array(1) { [0]=> object(stdClass)#14295 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

القرار 1559 أدى لخروج قوات سوريا من لبنان دون حل الميليشيات وسمح لإيران ملء الفراغ

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

لا يختلفنّ اثنان حول حقيقة أن الأمم المتحدة هي منظمة حكومية عالمية نشأت عام 1945م، وتكونت عضويًا من 51 دولة كان لبنان أحدها، كي تعالج وقائيًا الأسباب التي تؤدي إلى الحروب والنزاعات، وكي تعالج زجرياً أي خطوة يمكن أن تؤدي إلى فتنة دولية تضرب مرتكزات الأمن والسلام. وفق هذا المنطق سكن في بال وذهن واضعو ميثاق تأسيسها جثث عشرات الملايين من القتلى كنتاج مباشر لحربين عالميتين، خصوصاً وأن منظمة عصبة الأمم التي ولدت بعد الحرب العالمية الأولى فشلت فشلًا ذريعًا في حماية الأمن والسلم، فاقتنصت الهتلرية السياسية الفرصة وبدأت الاستعداد لانتقام نازيّ فعل فعله في الحرب الكونية الثانية.

وفي الواقع، لم تُطرح أسئلة في قضايا العلاقات الدولية عامة، والقانون الدولي خاصة، أكثر من تلك التي طًرحت بشأن الأمم المتحدة. هل نحن أمام منظمة ترهلت وأصابتها الشيخوخة وبالتالي يحتاج العالم الدولي إلى منظمة بديلة، أم أن تجديدًا معينًا يمكن أن يحصل فيتجدد الدم في عروقها، أم أن المسألة مرتبطة بصراع أبدي سرمدي بين القانون الدولي والنظام الدولي، ذلك النظام الذي يقوم على القوة فقط؟

هذه الأسئلة لها أسبابها المنطقية، ففي الزمن الأمريكي، زمن الأحادية القطبية، مرت الأمم المتحدة بمرحلتين، مرحلة السيطرة الأمريكية شبه المطلقة عليها فبرزت المنظمة العالمية وكأنها إحدى الدوائر الأمريكية، ومرحلة تجاوز الولايات المتحدة لها وتعاطيها في مصالحها العالمية في مشهدية تشي بعدم وجود منظمة تضع ضوابط لتحركات الدول.

أولاً- الأمم المتّحدة بين الأهداف والمبادئ وصناعة القرار

إن أي تقييم لعمل الأمم المتحدة يجب أن ينطلق من العلاقة بين الثلاثي المشكّل من الأهداف والمبادئ ودوائر صنع القرار وآلياته. وبالنسبة إلى أهدافها، فالمادة الأولى من الميثاق تحدد مقاصد الأمم المتحدة وهي: أ- حفظ السلم والأمن الدولي؛ ب- إنماء العلاقات الدولية بين الأمم؛ ج- تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية؛ د- جعل هذه الهيئة مرجعاً لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة.

ولتحقيق هذه المقاصد وضع ميثاق المنظمة أسساً محددة أسماها بالمبادئ، فالأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول، وعلى مبدأ تنفيذ الدول التزاماتها بحسن نية، وعلى الحل السلمي للمنازعات، فضلًا عن تحريم اللجوء إلى القوة بين الدول باستثناء ما يتخذه مجلس الأمن من إجراءات زجرية لإعادة فرض الأمن والسلم.

