غيرت الحرب في سوريا 2011-2024م، التركيبة السكانية بشكل جذري، والافتراض بإمكانية العودة بسوريا ديمغرافياً إلى ما كانت عليه قبل الحرب أصبحت مستحيلة. فقد انخفض عدد سكانها حيث تشير الأمم المتحدة إلى أن هناك أكثر من 3 ملايين وثلاثمئة ألف لاجئ مسجل لديها.
فعلى مدى العقدين الماضيين تحولت سوريا لساحة لحروب الآخرين على أرضها، إذ لم تعد الحرب في سوريا حرباً أهلية وإنما حرباً إقليمية بالمعنى الدقيق، تتغذى بتضارب المصالح الإقليمية والدولية وتخفت بالاعتماد على قدرة الأطراف الإقليمية على الحوار والتوافق على مصالحها ولم تفلح في النهاية في وضع حد لتدفق اللاجئين المستمر ونزيف الضحايا الذي لم يتوقف ليرفع عدد القتلى إلى أكثر من 800 ألف قتيل وهو العدد الأكبر مقارنة مع كل الحروب الأهلية التي جرت في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية باستثناء كمبوديا.
التعددية بعد الحرب:
المجتمع السوري مجتمع متنوع، ولما كانت الحروب دوماً تترافق مع ما يسمى النزوح الداخلي،
فلن يكون غريبًا تصاعد أعداد النازحين السوريين مع تصاعد الصراع، لقد أصدر نظام الأسد جملة قوانين وتعليمات تعاقب سكان كل المناطق الثائرة وتحرمهم من العودة أو تجعلها مستحيلة أو صعبة للغاية بتدمير وحرق ممتلكاتهم فيما أصبح يطلق عليه بين مؤيدي النظام السوري "التعفيش" أي سرقة المحتويات، وهو ما شجع على سياسة النزوح التي قادت إلى سياسة عدم العودة والرجوع بسبب الخسارة الكاملة للمتكلمات حتى بعد انتهاء الحرب في مناطقهم، وهو ما دفع البعض لوصف ذلك بالاستراتيجية بسبب تكرارها في كل المدن بدون استثناء وعدم ورود خبر واحد لتحويل أي من المسؤولين عن هذه الانتهاكات إلى المحاكم رغم ورود آلاف الفيديوهات التي تظهر "التعفيش" بشكل واضح بما يشي أن هناك موافقة ودعم سياسي من أعلى المستويات القيادية بهدف مكافأة "جند النظام" أو "الشبيحة" لتشريد السكان قسراً وهو ما حدث بالفعل فبالرغم من إعادة سيطرة نظام الأسد على بعض المدن فإن عودة الأهالي بقيت مشروطة وحتى عندما عادوا صدموا بتدمير كامل لممتلكاتهم. ولهذه الاستراتيجية هدف واضح يتمثل في ضمان السيطرة الدائمة على هذه المناطق وهو ما يتجلى في الطلب من الأهالي الحصول على تراخيص قبل عودتهم إلى بيوتهم. وغالباً ما يتم التفاوض على نقل السكان بعد حصار مطول على أيدي قوات النظام، والذي ينطوي على محاصرة منطقة معينة، وقطع المياه والكهرباء والمساعدات وقصف المنطقة بالبراميل المتفجرة وقذائف الهاون قبل أن تطلب الاستسلام وهو ما وصفناه في العامل الخاص بالحصار، بعد ذلك لا يكون أمام السكان إلا النزوح وهو ما يطلق عليه التهجير القسري وقد جرت عدة صفقات لتبادل السكان ضمن عامي 2017 و2018 م.
ودعم نظام الأسد هذه السياسات بالقوانين المقيدة لعودة النازحين والمهجرين والتي تبرر سرقة ونهب وتدمير الممتلكات حيث يمتلئ الانترنت بمقاطع فيديو مذهلة في دلالتها على ارتكاب الجريمة كفعل السرقة والنهب لممتلكات الغير تحت اسم ميليشيا الدفاع الوطني وغيرها، كما قام نظام الأسد بتدمير أبنية ومساحات كبيرة من الأراضي بحجة التنظيم، ووثقت هيومان رايتس ووتش أنه "اعتباراً من يوليو/تموز 2012م، حيث قامت السلطات السورية بتهديم الآلاف من البنايات، وأحيانًا بعض الحالات، بالمتفجرات والجرافات، في دمشق وحماة، وهما اثنتين من كبريات المدن السورية. وزعم مسؤولون حكوميون ومنافذ إعلامية موالية للحكومة أن عمليات الهدم أتت كجزء من جهود التخطيط العمراني لإزالة مبان مقامة بالمخالفة للقانون.
