شهدت منطقة الخليج في العام المنصرم 2025 م، جملة من التحولات العميقة التي تركت بصماتها على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي والثقافي، ويمكن القول إن هذا العام، وامتدادًا لما قبله كان واحدًا من السنوات الأكثر ضغطًا على دول المنطقة، المنطوي على كم من التحديات المركبة، مما استدعى حشد القدرات المؤسسية، والدبلوماسية، وإعادة رسم الاستراتيجيات المستقبلية في أجهزة الدول، من أجل الحد من المخاطر، واستثمار الفرص، وتحويل الضغوط إلى مكاسب، وتوقع المتغيرات، الاستعداد للمفاجآت.
التحديات الكبرى
لم يكن الوضع الأمني مستقرًا بصورة كاملة عام 2025م، إذا استمرت التوترات الإقليمية، وخصوصًا في حرب غزة التي شهدت نوعًا من أنواع الإبادة الجماعية الكبرى، والحرب في لبنان، وأيضًا بين إسرائيل وإيران، عدا التغير الكبير، وشبه المفاجئ في سوريا في نهاية 2024م، وحرب الحوثي في البحر الأحمر، والاعتداء على قطر من الشرق (إيران) ومن الغرب (إسرائيل)، وما ترتب على كل ذلك من تهديدات مباشرة وغير مباشرة لأمن الخليج، جاءت من أذرع إيران من جهة، وحماقة السياسة اليمينية في إسرائيل.
كما استمر التنافس الدولي في الخليج بين القوى الكبرى، وازدادت مخاطر الأمن البحري في البحر الأحمر وبحر العرب ومضيق هرمز، وكذلك الصراع الإسرائيلي ــ الإيراني المستمر، ومن ثم الصراع الإيراني ـ الأمريكي، كل ذلك جعل من بيئة الشرق الأوسط ،والبيئة الخليجية، بيئة خطيرة، تتعاظم فيها التحديات الأمنية والاقتصادية، عدا العوامل الأخرى التي واجهت المنطقة، وهي تقلبات أسعار النفط، والتباطؤ الاقتصادي العالمي، جراء حرب أوكرانيا و روسيا، وارتفاع مستويات الإنفاق على المشاريع الضخمة، إضافة إلى تحديات التحول الرقمي الهائلة ،التي تسارعت بشكل كبير في عام 2025م، وتغيرت معها بيئة العمل والتعليم ،كما توجهت دول الخليج إلى محاولات جدية للابتعاد عن الاعتماد على النفط، والانفكاك التدريجي مع الاقتصاد الريعي، إلى أنشطة اقتصادية بعيدًا عن النفط ، سواء في السياحة، أو الاستثمار الخارجي، أو التجارة الدولية ،وقد نجحت بعض الدول كالمملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات في هذا التحول، من الاعتماد الكلي على النفط إلى الاعتماد الجزئي على مصادر جديدة في الاقتصاد.
أما التحديات الاجتماعية والثقافية فقد شهدت المنطقة ارتفاع تكاليف المعيشة، وتحديات سوق العمل، وبطالة نسبية للمتعلمين، والجدل الثقافي حول الهوية والدولة الوطنية، في ظل الانفتاح الكبير على العالم، وأصبح هناك قلق متصاعد في العلاقة بين الدولة المدنية والهوية، مما أنتج مجموعة من الصراعات الثقافية الداخلية حول الهوية والوطن، ظاهرة وباطنة. أما التحديات البيئية فقد ارتفعت موجات الحرارة عالميًا، وأيضًا في المنطقة، وتزايد التحديات في استهلاك المياه والكهرباء، مما دفع الدول لتعزيز مشاريع الطاقة المتجددة، مع تكاليفها العالية، وشهدت بعض الدول جزءًا من الانقطاعات الكهربائية، بسبب ذلك النقص، كما شهدت أخرى شد الحزام في الانفاق، وإعادة تسعير للخدمات العامة، مما ترك مشقة مالية على القطاعات الأقل دخلًا.
