array(1) { [0]=> object(stdClass)#14443 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 220

إغلاق مضيق دولي أو عرقلته يمسّّ البنية التحتية المادية لحركة التجارة عبر تعطيل أحد مساراتها

الإثنين، 30 آذار/مارس 2026

تُعد المضايق البحرية من أهم الممرات الاستراتيجية التي تربط بين الأسواق العالمية، حيث تمر عبرها كميات ضخمة من النفط والغاز والسلع الأساسية، وبالتالي أي اضطراب في هذه الممرات ينعكس مباشرة على التجارة الدولية وسلاسل الإمداد. وقد أظهرت الوقائع الحديثة أن المشاكل الأمنية والسياسية في المضائق تؤدي إلى زيادة ملحوظة في تكلفة التأمين البحري وتأخير وصول البضائع. ففي مضيق هرمز، على سبيل المثال، أدت التوترات بين إيران ودول أخرى إلى ارتفاع أقساط التأمين البحري بنسبة تجاوزت ستين في المئة، مما أضاف تكاليف كبيرة على حركة النفط والتجارة العالمية. كما دفعت الهجمات التي شنتها جماعة الحوثي على السفن التجارية في البحر الأحمر، أحد أهم الممرات بين آسيا وأوروبا، شركات التأمين إلى رفع أسعار أقساط “مخاطر الحرب” على السفن، ما زاد من عبء النقل البحري للشركات والمستوردين. ولم تقتصر التداعيات على ارتفاع تكاليف التأمين فحسب، بل شملت أيضاً إعادة توجيه السفن لتجنب الممرات الخطرة، كما حدث في مضيق باب المندب، حيث أدت الهجمات في أواخر ٢٠٢٣م، إلى إعادة توجيه ٤٧٠ سفينة واضطرت إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات البحرية إلى ما يقارب تسعة عشر يومًا، وارتفاع تكلفة الشحن وتأخير وصول البضائع إلى الأسواق.  كما أفادت تقارير الأمم المتحدة إلى أن الزيادة في زمن المرور أدت إلى ارتفاع كبير في معدلات الشحن من موانئ مثل شانغهاي إلى وجهات عالمية، مع تسجيل زيادات في الأسعار تتراوح بين ٩٧٪ و١٥٨٪ في بعض المسارات مقارنة بالعام السابق. والجدير بالذكر أن مضيق هرمز يمر عبره نحو ٢٠٪ من النفط العالمي، مما يجعله مركزياً لأمن الطاقة العالمي وأي تهديد هناك له انعكاسات فورية على أسعار الطاقة والتكاليف اللوجستية.

ومن المهم الوقوف على الفرق بين مضيق باب المندب ومضيق هرمز وتأثيرهما على التجارة الدولية.   حيث يختلف المضيقان من حيث أثرهما على مرونة النظام التجاري العالمي. فهرمز يمثل نقطة اختناق أحادية المصدر (single-source chokepoint) بالنسبة لتدفقات الطاقة الخليجية، مع محدودية البدائل اللوجستية الفورية. بينما يتيح باب المندب، نظريًا، مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة، ما يجعله نقطة اختناق مرنة نسبيًا (elastic chokepoint )، وإن كانت هذه المرونة تأتي على حساب الكفاءة الزمنية والمالية.

ولمزيد من التفصيل فإن موقع مضيق هرمز يجعله المنفذ البحري شبه الحصري لصادرات النفط والغاز من دول الخليج إلى الأسواق الآسيوية والأوروبية. وعليه، فإن أي اضطراب في هذا المضيق لا يُقاس فقط بمؤشرات انسياب السلع -كما هو الحال في مضيق باب المندب-، بل بمدى تأثيره في استقرار أسواق العقود الآجلة للطاقة، وعلاوات المخاطر الجيوسياسية (geopolitical risk premiums)، وكلفة التأمين البحري (war risk insurance). ومن منظور قانون التجارة الدولية، فإن المخاطر المرتبطة بهرمز تنعكس مباشرة على شروط العقود طويلة الأجل لتوريد الطاقة، وبنود القوة القاهرة (force majeure) في عقود البيع الدولية، فضلاً عن إعادة تسعير المخاطر في عقود الشحن البحري (charter parties).

