array(1) { [0]=> object(stdClass)#14365 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 219

التمسك بالتعددية القطبية ودعم القواعد الدولية السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والتنمية العالميين

السبت، 28 شباط/فبراير 2026

لعل أول حدث كبير يصدم العالم في عام 2026م، هو اعتقال الولايات المتحدة الرئيس الفنزويلي مادورو في عملية عسكرية. لم يقتصر هذا الانتهاك الصارخ للقانون الدولي على إغراق فنزويلا في اضطرابات سياسية فحسب، بل أحدث شرخًا خطيرًا في النظام العالمي. إن الاستخدام الأحادي للقوة من قبل الولايات المتحدة، وتجاهل الحصانة الدبلوماسية لرؤساء الدول وتجاوز مجلس الأمن الدولي كذلك، يُرسّخ مبدأً خطيرًا في العلاقات الدولية ألا وهو "القوة هي الحق". ويتجاوز أثره على الاستقرار العالمي الصراع الجيوسياسي نفسه، إذ يُعطّل سوق النفط العالمية ويخلق ألعاب استراتيجية متعددة ومخاطر محتملة كثيرة.

وقد أثبت المجتمع الدولي والقانون الدولي منذ زمن طويل عدم شرعية هذا العمل الأمريكي. ومن الناحية القانونية، يُعد مبدأ "لا ولاية قضائية بين متساوين" ركنًا أساسيًا من أركان القانون الدولي، و قاعدة قانونية دولية تعني أن الدول ذات السيادة متساوية في المكانة، ولا يحق لإحداها ممارسة سلطة قضائية أو فرض ولاية قانونية على أخرى دون موافقتها، مما يكرس مبدأ الحصانة السيادية في القانون الدولي. ويتمتع رؤساء الدول ذات السيادة بحصانة دبلوماسية مطلقة، وهو حقٌّ تحميه الاتفاقيات الدولية بغض النظر عن اعتراف الولايات المتحدة بوضع مادورو. قامت الولايات المتحدة، مستندةً إلى قانونها المحلي، بعمليات اعتقال عسكرية عابرة للحدود، وشرعت فيما يُسمى "محاكمات" لرؤساء دول أجنبية. وهذا يُعلي شأن العدالة المحلية على القانون الدولي، مُشكلاً بذلك هيمنة قضائية سافرة. من الناحية الإجرائية، ينص ميثاق الأمم المتحدة بوضوح على أنه لا يجوز للدول الأعضاء استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية والاستقلال السياسي للدول الأخرى. لم يُصرّح مجلس الأمن بالعملية الأمريكية، ولم يُضفِ عليها شرعية باعتبارها دفاعًا عن النفس، وهو ما يتوافق تمامًا مع تعريف "العدوان" الوارد في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3314. والأكثر إثارةً للقلق، أن هذا العمل ليس حادثًا معزولًا، بل هو نتيجة حتمية لسعي الولايات المتحدة الدؤوب نحو الأحادية - فمنذ غزو بنما واعتقال نورييغا إلى اختطاف مادورو الحالي، تتجاوز الولايات المتحدة تدريجيًا الخطوط الحمراء للعلاقات الدولية، ساعيةً إلى ترسيخ مبدأ الهيمنة الجديدة والذي يتمثّل في "إعلان رؤساء الدول الأجنبية الأخرى رؤساء غير شرعيين، وتنفيذ اعتقالات عابرة للحدود بالقوة".

