array(1) { [0]=> object(stdClass)#14295 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

اختطاف مادورو لحظة حاسمة في انحدار النظام الدولي الليبرالي وغياب منظومة الأمم المتحدة

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

إن الإطاحة بالقوة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو على يد قوات دلتا الأمريكية في 3 يناير 2026م، تمثل أكثر بكثير من مجرد عملية عسكرية ضد زعيم إقليمي. بل تشكل انتهاكًا متعمدًا وخطيرًا للنظام القانوني الدولي الذي يحكم سلوك الدول منذ ثمانين عامًا، مما يشكل تحديًا جوهريًا لهيكل ميثاق الأمم المتحدة ويشير إلى الانحدار النهائي للنظام الدولي الليبرالي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية والمعروف باسم "السلام الأمريكي" PAX AMERICANA.

 

خرق البنية القانونية

 

تنتهك هذه العملية العديد من المبادئ الأساسية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة. فالمادة 2(4) تحظر صراحة "التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي أي دولة أو استقلالها السياسي". لكن إدارة ترامب نشرت 150 طائرة من 20 موقعًا في نصف الكرة الغربي، وقامت بتحييد الدفاعات الجوية الفنزويلية، ونفذت عملية اختطاف عسكرية على الأراضي السيادية الفنزويلية دون إذن من مجلس الأمن أو الحكومة الفنزويلية أو حتى موافقة الكونغرس. هذه ليست مسألة تأويل قانوني بل مسألة انتهاك صريح لسيادة دولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة. وكما وثّق علماء القانون الدولي، فإن هذه العملية انتهكت مبادئ المساواة في السيادة المنصوص عليها في المادة 2(1) وحظر التدخل في الشؤون الداخلية المنصوص عليه في المادة 2 (7.(

إن وصف الإدارة الأمريكية لهذه العملية بأنها "إنفاذ للقانون" وليس تدخلاً عسكرياً ينهار لدى التدقيق. إن نشر قوات دلتا فورس - وهي وحدة نخبة لمكافحة الإرهاب - بدعم من طائرات مقاتلة قامت بشل الدفاع الجوي يشكل عملاً حربياً بموجب القانون الإنساني الدولي، مما يؤدي إلى تطبيق قوانين النزاع المسلح. لا يوجد إطار قانوني يسمح بإنفاذ القانون من جانب واحد لإخراج زعيم أجنبي من أراضي دولة أخرى دون موافقة أو تفويض من مجلس الأمن. توجد معاهدات التسليم واتفاقيات المساعدة القانونية المتبادلة والآليات القضائية الدولية للتعامل مع مثل هذه الظروف من خلال القانون، وليس بالقوة.

 

وقد أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بيانًا لا لبس فيه: "هذه العملية تشكل سابقة خطيرة، وهناك "قلق عميق من عدم احترام مبادئ القانون الدولي". هذه الإدانة من قبل المسؤول الإداري الأعلى في الأمم المتحدة تشير إلى قلق المؤسسة إزاء الاعتداء على مبادئ الميثاق الأساسية.

 

الشلل الهيكلي لمنظومة الأمم المتحدة

 

كشفت عملية فنزويلا عن ضعف هيكلي معوق في النظام الدولي الذي أنشئ بعد عام 1945: فقد أصبح مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي صُمم ليكون آلية لإنفاذ السلام الدولي بشكل جماعي، عاجزًا مؤسسيًا في الوقت الذي توجد حاجة ماسة إليه. وقد حدد المجلس موعداً لعقد جلسة طارئة في 4 يناير، بمبادرة من كولومبيا ودعم من الصين وروسيا، لكن الولايات المتحدة، بصفتها عضواً دائماً في المجلس ولها حق النقض، يمكنها منع أي قرار ملزم يدين أفعالها.

وهذا يمثل المفارقة الكبرى في منظومة الأمم المتحدة: المؤسسة المكلفة بالحفاظ على السلام والأمن الدوليين ممنوعة هيكلياً من محاسبة أقوى أعضائها. لقد جعلت آلية الفيتو - المصممة لمنع المجلس من اتخاذ إجراءات ضد أي قوة عظمى - المنظمة عاجزة تمامًا عن مواجهة تلك الجهات الفاعلة الأكثر قدرة على انتهاك القانون الدولي. يمكن لفنزويلا أن تلجأ إلى مجلس الأمن؛ ومن المرجح أن تدعم الصين وروسيا لغة الإدانة؛ لكن الولايات المتحدة ستستخدم حق النقض ضد آليات الإنفاذ، مما يضمن عدم وجود عواقب قانونية مترتبة على الانتهاك.