الإكراه الاقتصادي ومنظمة التجارة العالمية في ضوء قانون البحار

يثير تعطيل الملاحة في المضائق الاستراتيجية إشكالية مركّبة تتجاوز نطاق قانون التجارة التقليدي، لتقع عند تقاطع منظمة التجارة العالمية مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. فمن جهة، تُعنى منظمة التجارة العالمية – ولا سيما الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة – بتنظيم التدابير الجمركية وغير الجمركية التي تفرضها الدول على حركة السلع. غير أن إغلاق مضيق دولي أو عرقلته لا يُصنّف بسهولة كتدبير تجاري بالمعنى الفني، إذ لا يستهدف السلعة ذاتها ولا شروط دخولها إلى السوق، بل يمسّ البنية التحتية المادية لحركة التجارة عبر تعطيل أحد مساراتها الحيوية.

ومن جهة أخرى، يقرّ قانون البحار بنظام «المرور العابر» في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، بوصفه حقًا ذا طبيعة جماعية يهدف إلى ضمان انسياب التجارة العالمية. وعليه، فإن أي تعطيل متعمّد للملاحة قد يشكّل إخلالًا بالتزامات دولية في إطار قانون البحار، حتى وإن لم يكن قابلاً للطعن ضمن آليات تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية.

هنا تتجلّى فجوة الحوكمة الدولية بوضوح؛ إذ تكرّس اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مبدأ حرية الملاحة ونظام المرور العابر في المضائق الدولية، لكنه لا توفّر آلية ذات طابع تجاري لمعالجة الآثار الاقتصادية المترتبة على تعطيل تلك الملاحة. وفي المقابل، يعترف النظام التجاري المتعدد الأطراف، في إطار منظمة التجارة العالمية ولا سيما اتفاقية الجات، بأهمية انسياب التجارة، غير أنه يظل منصبًّا على التدابير التنظيمية والجمركية، دون أن يمتد بوضوح إلى تعطيل الممرات البحرية بوصفه قيدًا بنيويًا على النقل الدولي. ويزيد من تعقيد المشهد اتساع نطاق الاستثناءات الأمنية، وبخاصة المادة XXI من GAT، التي تمنح الدول هامشًا تقديريًا واسعًا لتبرير تدابيرها بدعوى حماية مصالحها الأمنية الأساسية، الأمر الذي يحدّ من إمكانية المساءلة الفعّالة. وبذلك يبقى الإكراه الاقتصادي عبر تعطيل المضائق في منطقة تنظيمية رمادية بين قانون البحار وقانون التجارة الدولية، في غياب إطار مؤسسي متكامل يستجيب لآثاره البنيوية على سلاسل الإمداد العالمية.

وتعكس هذه الأمثلة العلاقة الوثيقة بين الأمن البحري واستقرار سلاسل الإمداد، إذ تظهر كيف أن أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية يترتب عليه آثار اقتصادية مباشرة على التجارة الدولية، سواء من خلال ارتفاع التكاليف أو تعطيل الجداول الزمنية للشحن. ويبرز هذا الواقع أهمية مسؤولية الدول في حماية مضايقها البحرية، ليس فقط من منظور السيادة الوطنية، بل من أجل الحفاظ على حرية الملاحة واستمرار حركة التجارة العالمية بسلاسة، وهو ما أكدت عليه المبادئ القانونية التي أرستها محكمة العدل الدولية في قضية مضيق كورفو عام 1949م، حيث تم توضيح مسؤولية الدولة عن الأضرار التي قد تلحق بالسفن العابرة نتيجة الإهمال أو عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة، بما يضمن موازنة مصالح السيادة الوطنية مع حرية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن المهم الحديث عما إذا كان الإكراه الاقتصادي يُدرج تحت مفهوم القوة القاهرة. بداية يُعرف الإكراه الاقتصادي بأنه استخدام أدوات أو ضغوط اقتصادية للتأثير في سلوك دولة أخرى أو تغيير سياساتها دون اللجوء إلى القوة المسلحة وهو ما يعرف بـ (Economic Coercion) وتبنت قضايا التحكيم أن الإكراه الاقتصادي قد يُعتبر قوة قاهرة فقط إذا أدى إلى استحالة قانونية أو مادية حقيقية للتنفيذ، وليس لمجرد زيادة الكلفة أو المخاطر. وفي سياق المضائق الاستراتيجية، فإن الإغلاق الفعلي قد يحقق هذا الشرط، أما التهديد أو التعطيل الجزئي فغالباً لا يكفي.