أثر الحرب على التعددية:
كان أثر الحرب كبير على تماسك المجتمع الإثني والطائفي فضلًا عن عقود الاستبداد الطويل تحت حكم الأسد، فسوريا دولة متعددة الطوائف، كانت كذلك منذ عشرات القرون وستبقى كذلك في المستقبل القريب على الأقل، لكن السؤال هو لماذا تحول هذا التعايش التاريخي بين الطوائف المكونة للمجتمع إلى "وصفة قاتلة" فتكت بوحدة المجتمع وحولته لمجرد طوائف متفرقة.
كانت الطوائف دومًا جزءًا من المجتمع السوري و جزءًا من تركيبته الدينية والاجتماعية والثقافية، وشكل تعايشها نموذجًا نادرًا، وسوريا كانت دومًا عصية على الانقسام الطائفي أو الحرب الأهلية، لكن مع قيام الحراك 2010-2011م، وضع النسيج السوري الطائفي على المحك، فالقضية الطائفية التي خمرها الاستبداد على مدى خمسة عقود انفجرت دفعة واحدة، وصعد الصراع السني – العلوي على السطح، استعاد العلويون صراعهم مع الغالبية السنية المحرومة في خضم حربٍ أهليةٍ شرسة. ومنذ مطلع هذا النزاع الصفري، تعاملت الحكومة العلوية مع المسألة على أنها "مؤامرةٍ غربية".
ربما كانت الجرائم القائمة على أسس طائفية وعرقية هي الأكثر انتشارًا في الحرب السورية أكثر من الاغتصاب، لكنها ربما تكون قد أحدثت الهدف السياسي ذاته المتمثل في التطهير أو "التجانس"، وفقًا للتعبير الذي استخدمه الأسد مرارًا وتكرارًا ، كان من الواضح أن أهداف النظام ضمان الولاء الكامل لأبناء حمص من الطائفة العلوية الذين يُنظر إليهم على أنهم مؤسسة خاضعة لسيطرة العلويين الساحليين، على الرغم من حقيقة أن العلويون في حمص مدنيون، ويعمل معظم أفراد عائلاتهم في الجيش وأجهزة المخابرات، الأمر الذي ساهم في "عسكرة" المجتمع العلوي ، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة المتطوعين من حمص-العلويين في المراحل الأولى وخاصة من منطقة الزهراء فيما يسمى بـ "الشبيحة" والتي يسميها النظام "الدفاع الوطني" وتمثل هذه الميليشيات قوة شبه عسكرية ذات هيكل تنظيمي وتدريب وثقافة فرعية ووظيفة (في كثير من الأحيان يشبه جيش محترف)، لكنه لا يدخل ضمن القوات المسلحة الرسمية للدولة. وتحديدًا، ترتكب هذه الميليشيات أفظع المجازر الطائفية، مثل مجزرة كرم الزيتون والحولة. كلاهما حدث في عام 2012 م.
في دراسة حديثة قام بها موقع زمان الوصل لكل وحدات الجيش السوري مع فروع الأمن المختلفة أظهرت التكوين الحالي لسلسلة القيادة العسكرية داخل نظام الأسد السابق. فقد بلغ مجموع المناصب القيادية ضمن تسع مجموعات، 152 منصباً تتوزع حصص المكونات الطائفية فيها على الشكل التالي:
الطائفة العلوية 124 منصباً بنسبة 82 %، الطائفة السنية 22 منصباً بنسبة 14%، الطائفة الدرزية 3 مناصب بنسبة 2%، أما الطائفة المسيحية 3 مناصب بنسبة 2%.
إن تطبيق مفهوم العصبية العلوية في ضوء النظرية الاجتماعية للصراع، تركز على دور الهوية المجتمعية في داخل الدولة، ويعتبر عالم الاجتماع عازار ورفاقه كان من أوائل من كان لديهم اهتمام كبير بالصراعات في المجتمعات متعددة الطوائف في فترة ما بعد الاستعمار، وكشف المشروع أن 95 % من 641 صراعًا رئيسيًا بين عامي 1945 و1975م، تمت الإشارة إليها في العالم الثالث أن هذه النزاعات كانت عرقية وكان يُنظر إلى هذا التركيز على أنه انفصال عن النهج الواقعي للسلطة السياسية.