وهكذا، لم تكن المشكلة يومًا في مقاصد ومبادئ الأمم المتحدة، وإنما كانت وعلى الدوام متمثلة في التناقض الصارخ بينها وبين آليات اتخاذ القرارات داخل الأمم المتحدة. نتحدث هنا عن الاجهزة المعنية باتخاذ القرارات النافذة.  فبعد أن جاء الميثاق ليحدد الأجهزة التي ستعمل على تحقيق مقاصد الأمم المتحدة، حصل الخلل الكبير الذي سيطيح بكل ترتيبات الأمن والسلم. وبهذا المعنى، فإن ميثاق المنظمة الأكبر في العالم والتي تضم اليوم في عضويتها 193 دولة، أنشأ مجموعة من الأجهزة لتحقيق مقاصدها، متوزعة بين أجهزة اقتصادية وقضائية وسياسية، فضلًا عن وكالات متخصصة في مجالات التنمية والخدمات الإنسانية تشكل مع المنظمة الأمّ ما نسميه في القانون الدولي بـ "منظومة الأمم المتحدة". أما الجهازين السياسيين الكبيرين فهما الجمعية العامة ومجلس الأمن. أما الجمعية العامة فهي الجهاز الأكبر كونها تضم في عضويتها كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لكن الميثاق لم يمنحها سلطة اتخاذ قرارات ملزمة، فقراراتها لا تتجاوز أن تكون توصيات ملزمة أدبياً. وعلى العكس من ذلك، فمجلس الأمن، وبالرغم من أنه لا يضم سوى خمس عشرة دولة، فهو الجهاز الذي أُعطِي حق اتخاذ قرارات ملزمة عندما يحصل تهديد للسلم والأمن. أكثر من ذلك، فتركيبة مجلس الأمن وتوزيع العضوية فيه بين دول غير دائمة وهي عشرة ودول دائمة وهي خمسة، من جهة، ومنح الأعضاء الدائمين حق النقض الفيتو، والذي يعني حق أي دولة في رفض أي قرار قد يتخذه المجلس لاستعادة الأمن والسلم أو منع تهديده، جعل الصورة واضحة وضوح الشمس، وهي الصورة العاكسة لموازين القوة بعد الحرب العالمية الثانية، فالدول التي انتصرت في هذه الحرب، أعطيت حق الاعتراض، فأضحى السلم العالمي مرهونًا بأصبع يرفعه مندوب دولة دائمة العضوية والتي هي الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا. وفي هذه المسألة، تتأكد من جديد أن القانون الدولي ليس إلا انعكاسا لإرادة القوي وفي موضوع الأمم المتحدة هو انعكاس لإرادة الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، فالاتحاد السوفياتي (سابقًا) ما كان ليرضى بأقل من الفيتو عندما وجد أن الدول الأربع الدائمة العضوية تبحر في تيار واحد في البحر الأمريكي، فما كان من هذه الدول إلا الركون لمطلبه، فثبت في القانون ما فرضه التوازن الاستراتيجي. لكن هل إن الحكم على الأمم المتحدة وأدوارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية متوقف فقط على الخلل في مجلس الأمن؟ هذا سؤال كبير ويحتاج إلى إجابات صريحة وموضوعية ودقيقة؟

ثانياً- الأمم المتّحدة بين النجاحات والإخفاقات

في الحكم على الأمم المتحدة، علينا التمييز بين الخدمات الكبيرة جدًا التي تقدمها منظومتها للأمم والشعوب وبين السياسات العالمية وانعكاساتها على عمل الأمم المتحدة. ففي الشق الأول، قدمت الأمم المتحدة خدمات على كافة المستويات، لا سيما في الحروب والنزاعات، ولولاها للقي ملايين اللاجئين والنازحين والمشردين والمرضى والفقراء حتفهم. كما لا يمكن التغاضي عن دورها في مكافحة التطرف والإرهاب، وتطوير العمل الديمقراطي في الدول النامية، فضلًا عن جهودها في مكافحة المخدرات ومرض الإيدز، ودورها في حماية الطفولة والدعوة لتمكين المرأة. وفي تحدي التنمية المستدامة قدمت الأمم المتحدة رؤيتها المتكاملة عام 2015م، وفي معضلات حقوق الإنسان، استطاعت أن تقفز من خلال أجهزتها المعنية خطوات كبيرة. وأما في الشق الثاني المتعلق بالسياسات العالمية وانعكاساتها على عمل الأمم المتحدة، فعندما كان النظام الدولي وطيلة نصف قرن من الزمن يسير بثنائية قطبية، كان العالم الدولي أكثر انضباطاً فالتوازن يخلق الردع، لكن المسألة تغيرت جذريًا عندما سقط القطب السوفياتي في بدايات العقد الأخير من القرن العشرين، فسيطرت الولايات المتحدة منفردة على الأمم المتحدة. إن التفرد الأمريكي في قيادة العالم جعل الولايات المتحدة في مرحلة أولى تسخر مجلس الأمن لخدمتها وتبتز الأمم المتحدة بالمساهمات السنوية في ميزانيتها، لكن في مرحلة ثانية جعلها تقفز من فوقها ومن فوق القانون الدولي برمته، فطرحت من جديد نظريتها للحرب الاستباقية التي تمكنها من تخيل عدوّ وشن حرب استباقية عليه دون المرور بالأمم المتحدة.