بدأت الآثار المدمّرة لهذا المبدأ تتجلى بوضوح على الاستقرار العالمي. فقد أدّى ذلك أولًا إلى تقويض ركنين أساسيين في النظام الدولي: مبدأ المساواة في السيادة، ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. إذ إن قدرة قوة عظمى على إطاحة قادة دول أخرى بالقوة تُفرغ سيادة الدول الصغيرة والمتوسطة من مضمونها، وتُضعف أمنها بصورة جوهرية. ونتيجة لذلك، انهار التوازن الجيوسياسي الهش أصلًا في أمريكا اللاتينية انهيارًا كاملًا، ما أدى إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

 وأدانت الحكومات اليسارية في المكسيك والبرازيل ودول أخرى الولايات المتحدة لإحيائها "مبدأ مونرو الجديد"، مما ألحق ضررًا بالغًا بعملية التكامل في أمريكا اللاتينية. ثانيًا، تآكلت سلطة الأمم المتحدة بشكل أكبر. تتجاهل الولايات المتحدة تمامًا الدور التنسيقي لمجلس الأمن، وتستخدم إجراءات أحادية الجانب لتقويض الآليات متعددة الأطراف. وقد أدى ذلك إلى غرق الأمم المتحدة، التي كانت تعاني أصلًا من الضعف، في أزمة ثقة، مما زاد من صعوبة حل النزاعات الإقليمية وفقًا للقواعد الدولية. وتزايدت مخاطر التدخلات المهيمنة والحروب بالوكالة بشكل ملحوظ. وأخيرًا، انتشر خطر الفوضى العالمية. أرست تصرفات الولايات المتحدة سابقة خطيرة للمجتمع الدولي، ما قد يدفع بعض الدول إلى اتباع منطق "حل النزاعات بالقوة". وقد تندلع سلسلة من الصراعات الجيوسياسية في مواقع متعددة حول العالم، مضيفةً طبقةً قاتلةً من عدم الاستقرار إلى وضع عالمي مضطرب أصلاً.

في عام 2025م، بلغت احتياطيات فنزويلا النفطية المؤكدة حوالي 303 مليارات برميل، ما يمثل نحو 17% من الاحتياطيات العالمية. وباعتبارها الدولة صاحبة أكبر احتياطيات نفطية في العالم، فإن التغير المفاجئ في الوضع في فنزويلا له تأثير مباشر ومعقد على سوق النفط العالمية. يجب النظر إلى الشائعات حول انهيار الأسعار وتسييل النفط في سياق الواقع الموضوعي. ذلك لأن معظم نفط فنزويلا هو نفط خام ثقيل، يتوزع بشكل رئيسي في حزام أورينوكو النفطي الثقيل، لكن الإنتاج منخفض بسبب ارتفاع تكاليف الاستخراج، والقيود التكنولوجية، والعقوبات الدولية. هذا الحدث، بدلاً من أن يتسبب في انهيار الأسعار، دفعها في الواقع إلى قفزة كبيرة. إذ أثّر الهجوم العسكري الأمريكي بشكل مباشر على البنية التحتية لاستخراج النفط ونقله في فنزويلا. أدت انقطاعات التيار الكهربائي في كاراكاس وإغلاق الموانئ إلى اضطرابات في الإمدادات وحالة من الذعر. ونظرًا لأن أكثر من 67% من إنتاج فنزويلا هو نفط خام ثقيل تحتاجه المصافي العالمية، فقد ارتفع الطلب على إعادة التخزين في السوق بشكل كبير، مما أدى إلى زيادات ملحوظة قصيرة الأجل في أسعار العقود الآجلة لخام برنت وخام غرب تكساس الوسيط. وتتجاهل الشائعة القائلة بأن "الولايات المتحدة أغرقت البلاد بكميات كبيرة من النفط الفنزويلي، مما تسبب في انهيار الأسعار" القيود الحقيقية التي تواجه صناعة النفط الفنزويلية: أولًا، النفط الخام الفنزويلي ثقيل في معظمه، ويحتوي على نسبة عالية من الكبريت، وتتراوح كثافته النوعية بين 8 و20 فقط. ويتطلب استخراجه تقنية متخصصة لاستخلاص النفط بالبخار، كما تتطلب عملية التكرير معدات لإزالة الكبريت. ويبلغ سعر البرميل الواحد 35 دولارًا، وتتجاوز نسبة تقادم معدات حقول النفط 60%، مع انخفاض معدل استخدام الطاقة الإنتاجية إلى أقل من 30%، مما يجعل زيادة الإنتاج على نطاق واسع أمرًا مستحيلًا على المدى القريب. ثانيًا، حتى لو دعمت الولايات المتحدة نظامًا مواليًا لها لرفع العقوبات، فإن شركات النفط مثل شيفرون تُقدّر أنها ستحتاج إلى استثمار أكثر من 100 مليار دولار أمريكي وقضاء عدة سنوات لاستعادة الطاقة الإنتاجية، مما يترك مجالًا محدودًا للغاية لزيادة الإنتاج على المدى القصير. ما يُسمى بـ"انهيار الأسعار غير المسبوق" ليس إلا خطأً في تقدير السوق يفتقر إلى أي أساس حقيقي.