إذا ما أسقطنا نظرية إدوارد إلياس عازار للصراع الاجتماعي (PSC) كإطار لتحليل الصراع. وفقًا لهذا المفهوم، فإن السؤال حول أزمة الشرعية التي نشأت عن أسباب اجتماعية واقتصادية وطائفية مما دفع بالبلاد إلى حرب أهلية.
في البداية فشل نظام بشار الأسد في تلبية مطالب المتظاهرين السوريين في المرحلة الأولى من الربيع العربي وهو ما أدى إلى اندلاع حرب أهلية في سوريا. على الرغم من أن الصراع لم يؤد إلى تغيير النظام كما هو الحال في مصر أو ليبيا، إلا أنه وعلى المدى الطويل فقد قوضت مدة الحرب الآمال في كسر الجمود لصالح أي من الجانبين. إلى جانب الحرب الأهلية التي عانى فيها الجيش والمعارضة، تحولت القضية السورية إلى أزمة دولية شارك فيها العديد من الفاعلين الإقليميين والعالميين مما حول الصراع الدائر إلى حرب بالوكالة بين هؤلاء الفاعلين. ترتبط الأزمة ارتباطًا وثيقًا بالبنية الاجتماعية والثقافية والسياسية لسوريا. في هذا السياق فإن البعد الطائفي للسياسة السورية بشكل عام والحرب الأهلية بشكل خاص تكشف عمق وأهمية الاهتمام بالديناميات العرقية والدينية للأزمة الحالية، شرحت المفهوم من زاوية تحليل ابن خلدون لمفهوم العصبية وهو يفسر برأيي صمود الأسد على الاستمرار على مدى خمسين عامًا والأهم صموده على مدى أكثر من 12 عامًا من الحرب بالرغم من كل ما حصل.
ذكرت أن تطبيق مفهوم "العصبية العلوية" في ضوء النظرية الاجتماعية للصراع أو النزاع، فنظرية PSC كما تسمى اختصاراً تركز على دور الهوية المجتمعية في داخل الدولة، وهي التي تجعل الحروب الطائفية "عميقة الجذور" و"مستعصية على الحل" و"طويلة الأمد".
الطريف أن النظام السوري حاول دائما الترويج لهوية علمانية تقوم على القومية العربية ورفض الانتماءات الطائفية. الأمر الذي دفع الجماعات العلوية إلى مواصلة إظهار رغبتها الفطرية للترويج لقيام مجتمعٍ سوريٍ علماني يتيح لها الاندماج ضمنه. لقد تم المضي في هذا الاتجاه وتم ترسيخ هذه الهوية عبر إقامة شبكاتٍ اجتماعية تعمل وفق المحسوبية يسيطر عليها مسؤولون علويون استفاد أبناء الطائفة العلوية من وجودهم في ظل حكم البعث الحاكم. لكن بقي الانتماء العلوي جزء من الانتماء السري وحافظت السرية على كونها جزءاً جوهرياً من الهوية العلوية والتكيف الاجتماعي – وعملت الشبكات الاجتماعية بشكلٍ سري على ترقية العلويين إلى مناصب المسؤولية داخل الجيش، ومكاتب الدولة وحزب البعث.
لكن المفارقة، أنه خلال السنوات العشر الأخيرة وعلى وجه خاصٍ منذ اندلاع الحرب الأهلية، بدأت الرموز الدينية والثقافية التي تميز العلويين عن أبناء باقي المجتمعات السورية تلعب دوراً بارزاً ومتنامياً باستمرار في الحفاظ على " العصبية" – كما يذكر ليون غولد سميث. فمثلاً، قبل قيام الحراك، كان العلوي يستغرق عدة سنواتٍ ليُتِم طقوس "التلقين". فعملية تأكيد الانتماء الطائفي كانت تمثل رحلةً اجتماعية روحية، إلا أنها بالتأكيد لم تكن تُنفذ عموماً. لكن ومع اندلاع الحرب الأهلية، صار "التلقين" العلوي يمثل طقساً من الواجب اتباعه من قبل الشباب العلوي الراغب بالانضمام إلى ميليشيا " الشبيحة" الموالية للدولة، والتي عملت كقوى مساعدة لقوات النظام كما يحلل آرون لوند في الفصل العاشر. وهكذا تم تحوير الوظيفة السياسية "للتلقين" وصارت تمثل صحواً طائفياً لا صحواً دينياً، ممثلةً بذلك محدداً عرقياً ترعرع ونما جزئياً كردة فعلٍ على تطرف الحركات المعارضة السنية.
