الممرات وأهميتها الاستراتيجية يتيح قراءة أعمق لطبيعة الصراعات الدولية وتحولات موازين القوى في النظام العالمي، وتاريخياً كانت السيطرة على الممرات البحرية أحد أهم مصادر القوة للدول الكبرى، فقد أدركت الامبراطوريات القديمة أن التحكم في طرق التجارة البحرية يمنحها القدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وتوجيه حركة التجارة لخدمة مصالحها، ومع تطور النظام الدولي ازدادت أهمية هذه الممرات نتيجة التوسع الكبير في التجارة العالمية وارتفاع الاعتماد على نقل الطاقة عبر البحار، وتشير التقديرات إلى أن (90% ) من التجارة العالمية يتم نقلها عبر البحر ما يجعل أي اضطراب في الممرات المائية ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي.
وتمثل المضايق البحرية نقاط اختناق جغرافية تمر عبرها السفن التجارية وناقلات النفط والغاز وهذه النقاط الضيقة عرضة للتوترات السياسية والتهديدات الأمنية سواء من خلال النزاعات بين الدول أو تهديدات القرصنة والهجمات المسلحة والإرهابية، وسوف نتطرق في هذا المقال للمضايق والممرات البحرية في الوطن العربي.
مضيق هرمز:
مضيق هرمز يعد شريانًا رئيسيًا لنقل النفط من منطقة الخليج إلى الاسواق العالمية، حيث تمر عبر نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية تقدر بحوالي (20%)، مما يجعله أكثر الممرات حساسية، وأي اضطراب في حركة الملاحة في هذا المضيق يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، كما هو حاصل هذه الأيام أثناء الحرب الأمريكية / الإسرائيلية على إيران، لذلك تحرص القوى الكبرى على ضمان بقاء هذا الممر مفتوحًا وآمنًا بينما تحاول إيران استخدامه كورقة ضغط في الصراعات السياسية.
النظام القانوني للملاحة في مضيق هرمز:
يدخل المضيق في نطاق المضايق التي تصل بين بحرين عامين هما بحر عمان والمحيط الهندي والخليج العربي وهو من الناحية القانونية يدخل في نطاق المضايق الدولية، لذلك فإنه يخضع لنظام المرور العابر وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، وليس لنظام المرور البري أما الدول المشاطئة للمضيق فقد نظمت المادة (39) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار واجبات السفن والطائرات أثناء مرورها العابر في المضيق حيث نصت على ضرورة أن تمضي دون إبطاء خلال المضيق أو فوقه وتمتنع عن أي تهديد بالقوة ضد السيادة للدول المطلة على المضيق وأي مخالفة لذلك تعد انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي ، كما نصت المادة (40) على عدم جواز قيام السفن الأجنبية بما في ذلك سفن البحث العلمي أثناء مرورها العابر في المضيق بأي أنشطة بحث أو مسح دون إذن مسبق من الدول المشاطئة للمضيق
تأثير إغلاق مضيق هرمز على دول الخليج:
- المملكة العربية السعودية، تمتلك المملكة خط أنابيب من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وهي بذلك تستطيع تصدير جزء كبير خارج المضيق، ولكنها سوف تتأثر من ارتفاع تكاليف التأمين والنقل والاستهداف المحتمل للبنية التحتية.
- الكويت – البحرين، اعتماد شبه كامل على المضيق، وسوف تتوقف صادرات الطاقة وبذلك تتكبد خسائر فادحة لاعتمادها الكبير على النفط.
- قطر، وتعتبر أكبر مصدر للغاز المسال وعند إغلاق المضيق سوف تتعطل صادرات الغاز ويكون هناك تأثير مباشر على أوروبا وآسيا.