أما بالنسبة لادعاء تسييل النفط الفنزويلي، فهو أقل اتساقًا مع الوضع الحالي للصناعة. يتطلب التسييل نظام تكرير متطور، لكن فنزويلا خاضعة لعقوبات أمريكية منذ فترة طويلة، وصناعة التكرير فيها راكدة منذ زمان. لذلك يمكن أن نقول إن فنزويلا الآن في حالة افتقار إلى مرافق التسييل الكافية، فضلًا عن التكنولوجيا والدعم المالي اللازمين. ببساطة، لا تمتلك القدرة على تسييل النفط على المدى القصير، ومثل هذه الشائعات ليست سوى حيلة مضاربة. إن اختيار الدول المستوردة للنفط الفنزويلي، الخاضع للسيطرة الأمريكية، محفوف بالمناورات الاستراتيجية. طالبت الولايات المتحدة صراحةً بأن تتولى الشركات الأمريكية قيادة تجارة النفط الفنزويلية مستقبلاً، وأن تتعامل الدول المستوردة مباشرةً مع الولايات المتحدة بدلاً من فنزويلا. يضع هذا الأمر المستوردين التقليديين في أوروبا وآسيا أمام معضلة: فالامتثال للمطالب الأمريكية يضمن إمداداً مستقراً من النفط الخام الثقيل، ولكنه يُحمّلهم تبعات أخلاقية تتمثل في "الاعتراف بالسيطرة الأمريكية غير القانونية على موارد دولة أخرى"، وقد يواجهون ردود فعل انتقامية من القوى المعادية لأمريكا داخل فنزويلا؛ أما رفض التعاون فيستلزم البحث عن موارد بديلة مثل الرمال النفطية الكندية والنفط الثقيل الروسي، مما يزيد تكاليف التكرير بشكل كبير.

في هذا السياق، أصبحت المفاوضات بين الولايات المتحدة والدول المستوردة الرئيسية للنفط، كالصين، محورًا رئيسيًا في سوق النفط. وباعتبارها أكبر مستورد للنفط في العالم، لطالما كانت الصين مشتريًا رئيسيًا للنفط الفنزويلي. وتشير الإحصاءات إلى أن الصين استوردت ما يقارب 389 ألف برميل من النفط الفنزويلي يوميًا في عام 2025م، ما يمثل حوالي 4% من وارداتها من النفط الخام المنقول بحرًا. وإذا كانت الولايات المتحدة ترغب في إنعاش موارد النفط الفنزويلية، فمن المحتمل أن تدعو الصين بشكل استباقي لتنسيق المصالح بين الدولتين. ومن المحتمل أيضًا أن تستخدم الولايات المتحدة مفاوضات، علنية أو سرية، لتخفيف القيود المفروضة على صادرات النفط الفنزويلي إلى الصين، كوسيلة ضغط مقابل تنازلات من الصين في بعض القضايا الدولية.