ففي قضية Tsakiroglou أُغلق طريق قناة السويس واضطرت السفن للالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح، مما زاد مدة الرحلة وتكلفتها، وقضت محكمة اللوردات في المملكة المتحدة بأن ارتفاع الكلفة أو طول المسار لا يُعدّ استحالة قانونية، وبالتالي لا يرقى إلى إحباط العقد. وفي قضية LG&E v. Argentina اعتبرت هيئة التحكيم أن الصعوبة الاقتصادية لا تعادل الاستحالة. حيث فُرّق بين الاستحالة المطلقة وبين الصعوبات الاقتصادية، مما يعزز مبدأ أن الإكراه الاقتصادي أو تعطيل الملاحة لا يرقى إلى قوة قاهرة ما لم يجعل التنفيذ مستحيلاً مادياً أو غير قانوني قانوناً.

مسؤولية شركات التأمين في ظل اضطراب الملاحة الدولية

وعند الحديث عن تأثير الاضطرابات في المضائق البحرية على التأمين البحري. فيمكن القول إنه عند إغلاق مضيق أو تعرّضه لاضطرابات، لا يقتصر الأثر على حركة السفن، بل يمتد إلى كيفية تعامل التأمين مع الخسائر الناتجة. فشركات التأمين لا تعوّض تلقائيًا كل خسارة مرتبطة بالأحداث السياسية أو الأمنية؛ إذ تفرّق بين الضرر المادي المباشر — كإصابة السفينة أو احتجازها — وبين الخسائر غير المباشرة مثل التأخير أو اضطرار السفينة إلى سلوك طريق أطول. فإذا لم يقع هجوم فعلي أو تلف ملموس، قد ترى شركة التأمين أن ما حدث لا يدخل ضمن «مخاطر الحرب» المشمولة بالتغطية، بل يُعدّ نتيجة ظرف سياسي أو قرار سيادي خارج نطاق الوثيقة. وعندئذٍ يتحمّل التاجر أو الناقل الكلفة الإضافية، مما يفتح الباب أمام نزاعات حول تفسير شروط التأمين وحدود المسؤولية، ويُظهر كيف يمكن لحدث جيوسياسي أن يتحول إلى إشكال قانوني وتجاري في آنٍ واحد.  ومن أشهر القضايا التي أكدت هذا المبدأ هي The B Atlantic و The Anita

ولذلك تعتمد مخاطر التأمين البحري ابتداءً على صياغة وثيقة التأمين نفسها، إذ يتحدد نطاق التغطية وفق التعريفات الدقيقة للمخاطر المؤمن عليها، وشروطها، والاستثناءات الواردة فيها. فشركة التأمين لا تلتزم بالتعويض إلا إذا وقع حدث يندرج صراحةً ضمن المخاطر المشمولة، كأعمال الحرب أو الأفعال العدائية، وكان الضرر مادياً ومباشراً، ولم ينطبق عليه أي استثناء تعاقدي. وبالتالي فإن تفسير العقد هو النقطة الحاسمة في تحديد المسؤولية، لا مجرد خطورة الحدث أو آثاره الاقتصادية.