هذه الديناميكية تنزع الشرعية عن النظام متعدد الأطراف برمته. وكما يمكن أن نلاحظ، إذا كانت الولايات المتحدة تؤكد حقها في استخدام القوة العسكرية لغزو واحتجاز القادة الأجانب الذين تتهمهم بارتكاب جرائم، فما الذي يمنع الصين من دخول تايوان وإعادتها إلى الوطن الأم بالقوة؟ وما الذي يمنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من اختطاف رئيس أوكرانيا؟ هذا السؤال ليس سؤالاً بلاغياً؛ فهو قد يشكل الآن بالفعل حسابات استراتيجية في بكين وموسكو.

 

أزمة النظام القائم على القواعد

 

"السلام الأمريكي" PAX AMERICANA— النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية على أساس أن القواعد والمؤسسات والديمقراطية الليبرالية ستقيد سلوك القوى العظمى — كان قائماً على افتراض أساسي: أن الولايات المتحدة ستعمل في إطار القيود القانونية الدولية كنموذج للالتزام بالقواعد. لكن غزو العراق عام 2003م، ألحق أول جرح كبير بهذا الافتراض. استشهد بوتين صراحة باجتياح العراق كمبرر لقيام روسيا بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم وغزو أوكرانيا. ومع ذلك، حتى إدارة بوش، مهما كانت أوجه القصور القانونية فيها، سعت للحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي بشأن العراق (قرار مجلس الأمن 1441) قبل الغزو. أما إدارة ترامب فقد تخلت حتى عن هذا التظاهر بالدبلوماسية والقانون.

إن اهتمام ترامب بمبدأ مونرو - الذي تم الكشف عنه في استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 م، ويتم تنفيذه الآن في فنزويلا - يمثل عودة صريحة إلى سياسة مناطق النفوذ في القرن التاسع عشر. لقد أدى تطبيق هذا المبدأ تاريخياً من طرف الولايات المتحدة إلى تدبير واحد وأربعين تغييراً في أنظمة الحكم داخل أمريكا اللاتينية بين عامي 1898 و1994م. إن تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا "حتى نتمكن من إجراء انتقال آمن وسليم وحكيم" يردد الأسباب التي قُدمت قبل احتلال العراق - وهي التزامات ثبت أنها غير محددة ومدمرة.

والأهم من ذلك، أن تهديدات ترامب للرئيس الكولومبي غوستافو بيترو والرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم - التي تشير إلى أنه يتوجب عليهما أن يكونا "حذرين" أو سيواجهان الإقالة - تحمل تعبيرًا واضحًا عن مبدأ التبعية (للولايات المتحدة) الذي سيطبق في نصف الكرة الغربي مدعومًا بالقوة العسكرية. وهذا رفض صريح للمساواة في السيادة. فعندما يعلن رئيس الولايات المتحدة أن قادة المنطقة الآخرين يجب أن يمتثلوا لأوامر وتفضيلات الولايات المتحدة أو يواجهوا عمليات الإطاحة بهم، فإن النظام القائم على القواعد لم يتم فقط تحريفه، بل تم رفضه بشكل قاطع من قبل من كان حتى الآن قائمًا عليه.

 

إعادة التوازن الاستراتيجي وتداعيات القوى العظمى

 

لهذه العملية آثار عميقة على الصين وروسيا، اللتين أدانتاها باعتبارها "انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي". لكن ردودهما تنطوي أيضًا على حسابات استراتيجية. ذلك أن تفكيك القيود القانونية الدولية على استخدام القوة الأحادية أصبح اليوم، بفضل الرئيس ترامب، هو النموذج الذي يمكن اتباعه. وعلى الرغم من أن كلا من روسيا والصين لها مطالبها الخاصة بالأمن القومي الإقليمي، التي قد تكون أكثر معقولية من مزاعم ترامب أن فنزويلا تهدد الولايات المتحدة، فقد استشهدت كلتا الدولتين باستمرار بالقانون الدولي لتبرير أفعالهما، أو استشهدتا بنفاق الولايات المتحدة كعوامل مخففة.