- الإمارات العربية المتحدة، تمتلك خط أنابيب إلى الفجيرة خارج المضيق، وسوف يكون الضرر نسبياً ولكنها تبقى عرضة للتصعيد العسكري كما هو الآن خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
مضيق باب المندب:
وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية التي تربط بين البحر الأحمر وخليج عدن ومن ثم المحيط الهندي ويكتسب هذا المضيق أهمية خاصة لأنه يشكل المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وبالتالي يمثل نقطة عبور رئيسية للسفن المتجهة إلى قناة السويس وأي تهديد لأمن هذا المضيق ينعكس مباشرة على حركة التجارة بين أوروبا وآسيا ويؤثر على الاقتصاد العالمي، ويحتل مضيق باب المندب المرتبة الثالثة عالمياً من حيث عبور موارد الطاقة بعد مضيقي ملقا وهرمز ، ويقدر عدد السفن التي تمر عبره بأكثر من 21 ألف سنوياً بما يعادل 57 سفينة يومياً، ويتمتع هذا المضيق بأهمية عسكرية وأمنية.
النظام القانوني للملاحة في مضيق باب المندب:
فإذا عدنا إلى المادة الثالثة من اتفاقية قانون البحار نجد اليمن اتخذت قرارًا بتحديد اتساع بحرها الإقليمي بـ 12 ميلًا بحريًا ويتم قياس ذلك من خط الأساس لجزيرة بريم الواقعة في منتصف المضيق وبذلك يصبح المضيق في المياه الإقليمية لليمن، وعند تطبيق قواعد النظام الدولي فإننا نجد أن جزيرة بريم تقسم مضيق باب المندب إلى مضيقين، الأول المضيق الصغير وطوله 3 أميال تقريبًا ويقع بين جزيرة بريم اليمنية والساحل اليمني وهو صالح للملاحة ويقع تحت السيادة اليمنية والثاني المضيق الكبير وطوله 10 أميال ويقع بين جزيرة بريم اليمنية والساحل الإفريقي وتنظم اليمن حركة الملاحة فيه وفقًا لأحكام القانون الدولي والاتفاقيات الدولية المعقودة في هذا الشأن.
وترتبط أهمية باب المندب ارتباطًا مباشرًا بقناة السويس التي تعد أحد أهم الممرات الاصطناعية البحرية في العالم، فهذه القناة تمثل أقصر طريق بحري يربط بين أوروبا وآسيا وتستوعب نسبة كبيرة من التجارة الدولية ولذلك فإن أي اضطراب في باب المندب قد يؤدي عمليًا إلى تعطيل حركة الملاحة في قناة السويس وهو ما حدث في عدة أزمات تاريخية عندما تعرضت المنطقة لتوترات عسكرية أو سياسية.
قناة السويس:
وهي قناة صناعية تربط بين جزئيين من البحار المفتوحة وهما البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر ويبلغ طول القناة 186كلم وعرضها 200م، ولقد ظلت قناة السويس لفترة طويلة تتحكم في حركة النقل البحري العالمية، حيث تنقل حوالي 14% من التجارة العالمية البحرية، وتنبع أهمية القناة من موقعها حيث أنه المكان الوحيد الذي يربط مباشرة مياه أوروبا ببحر العرب والمحيط الهندي ودول آسيا والمحيط الهادئ.
النظام القانوني في قناة السويس:
حسب ما أقرته اتفاقية القسطنطينية تكون حرية الملاحة مضمونة في القناة لجميع المراكب التجارية والحربية ولجميع السفن وفي أي فترة سواء كانت سلم أو حرب، وليس هناك تميز في المعاملة بين السفن العابرة ولا يجوز لأي من الدول المتعاقدة أن تسعى إلى الحصول على أي مزايا إقليمية أو أي امتيازات أخرى فيما يتعلق باستعمال القناة، وكذلك يحظر على أي دولة استعمال القناة لأي أعمال عدائية أو الإتيان بأي عمل من شأنه الإضرار بسلامة الملاحة فيها، ويمنع على أي دول متحاربة استخدام القناة لأي إنزال أو تحميل أي ذخائر أو أسلحة أو معدات حربية أو جنود في القناة أو في أحد موانئها، ولا يحق للسفن الحربية العائدة للدول المتحاربة أن تمكث في موانئ القناة أكثر من أربع وعشرين ساعة إلا في حالة الضرورة القصوى، هذا وقد استمر النظام القانوني الدولي لقناة السويس ساري المفعول لغاية الحرب العالمية الأولى، عندما فرضت بريطانيا حمايتها على مصر ، وتولت بالتالي ممارسة كل الحقوق التي كانت تتمتع بها الدولة العثمانية على قناة السويس وفقاً لاتفاقية القسطنطينية وهذا ما اعترفت به صراحة معاهدة فرساي للصلح لعام 1919م، وكذلك معاهدة لوزان ولم يحدث أي تجديد بعد عقد المعاهدة البريطانية المصرية عام 1936م، التي منحت القوات البريطانية حق التمركز بجوار القناة، ثم إلغاء هذه المعاهدة بإعلان مصري عام 1951م، وهي الآن تحت الإدارة التشغيلية المصرية بالكامل .