وفي ضوء الأحداث الأخيرة في الخليج العربي وما صاحبها من هجمات على ناقلات نفط وتعطّل حركة الملاحة في مضيق هرمز، اتخذت شركات التأمين البحري مواقف احترازية حاسمة. ووفقاً لتقرير Reuters، أعلنت عدة شركات تأمين بحرية كبرى وجهات متخصصة في تغطية مخاطر الحرب عن إلغاء أو تعليق هذه التغطية للسفن العاملة في مياه الخليج وإيران، مع اشتراط الحصول على موافقات خاصة لكل رحلة. كما ارتفعت أقساط التأمين إلى مستويات غير مسبوقة، وفُرضت رسوم إضافية مرتبطة بالمخاطر الأمنية (War Risk Surcharges). ويعكس ذلك تقدير شركات التأمين بأن مستوى المخاطر تجاوز حدود التغطية الاعتيادية، مما أدى إلى انتقال عبء المخاطر إلى ملاك السفن والمستأجرين، وارتفاع كلفة النقل البحري والتجارة الدولية.

ومن المهم معرفة أنه في قطاع التأمين البحري، لا تُعدّ المخاطر ثابتة أو مستقرة على نحو دائم، بل تتغير تبعًا للتطورات السياسية والأمنية في العالم. فالممرات البحرية، ولا سيما المضائق الاستراتيجية، قد تنتقل خلال أيام قليلة من بيئة آمنة نسبيًا إلى منطقة عالية الخطورة نتيجة تصعيد عسكري أو احتجاز سفن أو تهديدات مباشرة للملاحة. وهذا التغيّر السريع في مستوى الخطر ينعكس مباشرة على طريقة تعامل شركات التأمين مع التغطية، حيث تسمح وثائق تأمين مخاطر الحرب عادةً بإعادة تقييم التغطية أو تعديلها أو إنهائها بإشعار قصير عند حدوث تغيّر جوهري في مستوى المخاطر، إذا كان العقد يتضمن مثل هذا البند. ولا يُعدّ ذلك تغييرًا تعسفيًا، بل تفعيلًا لآلية تعاقدية متفق عليها مسبقًا تعكس الطبيعة المتقلبة للمخاطر الجيوسياسية.

وتتجلى هنا الأهمية المحورية لبنود العقد، إذ إن الصياغة الدقيقة لشروط مخاطر الحرب أو القوة القاهرة أو الانحراف الملاحي هي التي تحدد من يتحمل الخسارة عند وقوع اضطراب أمني، وكيف تُوزَّع الأعباء بين المالك والمستأجر والمؤمِّن. فلا يُحسم الأثر القانوني للأزمة استنادًا إلى خطورتها السياسية وحدها، بل وفق ما ينص عليه العقد صراحةً.

غير أن هذه المركزية للعقود تكشف في الوقت ذاته عن فجوة حوكمة أوسع. فبينما تكرّس اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مبدأ حرية الملاحة ونظام المرور العابر في المضائق الدولية، فإنها لا توفر آلية لمعالجة الآثار التجارية والاقتصادية المترتبة على تعطيل تلك الملاحة. وفي المقابل، يعترف النظام التجاري المتعدد الأطراف في إطار منظمة التجارة العالمية ولا سيما اتفاقية الجات بأهمية انسياب التجارة، لكنها لا تتناول صراحةً تعطيل الممرات البحرية بوصفها قيدًا بنيويًا على النقل الدولي. ونتيجة لذلك، تتحول الأزمات الأمنية في المضائق إلى أعباء تعاقدية وتأمينية تُدار عبر آليات خاصة، في ظل غياب إطار دولي متكامل يعالج آثارها على سلاسل الإمداد العالمية. وبذلك يظهر كيف يمكن لاختلال أمني محلي أن يمتد أثره عبر منظومة التأمين والنقل ليهدد استقرار التجارة الدولية بأكملها.

مقالات لنفس الكاتب