أما الادعاء بأن "الصين تدعم اعتقال مادورو وتسعى للرد بالمثل على الإجراءات المتخذة ضد تايوان" فهو محض تكهنات لا أساس لها من الصحة وغرضة. في جوهره، هو حيلة دعائية من الولايات المتحدة للتنصل من مسؤولية طموحاتها للهيمنة وبثّ الفتنة بين الصين ودول أمريكا اللاتينية. كما نعرف أن ما يسمى بمسألة تايوان شأن داخلي صيني، وهي مسألة حول صيانة حكومة الصين وشعبها لسيادة الدولة وسلامة أراضيها وصيانة كرامة الأمة ومعارضة التدخل الخارجي، لذا مسألة تايوان تختلف جوهرياً عن القضية الفنزويلية. لطالما دافعت الصين بثبات عن سيادتها الوطنية وسلامة أراضيها، ووقفت دائماً إلى جانب القانون الدولي والعدالة، معارضةً التدخل الأمريكي غير القانوني في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. لم يتزعزع هذا الموقف قط.

على المدى البعيد، تهدف محاولة الولايات المتحدة للسيطرة على موارد النفط الفنزويلية أساساً إلى إعادة تشكيل هيمنة الطاقة العالمية. من خلال السيطرة على إمدادات النفط الخام الفنزويلي الثقيل، تسعى الولايات المتحدة للتأثير على أسعار المواد الخام للمصافي العالمية، وبالتالي موازنة صادرات الطاقة مثل روسيا ودول الشرق الأوسط، وفي الوقت نفسه تضييق الخناق على أمن الطاقة للدول المستوردة كالصين. إلا أن تنفيذ هذه الخطة سيواجه عقبات جمة: فاستمرار مقاومة أنصار مادورو في فنزويلا قد يُغرق الوضع في فوضى عارمة، مما يجعل استعادة طاقة إنتاج النفط أمراً بعيد المنال؛ ولن تقف منظمة أوبك+ مكتوفة الأيدي بينما تُزعزع الولايات المتحدة استقرار سوق الطاقة، ومن المرجح أن تُعدّل طاقتها الإنتاجية للحفاظ على استقرار أسعار النفط؛ كما تُسرّع الدول المستوردة كالصين من تنويع وارداتها من الطاقة لتقليل اعتمادها على مصدر واحد. إن محاولة الولايات المتحدة السيطرة على مشهد الطاقة العالمي بالتلاعب بالنفط الفنزويلي ليست في نهاية المطاف إلا ضرباً من ضروب التمني.

وخلاصة القول، إن اعتقال الرئيس الفنزويلي له تأثير مفاجأ وطويل الأمد على الاستقرار العالمي، إذ الأمر الذي أرسى مبدأ جديدًا في العلاقات الدولية، ألا وهو الاعتداء على رئيس دولة واختطافه دون مراعاة الحصانة القانونية والدبلوماسية التي يتمتع بها، ودون اعتبار لدور الأمم المتحدة ومجلس الأمن. ويُعدّ اعتقال الرئيس الفنزويلي تجسيداً صارخاً لمنطق الهيمنة الأمريكية، ونموذجاً مصغراً للأزمة التي يشهدها النظام العالمي خلال مرحلة التحول. يُشكل هذا تحذيراً بأن الهيمنة لا تزال تُشكل أكبر تهديد للاستقرار العالمي، وأن حماية القانون الدولي والآليات متعددة الأطراف ذات أهمية قصوى. بالنسبة للمجتمع الدولي، لا يمكن احتواء انتشار عدم الاستقرار إلا من خلال التمسك الراسخ بمبدأ المساواة في السيادة، وتعزيز دور الأمم المتحدة التنسيقي، ومقاومة أعمال الهيمنية الأحادية. أما بالنسبة للدول المستوردة للطاقة، فإن تسريع التحول في مجال الطاقة وبناء نظام إمداد متنوع هما الحلان الأساسيان لمواجهة تداعيات الصراعات الجيوسياسية. ستُوضح هذه الأزمة، التي دبرتها الولايات المتحدة، للعالم في نهاية المطاف أن الهيمنة قد تُحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لن تُسيطر على المستقبل. إن التمسك بنهج التعددية القطبية ودعم القواعد الدولية هما السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والتنمية العالميين.

مقالات لنفس الكاتب