مضيق تيران:
يعد هذا المضيق المدخل الوحيد الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج العقبة الذي يبلغ طوله 155كلم وأقصى عرض له 23كلم ويضيق في أقصى شماله ليبلغ 5كلم ويشكل هذا المضيق نقطة العبور الوحيدة للسفن من وإلى خليج العقبة وأعطته الاتفاقيات الدولية وضعاً خاصاً فهو الممر المائي الوحيد الذي يمكن للسفن الأردنية الإبحار عبره من ميناء العقبة إلى العالم، وكذلك يتم استخدامه من قبل السفن الإسرائيلية وهو يعتبر المخل الوحيد لها على البحر الأحمر.
النظام القانوني للملاحة في مضيق تيران:
لا يطبق بشأنه نظام المرور العابر وإنما تخضع الملاحة فيه لنظام المرور البري باعتباره يصل بين جزء من أعالي البحار والمياه الإقليمية للدول المشاطئة، ولهذا أقدمت السلطات المصرية عام 1951م، على إغلاق المضيق أمام السفن الإسرائيلية بسبب حالة الحرب التي كانت قائمة آنذاك.
مضيق جبل طارق:
يعتبر هذا المضيق موقعًا استراتيجيًا يربط بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي مما يجعله أحد أهم الممرات البحرية في أوروبا وعلى الرغم من أن هذا المضيق يتمتع بدرجة عالية من الاستقرار مقارنة ببعض المضايق الأخرى إلا أن أهميته الجغرافية تجعله دائمًا ضمن الحسابات الاستراتيجية للدول الأوروبية وحلفائها، ويشرف على المضيق المملكة المغربية من الجهة الجنوبية وإسبانيا من الجهة الشمالية ومنطقة الحكم الذاتي جبل الطارق البريطانية، وهو يعتبر نقطة حيوية كطريق شحن لكل المناطق الجنوبية من أوروبا والمناطق الشمالية من إفريقيا والغربية من آسيا وساعد وجود المضيق على تدفق المياه بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي مما حال دون تحول البحر المتوسط إلى بحيرة مالحة وشكل وجوده دوراً عسكرياً مهماً في العديد من الصراعات العسكرية الدولية، ومن أهم تلك الأحداث حرب شبه جزيرة أيبيريا والمعارك الأطلسية، وكذلك أدى زيادة عدد الأساطيل البحرية التابعة لبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا الموجودة في منطقة جبل طارق إلى رفع أهمية المضيق كقاعدة بحرية وهو ما يجدد الصراع كل فترة بين إسبانيا وبريطانيا.
النظام القانوني للملاحة في مضيق جبل طارق:
يعتبر المضيق حراً للملاحة الدولية لمصلحة السفن التجارية والحربية بموجب التصريح البريطاني الفرنسي والاتفاقية الإسبانية الفرنسية واتفاق طنجة.
مهددات أمن المضائق البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر:
تعد تلك المضايق الأخطر من حيث التهديدات الأمنية، والانعكاسات السلبية لذلك على الأمن القومي العربي كاملاً وعلى الاقتصاد العالمي، وقد نحدد بعض التهديدات في النقاط التالية:
- تغيير في موازين القوى لصالح القوى الإقليمية غير العربية مما يشجع تلك الدول على السعي إلى مد نفوذها ومحاولة التحكم في الممرات البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر وذلك إما بشكل مباشر كما في التهديد الإيراني المتكرر والذي نتج عنه مؤخراً أثناء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران إغلاق المضيق وصعوبة العبور للسفن من خلاله، اومن خلال التدخل بالوكالة كما هو في دعم أنشطة ميليشيا الحوثي في مضيق باب المندب.