وهكذا، تؤكد العملية في فنزويلا صحة ادعاءاتهم بوجود معايير مزدوجة في الغرب وتضفي الشرعية على إجراءاتهم الأحادية الجانب الحالية أو المستقبلية. إذا كان بإمكان الولايات المتحدة شن عمليات عسكرية على أراضي دولة أخرى دون إذن من مجلس الأمن للقبض على زعيم ما لمحاكمته، فإن الإجراءات العسكرية الصينية ضد قيادة تايوان ستخضع لنفس الإطار القانوني. وتهديد روسيا بالتدخل في أوكرانيا يتبع نفس المنطق، وستُستخدَم السابقة التي أنشأها ترامب كسلاح لتبرير أي إجراء تجاه أوكرانيا أو في بحر الصين الجنوبي. 

إن الشراكة الاستراتيجية بين الصين وروسيا، التي تتعمق بالفعل في مجالات الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية، ستتعزز بفضل هذا الدليل على عدم موثوقية المؤسسات الأمريكية. فكلتا القوتين تعتبران النظام الذي تقوده الولايات المتحدة غير شرعي في الأساس؛ وتقدم فنزويلا دليلاً يدعم حجتهما بأن هذا النظام لم يكن أبداً نظاماً قائماً على القانون، بل كان يهدف فقط إلى الحفاظ على الهيمنة الأمريكية.

 

ضعف مصداقية الولايات المتحدة وبنية التحالفات

 

ومن المفارقات أن العملية التي يصفها ترامب بأنها إعادة تأكيد للقوة الأمريكية قد تسرع من التدهور الاستراتيجي للولايات المتحدة. وقد بدأ حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا بالفعل في حساب مدى ضعفهم. فقد عدلت الدنمارك، التي تشعر بالقلق إزاء وضع غرينلاند بعد التهديدات الإقليمية الأخيرة التي أطلقها ترامب، موقفها الدبلوماسي تجاه واشنطن. وتواجه الدول الأوروبية التي اعتمدت على الضمانات الأمنية الأمريكية الآن أدلة على أن الولايات المتحدة تعتبر القانون الدولي اختيارياً عند السعي وراء مصالحها في نصف الكرة الغربي. وإذا كانت القيود القانونية لا تلزم الولايات المتحدة في مجال نفوذها، فلماذا تعتقد الدول الأصغر أنها تلزم الدول الأخرى في أماكن أخرى؟

كما أن هذه العملية تؤدي إلى انقسام التحالف السياسي لترامب. فقد قاد الرئيس حملته الانتخابية على أساس معارضة الاحتلال العسكري غير المحدود و"الحروب الأبدية". ومع ذلك، يعترف مسؤولوه بأن إدارة فنزويلا قد تتطلب وجودًا وتدخلًا عسكريًا أمريكيًا مستمرًا. وقد يؤدي هذا التناقض بين سياسة العزلة التي تنتهجها حركة "ماجا" (اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) والتدخل النيو-إمبريالي إلى تكاليف سياسية داخلية تحد في نهاية المطاف من نطاق العمليات المستقبلية.

 

الآثار المترتبة على القانون الإنساني وحماية المدنيين

 

تثير الضربات العسكرية على البنية التحتية الفنزويلية وأنظمة الدفاع الجوي والمنشآت العسكرية مخاوف إنسانية. في حين تشير التقارير الأولية إلى وقوع خسائر محدودة في صفوف المدنيين، فإن منطق العملية - تدمير البنية التحتية المدنية والعسكرية في عاصمة مكتظة بالسكان - ينطوي على مخاطر متأصلة بإلحاق الأذى بالمدنيين. يقضي القانون الإنساني الدولي بأن تميز العمليات العسكرية بين الأهداف العسكرية والمدنية وتتجنب وقوع خسائر في صفوف المدنيين. وتشير العمليات الهجومية الأوسع نطاقاً، التي تُجرى دون آليات لحماية المدنيين، إلى انتهاكات محتملة لهذه المبادئ.