أصبحت الهوية الطائفية محركاً أساسياً للحرب الأهلية. ونجح النظام بالتلاعب بذكاءٍ بهذا المتغير، من خلال سعيه للحفاظ على " العصبية" العلوية والحصول على دعم مجتمعات الأقليات الأخرى.. فإذا ما اعتبرنا تاريخ ظهور هذه الجماعات السنية في 2012م، (عندما ظهرت جبهة النصرة لأول مرة) نقطة تحولٍ في الحرب الأهلية السورية، فإن تاريخ 2014 م، هو حيث ظهرت الوحدة العلوية بشكلها الكامل.
لطالما كان العلويون مسكونون بمخاوفهم الوجودية وما سيؤول إليه مصيرهم في سوريا ما بعد الأسد، ولقد استغل النظام أثناء الحرب الأهلية هذه المخاوف وتلاعب بخيوطها ليباعد بين العلويين والمواطنين السنة. وعلى مر سنوات الأزمة، كانت الانشقاقات في الجيش والحكومة أقل بكثير مما طمحت إليه المعارضة، ومع أن الخوف من الانتقام شكل العامل الأكبر وراء قلة هذه الانشقاقات، إلا أن هذا يوضح على نحوٍ جليٍ عمق ما أرساه النظام.
منذ بداية الحراك، استند خطاب المعارضة المعتدلة إلى أن الشعب السوري شعبٌ واحد: فلا وجود لأي نزاعٍ طائفي، وليس ثمة أي شقاقٍ بين جماعات الطوائف والأديان المختلفة، وسوريا ما بعد الأسد لن تكون وطنيةً، علمانيةً، ومتوحدة فحسب، بل إنها ستصير ديمقراطيةً أيضاً. ولدى الأخذ في الحسبان، التعبير الصريح عن "الوطنية السورية" والذي ظهر مع بدأ الحراك2011م، فلقد استطاعت المعارضة بادئ الأمر استقطاب الكثيرين، من خلال إقناعهم أن انهيار النظام لم يغدُ وشيكاً فحسب، بل ثمة قوى سياسية معتدلة متواجدة داخل المجتمع السوري المدني مؤهلة لتحل مكانه على نحوٍ أفضل منه. إلا أن الأمر لم يطل عقب اندلاع الصراعات العنيفة، حتى صارت الهوية الدينية الطائفية آخر ما يشغل المواطن السوري ويحدد علاقته بالدولة السورية.
في عام 2014م، ولدى سؤال مجموعةٍ من طلاب مدرسةٍ ثانويةٍ في قرية العزيزية في ريف حلب عن رؤيتهم حول مستقبل سوريا، أجاب صبيٌ علويٌ بأنه" لطالما عاش الشعب السوري في ظل شعارٍ واحد - التعايش السلمي" كما يذكر كريستين ولاند في كتابه. وهو مقتنعٌ أن أبناء الطائفة السنية قد قاموا بخرق اتفاقية التعايش العلماني، متخلين عن وحدة المجتمع، كما قام زملاؤه في الصف بالتلويح بصور رئيسهم وهتفوا بشعار العلوية خلال الحرب الأهلية: "الله، سوريا، بشار وبس" فالنظام العلوي لا يتوقع شيئاً غير هذا من الطائفة العلوية ولن يتوقع غير ذلك. فهو لم يملك النية على القيام بالتسوية مع أيٍ من قوى المعارضة المجابهة له في الحرب السورية، كما أن غالبية الشباب العلوي والذين يكبرون في ظل هذا الصراع سيعتقدون دون أدنى شك أن هذه القوى تمثل تهديداً لوجودهم.
لقد استطاع نظام الأسد تدريجيًا تحويل الثورة السلمية إلى حرب أهلية طاحنة، كما وتحول النظام السوري نفسه وتدريجيًا إلى ميليشيا طائفية تشارك في صراع يائس مع الشعب السوري. كما سعى بشار الأسد لاستنزاف سوريا من الموارد المالية والبشرية، والأكثر خطورة من كل ذلك هو تدمير النسيج الاجتماعي السوري من خلال خلق صراع طائفي بغيض.
لكن المشكلة اليوم ألا يكون الرد على الطائفية القاتلة هذه بأخرى مثلها، فهذا يدخلنا في دورة طائفية من القتل والعنف لا نهاية لها، لابد من الرد على الطائفية ببناء الوعي العقلاني بأهمية الدولة المدنية الديمقراطية ومساواة الجميع أمام القانون، فالمزيد من الطائفية يعني المزيد من الدماء والفوضى، وهو الفخ الذي نصبه الأسد لنا فعلينا تجنب الوقوع فيه، لأن انتماءنا لسورية يجب أن يكون الأكبر والأهم.