التغير الجذري في سوريا ونهاية مرحلة تغول حزب الله على الدولة اللبنانية و العبث بالأمن الإقليمي الذي قام به لعقود، كان أحد المتغيرات الهامة، حيث شهدت السياسة السورية خلالها خلال 2025 م، تحولًا جذريًا من نظام شمولي قامع لشعبه، إلى نظام يحاول تفكيك السردية السابقة، ورفع الظلم، والشروع في بناء دولة حديثة، لذلك نجد أن الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع ،في وقت ما في موسكو، وفي الوقت الآخر في واشنطن، من أجل البحث عن مسارات جديدة للدولة السورية، وهي دولة مركزية تؤثر أيضًا على أمن الخليج، ولقد لعبت المملكة العربية السعودية دورًا بارزًا في تقديم سوريا الجديدة إلى العالم، وقد تبين أن ضعفًا غير مسبوق في بنية النظام السياسي والاقتصادي السابق المتعمد على الدكتاتورية الفظة، هي التي انتجت خواء الدولة السورية وعرضتها للاختراق .
أثر التغير الجوهري في سوريا إلى تراجع النفوذ الإيراني، وساعدت الضربات المتكررة على البنية العسكرية الإيرانية في إضعاف النظام من جهة، وخفوت تنمره من جهة أخرى، وكذلك انتهت حرب حزب الله مع إسرائيل بخسائر عسكرية ومدنية مباشرة، وتصفية القيادات الكبرى في ذلك الحزب، وعودة شبه رسمية روسية إلى الانخراط في الجزء السياسي السوري، مقابل ترتيبات اقتصادية وتسهيلات عسكرية.
تراجع نفوذ حزب الله في سوريا شكل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا، إذ فقد الحزب عمقه الحيوي والتسليحي وخسر خطوط الإمدادات الأساسية المالية والعسكرية التي كانت سلسة، وتعرض أيضا لتآكل صورته الرمزية، سواء في لبنان، أو بين سكان المنطقة، كقوة مقاومة، كما ادعى في السابق، تزامن ذلك مع تغيرات داخلية لبنانية زادت عزلته، ولكنه لا زال يقاوم في سبيل الحفاظ على بعض ما كان له من سلطة، ولازالت إيران تدعمه، مما يشكل صراعًا محتملًا بين الحزب والدولة اللبنانية متوقع.
حرب غزة وما تلاها من تحول نسبي في الرأي العالم العالمي وتداعياتها الإنسانية والسياسية، لازالت تبث ديناميكياتها، ومن المحتمل أن تستمر تلك الديناميكيات الإنسانية والسياسية والاقتصادية إلى ما بعد عام 2026م، وهي القضية التي سوف ينشغل بها أصحاب القرار في الشرق الأوسط وخارجه، كما أن الحرب في السودان التي تأكل الأخضر واليابس، وهي حرب جنرالات ضروس، الخاسر فيها هو الشعب السوداني ولكنها ترمي بظلالها القاتمة على المنطقة.
كل هذه التحولات أعادت رسم التوازنات في الشرق الأوسط، وقللت من قدرة إيران على استخدام أذرعتها المختلفة سواء في سوريا أو في لبنان أو في اليمن، كمنصات ضغط تجاه دول الخليج، ومع ذلك فإن الفراغ الاستراتيجي الناتج قد يحمل مخاطر جديدة، مثل تصاعد دور الميليشيات الصغيرة، أو تدخلات قوى دولية لم تكن نشيطة سابقًا.
شهدت العراق انتخابات برلمانية ظهر فيها الشقاق بين المكونات العراقية على أفضل ما يكون ،فبين قلة لها ولاء مباشر لإيران من المذهب الشيعي، وقلة أخرى من المذهب السني تتصف بالانتهازية ترى أن إيران هي المحرك الرئيسي للساحة العراقية، فتتعاون معها، وبالتالي تتصاعد تهديدات كثيرة قادمة من الساحة العراقية، أولًا في عدم استقرار العراق، ثانيًا احتمال استخدام مجموعات من القوى التابعة لإيران لإحداث اضطرابات في منطقة الخليج، فالفضاء المحتدم بين إيران وبين الغرب وتصاعد دور الميليشيات الصغيرة في العراق قد يهدد الأمن في منطقة الخليج.