والأهم من ذلك أن هذه العملية تشكل سابقة لشن عمليات عسكرية في المراكز الحضرية في أمريكا اللاتينية دون الضمانات الإنسانية التي تطورت ببطء في الممارسة الدولية. وعندما تظهر القوى العظمى عدم اكتراثها بهذه الضمانات، فإن الدول الأصغر التي تعمل في ظل رقابة مؤسسية أضعف ستحذو حذوها.

 

تفكك القيود متعددة الأطراف

 

كان الغرض الأساسي من ميثاق الأمم المتحدة والنظام القانوني الدولي بعد عام 1945م، هو تقييد الممارسة الأحادية للقوة العسكرية الكبرى. وقد فشلت عصبة الأمم في منع الحرب العالمية الثانية بسبب افتقارها إلى آليات الإنفاذ وتجاهل القوى العظمى لأطرها. وقد صُممت الأمم المتحدة لمنع مثل هذه النزاعات في المستقبل من خلال وضع ضوابط قانونية ملزمة مدعومة بسلطة مجلس الأمن الدولي. 

ومع ذلك، فقد اعتمد هذا النظام دائمًا على ضبط النفس من جانب القوى العظمى، على أساس افتراض أن الاستقرار طويل الأمد يخدم مصالح القوى العظمى بشكل أفضل من المزايا الأحادية قصيرة الأجل. وترفض عملية ترامب في فنزويلا هذا الحساب بشكل صريح. فهي ترى أن الهيمنة الأمريكية الفورية على نصف الكرة الغربي تبرر خرق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة الأساسية. وإذا ساد هذا المنطق — أي إذا خلصت القوى العظمى إلى أن النظام القانوني لم يعد يقيدها، وبالتالي لا ينبغي أن تحترمه — فإن النظام سيعود إلى "حالة الطبيعة" (أي شريعة الغاب التي وصفها هوبز في "ليفياتان") حيث تحدد القدرات العسكرية والإرادة النتائج.

وقد وصف الأمين العام للأمم المتحدة هذه الاحتمالية بعبارات قاسية حين أشار إلى أن "العملية الفنزويلية تشكل سابقة خطيرة يمكن أن تزعزع استقرار النظام الدولي برمته". وهذا ليس مغالاة بلاغية، بل تقييم واقعي لما يحدث عندما يصبح العضو الدائم الأكثر قدرة على إنفاذ مبادئ الميثاق هو أكثر من ينتهكها انتهاكاً فاضحاً.

 

الخلاصة: نهاية القيود

 

يمثل القبض على نيكولاس مادورو لحظة حاسمة في انحدار النظام الدولي الليبرالي. لقد تضاءلت قوة "السلام الأمريكي" تدريجياً منذ غزو العراق، والآن أصبح من الواضح أنها انتهت. أعلنت الولايات المتحدة من خلال أفعالها أنها ستسعى إلى الهيمنة على نصف الكرة الغربي بالقوة العسكرية دون مراعاة لقيود ميثاق الأمم المتحدة أو الأطر القانونية الدولية أو التفويض المؤسسي. وستقوم الصين وروسيا، بعد ملاحظة هذا السبق، بتسريع عملياتهما الاستراتيجية في ظل نفس الأسباب القانونية. وسيظل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يعاني من عجز هيكلي عن تقييد الأعضاء الدائمين الذين يتمتعون بحق النقض، موجودًا كمنتدى دبلوماسي ولكن ليس كآلية إنفاذ.

وستتكشف العواقب على مدى سنوات: زيادة التدخلات العسكرية الأحادية من قبل القوى العظمى؛ وتآكل الحماية القانونية الدولية للدول الصغيرة؛ وتسليح خطاب التدخل الإنساني لتبرير العمليات الاستراتيجية؛ والعودة التدريجية إلى سياسة توازن القوى كمبدأ تنظيمي للعلاقات الدولية. إن النظام القائم على القواعد، على الرغم من كل نفاقه الموثق وتطبيقه الانتقائي، كان يوفر على الأقل إطارًا يمكن من خلاله التفاوض بشأن النزاعات الدولية ويمكن للدول الصغيرة من خلاله اللجوء إلى بعض السبل القانونية. وقد انهار هذا الإطار الآن. لقد انتهى عصر تقييد الإجراءات أحادية الجانب التي تتخذها القوى العظمى.

مقالات لنفس الكاتب