- استمرار الأزمات الأمنية والسياسية دون حلول في بعض الدول المطلة على الممرات البحرية في المنطقة، وخاصة في اليمن والصومال، ففي اليمن لازالت تستمر الحرب بين السلطة الشرعية وميليشيا الحوثي وتعد سيطرتهم على ميناء الحديدة تهديداً لأمن الملاحة الدولية، ومن جهة أخرى فإن استمرار الأزمة السياسية في الصومال منذ 1990م يشكل تهديداً مستمراً للملاحة الدولية في خليج عدن وقد ينذر بعودة القرصنة البحرية التي كانت سابقًا
- استمرار التهديدات الإرهابية لأمن المنطقة في ظل وجود الجماعات الإرهابية مما يشكل تهديدًا لأمن الملاحة البحرية.
- استمرار النزاعات الحدودية بين دول القرن الإفريقي يمثل تهديدًا لأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر، لا سيما بأن تلك الدول تسيطر على جزر تطل على المضيق.
الجهود العربية لمواجهة التهديدات على أمن المضايق في المنطقة:
الكثير من دول العالم تتسابق في مد نفوذها في المنطقة بأسباب أمن الممرات البحرية، وتحاول الدول العربية التصدي لتلك المحاولات وتقوم بالتنسيق مع الدول العظمى ودول المنطقة في أمن وحماية الممرات المائية في المنطقة ، ويأتي إعلان المملكة العربية السعودية في 2018م، عن تأسيس تكتل يضم الدول العربية المطلة على حوض البحر الأحمر موقفًا حاسماً ورئيسيًا في محاولة هامة لمنع التهديد للمرات البحرية، وتعمل، كما بدأت دول الخليج العربي اهتمامها بتأسيس آلية لمواجهة تهديدات الأمن البحري في إطار ما يعرف بمجموعة الأمن البحري 81 والتي تستهدف الحفاظ على أمن الممرات البحرية، ودشنت جمهورية مصر العربية في 2020م، أكبر قاعدة عسكرية في البحر الأحمر تهدف إلى مواجهة التحديات الأمنية في البحر الأحمر وتأمين حركة الملاحة البحرية الدولية إلى قناة السويس.
وتتجاوز أهمية أمن الممرات المائية الجانب الاقتصادي لتشمل أبعاداً عسكرية واستراتيجية معقدة فالقوى البحرية الكبرى تعتمد على هذه الممرات لنقل قواتها العسكرية وإمداداتها اللوجستية كما تستخدمها لنشر نفوذها في مناطق مختلفة من العالم، ولذلك تسعى هذه القوى إلى الحفاظ على حرية الملاحة في البحار والمضايق باعتبارها أحد المبادئ الأساسية للنظام الدولي البحري.
وقد شكلت الأمم المتحدة إطارًا قانونيًا لتنظيم استخدام البحار والمحيطات من خلال الاتفاقيات الدولية التي تحدد حقوق الدول وواجباتها في المياه الدولية، ومن أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي وضعت قواعد واضحة لتنظيم المرحة في المضايق الدولية وضمان حرية العبور للسفن التجارية والعسكرية مع الحفاظ في الوقت نفسه على سيادة الدول الساحلية.
ومع ذلك فإن تطبيق هذه القواعد يواجه تحديات كبيرة في ظل التوترات السياسية والصراعات الإقليمية ففي العديد من الحالات تحاول بعض الدول استخدام موقعها الجغرافي على المضائق كورقة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية وهذا الاستخدام السياسي للمرات البحرية قد يؤدي إلى تصعيد الأزمات وتهديد الاستقرار الدولي.
إضافة إلى التهديدات التقليدية المرتبطة بالنزاعات بين الدول تواجه الممرات البحرية أيضًا تهديدات غير تقليدية مثل القرصنة البحرية والإرهاب البحري والهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة الملاحة وإدارة الموانئ، وقد شهدت بعض المناطق مثل القرن الإفريقي ارتفاعًا ملحوظًا في نشاط القرصنة خلال العقدين الماضيين مما دفع المجتمع الدولي إلى إطلاق عمليات بحرية مشتركة لحماية السفن التجارية وتأمين خطوط الملاحة، كما أن التطور التكنلوجي في مجال الأسلحة البحرية والصاروخية أدى إلى زيادة تعقيد التحديات الأمنية في المضائق البحرية، فبعض الدول باتت تمتلك قدرات صاروخية وبحرية متقدمة تمكنها من تهديد السفن في الممرات الضيقة وهو ما يخلق بيئة أمنية حساسة تتطلب تنسيقًا دوليًا واسعًا لضمان سلامة الملاحة.