القضية الكبرى هي ما يحدث في غزة وعلى الرغم من خطة الإدارة الأمريكية للوصول إلى سلام ، إلا أن الشيطان في التفاصيل، فلا زال الأمر يتراوح بين طموحات إسرائيل التوسعية ،وبين طموحات حماس في البقاء كسلطة سياسية في غزة، ووضع الصراع الفلسطيني ــ الفلسطيني العميق والتاريخي، فإن التوجه العام يشير بأن القضية الفلسطينية سوف تبقى مهددة للأمن الإقليمي، وقد سبب حجم الدمار الذي حدث في غزة وعيًا جديدًا لدى الغرب ولكن هذا الوعي الذي بين الانتشار الكبير للقدرة إسرائيل العسكرية وحدود القوة المتوحشة، قد لا يستمر في تأييده للقضية الفلسطينية ،إذا لم يستطع أهلها الوصول إلى وفاق فيما بينهم
حرب غزة أيضًا بينت أن القوة المفرطة والخشنة لإسرائيل قد لا تأتي بالنتائج التي توقعتها، وأصبح هناك انقسام داخلي غير مسبوق في إسرائيل، بسبب تزايد الضغط الدولي للوصول إلى دولة فلسطينية وإنهاء هذا الصراع المميت والطويل، وقد قامت دول عربية وخليجية على رأسها المملكة العربية السعودية بدور حاسم في إقناع العواصم العالمية بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
على مستوى الأمن في الخليج ارتفع خطر الهجمات العابرة للحدود، فقد شهدت الدوحة اعتداءين صاروخين من الشرق إيران ومن الغرب إسرائيل، كما تستهدف الملاحة الدولية في باب المندب توسع دائرة العنف هناك.
لكن الملاحظ أيضًا صعود غير مسبوق للدبلوماسية الخليجية، ومشاركة فعالة في طرح مبادرات شاملة لإنهاء الصراع، وليس فقط وقف إطلاق النار، ودعم صريح وواضح لفكرة الدولة الفلسطينية كحل استراتيجي يحقق الاستقرار الإقليمي.
توسع النقاش أيضًا في هذا العام بين الرأي العام الخليجي حول مستقبل المنطقة من جهتين الاعتماد على النفط أو الشروع في العمل على مصادر أخرى للدخل، وأيضًا تقليل تأثير كل من الطموح الإسرائيلي والطموح الإيراني على أمن المنطقة، والتصدي الإعلامي الفعال لأطروحات الزعيق الأيديولوجي.
نشطت في هذه المرحلة السعودية وقطر والإمارات، هذا الثلاثي نشيط على الساحة الدولية لإعادة صياغة المقاربة الغربية للقضية الفلسطينية، والقضايا الأخرى المتفرعة منها، وقد استخدمت الورقة الاقتصادية لهذه الدول بدبلوماسية فاعلة، وطرحت رؤية علمية لمرحلة ما بعد غزة، إلا أن الأمر كما يبدو أن هناك مراوحة بين اللا حرب واللا سلم، ويحتاج الأمر إلى توافق واسع عربي وإسلامي يدافع مشروع الحل الشامل إلى الأمام.
لذلك فإن دول الخليج التي عقدت اجتماع القمة في البحرين في بداية ديسمبر 2025م، وهي القمة السادسة والأربعين، تواجه مجموعة من الخيارات الصعبة، منها تعزيز منظومة الدفاع الجوي الخليجي، والإسراع في وضع بروتوكول رد مشترك يردع الاعتداء، وتعزيز التعاون العسكري الأمريكي الخليجي على أساس الشراكة ورفع مستوى المراقبة البحرية.
بجانب استحقاقات أخرى اقتصادية، كالذهاب إلى السوق الخليجية الموحدة، والمواطنة الاقتصادية الموحدة وربما الطموح إلى عملة خليجية واحدة.
التخطيط للمستقبل هو الضمانة للاستقرار، فهناك متغيرات غير مرئية حتى الآن، وغير قابلة للتوقع بسهولة لذلك تحتاج دول الخليج إلى مرجعيات وتستفيد من عقول أبنائها، لوضع سيناريوهات توقع المخاطر القادمة، ورسم خريطة تعاون فعال بين هذه الدول، لأن العالم يتجمع الآن في مجموعات مصلحية، سواء في الجناح الغربي أو في الجناح الشرقي من العالم، والخليج هو واسطة العقد، وهو بوابة الشرق إلى الغرب وبوابة الغرب في الشرق.