ثالثًا- لبنان والأمم المتحدة وإشكاليّة النّصف قرار

مما لا شك فيه أن لبنان نال قسطًا وافراً من اهتمام الأمم المتحدة، وذلك منذ عام 1968م، وقد صدر عن مجلس الأمن مجموعة من القرارات المهمة الخاصة بلبنان، وأهمها القرار الشهير 425 والقرارات 467 و1559 و1701. وإذا كان صحيحًا أن جل هذه القرارات صدرت في إطار الصراع اللبناني ـــ الإسرائيلي، إلا أن هذا الصراع دخلت عليه عوامل إقليمية خطيرة جاءت لمصلحة إسرائيل فانعكست في قرارات الأمم المتحدة. لكن أياً من هذه القرارات لم يتخذه مجلس الأمن وفق الفصل السابع، في حين أن المخاطر التي عاشها لبنان كانت تستعدي تدخلًا أمميًا حاسماً. فعقب الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1978م، واحتلال جزءًا كبيرًا من جنوبه، أصدر مجلس الأمن القرار 425 الذي "ناشد" فيه إسرائيل "أن توقف فورًا عملها العسكري ضد السلامة الإقليمية للبنان وأن تسحب على الفور قواتها من جميع الأراضي اللبنانية"، وشكل فيه قوة مؤقتة تابعة للأمم المتحدة تعمل في جنوب لبنان بقصد التحقق من انسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة السلام والأمن الدوليين، ومساعدة حكومة لبنان على تأمين عودة سلطتها الفاعلة إلى المنطقة". لكن هذه القوة لم تُعط صلاحية إجبار لإسرائيل على الخروج من لبنان. ومن قرارات مجلس الأمن المهمة في لبنان هو القرار 1559 لعام 2004م، وفيه طالب المجلس "جميع القوات الأجنبية المتبقية بالانسحاب" من لبنان ودعا إلى "حل جميع الميليشيات اللبنانية ونزع سلاحها". ورغم أن هذا القرار صدر بموجب الفصل السادس إلا أنه أسفر عن خروج القوات السورية من لبنان، من دون أن ينجح في حل جميع الميليشيات اللبنانية. السيء في هذا القرار هو أنه سمح لإيران بأن تغطي الفراغ الذي خلفه الانسحاب السوري في لبنان فازداد حزب الله قوة، افضت إلى فوضى عارمة في لبنان، جاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري في إطارها. انها نفس المرحلة التي كان التناغم الأمريكي الإيراني فيها على أشدّه، على اعتبار أن طهران قبل عام من صدور القرار كانت قد قدمت خدمات جليلة لواشنطن في غزو العراق واحتلاله. أما القرار 1701، فهو صدر بدوره تحت الفصل السادس، لكنه تضمن بنوداً صريحة لجهة منع حزب الله من التواجد جنوب الليطاني ولجهة تأكيد القرار 1559 القاضي بنزع سلاح الميليشيات اللبنانية، لكن نقطة ضعفه تجلت في أنه تضمن بندًا يتحدث عن حل مستقبلي طويل الأمد في لبنان، وقد فشلت الأمم المتحدة في فرض هذا الحل، فدخل حزب الله من جديد بحرب تحت شعار إسناد غزة، أدت إلى تدمير كبير في الجنوب وفي بيروت وقضت بشكل شبه كلي على قيادات الصف الأول للحزب. هذا القرار أدرج بند تحدث عن مساعدات دولية للبنان في مجالي التنمية والإعمار، بقيت مرهونة بنزع سلاح حزب الله.

رابعًا- اللبنانيون والأمم المتحدة.. تطلعات وتحديات

تدرك الأمم المتحدة أن الصراعات الإقليمية القديمة منها والجديدة، والأطماع الإسرائيلية والإيرانية، قد جعلت لبنان ساحة تدخلات لا مصلحة للبنان فيها، وتدرك أن بعض هذه التدخلات مرتبطة بالأمن والسلم، لكنها وبالرغم من ذلك لم تشاطر اللبنانيين في رؤيتهم لحلول جذرية، تنزع سلاح الميليشيات وتردع قوى إقليمية قديمة وجديدة تتدخل في لبنان وتجعله محط فتنة داخلية من جهة وغدرية اتجاه دول عربية صديقة وللشعب اللبناني مصالح كبرى معها من جهة ثانية. كل ما يهم الأمريكيين ويعكسونه في قرارات مجلس الأمن هو عدم إصدار قرارات عقابية ضد إسرائيل، لكنهم لا يعملون على وضع لبنان على لائحة الأمن والسلم.

وتقتضي الموضوعية القول إن الأمم المتحدة على الصعد الاقتصادية والتنموية تقدم الدعم للبنانيين، ولو من باب التعويض والتقصير، وفي هذه المسألة هناك مفارقة لافتة، فوكالاتها المتخصصة شدت رحالها باتجاه مدينة طرابلس العاصمة الثانية للبنان والمشهورة بإهمال الدولة لها، وبإهمال سياسييها لها وهم من أثرياء لبنان. واليوم هناك عدة مشاريع أممية في طرابلس وفق ما يقول رئيس بلديتها الدكتور عبد الحميد كريمة أهمها مشروع الوسط التجاري للمدينة والذي تتجاوز كلفته عشرين مليون دولار.

وفي نهاية المطاف، فإن إحلال الأمم المتحدة للسلام في لبنان من خلال تدخلاتها الحاسمة، هي مسألة تعترضها تحديات مرتبطة بإصلاح الأمم المتحدة. البعض يطرح مسألة تعديل نظام مجلس الأمن من خلال زيادة الأعضاء الدائمين وغير الدائمين، والبعض الآخر يعتبر أن الأمم المتحدة أصابها العجز التام. لكنني أرى أن المسألة غير مرتبطة حتميًا بإصلاح مجلس الأمن أو تعديل في آليات عمل الأمم المتحدة، بقدر ما ترتبط بتوازن دولي جديد يعيد للأمم المتحدة وزنها، وهو ما يعني حودث تغييرات جوهرية في النظام الدولي كنسق تبحر فيه القانون الدولي عامة وأعمال الأمم المتحدة خاصة.

مقالات لنفس الكاتب