وفي هذا السياق تلعب التحالفات الدولية دوراً مهمًا في حماية الممرات البحرية فالقوى الكبرى غالبا ما تنشر قوات بحرية في المناطق الاستراتيجية لضمان حرية الملاحة وردع أي محاولات لتهديد السفن التجارية كما يتم تنظيم مناورات بحرية مشتركة بين الدول لتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية في البحر.
وبالنسبة لدول الخليج العربي يمثل أمن الممرات البحرية قضية وجودية نظرًا لاعتماد اقتصاداتها بشكل كبير على تصدير النفط والغاز عبر البحر ولذلك تولي هذه الدول اهتمامًا خاصًا بتطوير قدرتها البحرية وتعزيز التعاون الأمني مع شركائها الإقليميين والدوليين لضمان سلامة طرق التجارة والطاقة.
كما تسعى بعض الدول إلى تنويع طرق تصدير الطاقة لتقليل الاعتماد على المضايق البحرية الحساسة ويتم ذلك من خلال انشاء خطوط انابيب برية لنقل النفط والغاز إلى موانئ بديلة خارج مناطق التوتر وهذه الاستراتيجية تهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بإغلاق المضايق أو تعطيل حركة الملاحة فيها.
ومن الناحية الاستراتيجية يمكن القول أن السيطرة على الممرات المائية تمثل أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في العالم المعاصر فالدولة التي تمتلك القدرة على حماية هذه الممرات أو التأثير فيها تستطيع أن تلعب دورًا مؤثرًا في النظام الدولي ولهذا السبب تتنافس القوى الكبرى على تعزيز وجودها العسكري والاقتصادي في المناطق التي تضم مضائق وممرات بحرية حيوية.
وفي ظل التحولات المتسارعة في النظام الدولي يتوقع أن تزداد أهمية أمن الممرات البحرية خلال العقود القادمة، فالتغيرات في موازين القوى العالمية وارتفاع الطلب على الطاقة والموارد الطبيعية سيؤدي إلى زيادة التنافس على السيطرة على طرق التجارة البحرية.
كما أن التغير المناخي وذوبان الجليد في المناطق القطبية قد يؤديان إلى فتح ممرات بحرية جديدة في المستقبل وهو ما سيخلق معادلات استراتيجية جديدة ويغير خريطة التجارة العالمية، وهذه التحولات ستفرض على الدول إعادة النظر في استراتيجياتها البحرية وتطوير قدراتها لضمان حماية مصالحها في البيئة الدولية المتغيرة.
وفي الختام يمكن القول إن أمن الممرات المائية والمضائق البحرية يمثل أحد الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي والسياسي في العالم، فهذه الممرات ليست مجرد خطوط على الخريطة بل هي شرايين حيوية تربط بين الاقتصادات والقارات وتؤثر بشكل مباشر في موازين القوى الدولية، وأن ضمان أمن هذه الممرات يتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا يقوم على احترام قواعد القانون الدولي وتعزيز الثقة بين الدول إلى جانب تطوير القدرات الدفاعية والبحرية لمواجهة التحديات المتزايدة في البيئة البحرية العالمية.
إن مستقبل الاستقرار الدولي سيظل مرتبطاً إلى حد كبير بقدرة المجتمع الدولي على إدارة هذه الممرات الحيوية بشكل يوازن بين السيادة الوطنية وحرية الملاحة ويمنع تحويلها إلى ساحات للصراع المفتوح، ففي عالم يعتمد بشكل متزايد على التجارة والطاقة العابرة للبحار يصبح أمن المضائق والممرات البحرية ليس مجرد قضية إقليمية بل مسألة أمن عالمي بامتياز.






