تشكّل سوريا واحداً من أكثر مجتمعات الشرق الأوسط تعدّداً عرقياً وطائفياً. وتضم العرب السنّة، والعلويين، والأكراد، والدروز، والمسيحيين، والتركمان، والشركس، والسريان، والآشوريين، والإيزيديين وغيرهم، موزَّعين على أقاليم غير متكافئة ومتصلة بشبكات اقتصادية وإقليمية مختلفة. ولا يسبّب هذا التنوع عدمَ الاستقرار بالضرورة، لكنه يتحوّل إلى مصدر صراع مزمن عندما يتجذّر في اقتصاد سياسي يقوم على المحسوبيّة، واقتصاد الظل، واقتصاد حرب طويل الأمد.
لم يؤدِّ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024م، وصعود أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) رئيساً انتقالياً إلى تفكيك هذه البنية، بل استمرّت منظومات الولاء السابقة وتكيّفت مع نخب جديدة.
تقدّم هذه الورقة قراءةً في الاقتصاد السياسي للصراعات العرقية والطائفية في سوريا ما بعد الأسد، وتنطلق من أدوات تحليل اقتصاديات التخلّف ونظرية الألعاب. وتهدف إلى تفسير كيف تدفع الترتيبات الاقتصادية والمؤسسية البلاد إمّا نحو وحدة وطنية أوسع أو نحو مزيد من التفكّك.
تركّز الورقة على ثلاثة أسئلة:
*كيف تتقاطع التعدديّة العرقية والطائفية مع الاقتصاد السياسي والبيئات المناطقية؟
*كيف يعيد اقتصاد الظل إنتاج الانقسامات ويُسهِّل الاختراق الخارجي؟
*كيف تنشأ برجوازية وطنية منتجة عابرة للطوائف قادرة على إعادة توحيد الفضاء الوطني؟
- 1. التعددية العرقية والطائفية وبنية الدولة:
تُظهِر التقديرات شبه المتوافق عليها أن العرب السنّة يشكّلون قرابة ثلثي السكان، وأن الأكراد والعلويين يقارب كلٌّ منهم عُشر السكان، بينما يقترب الدروز والمسيحيون من أقلية صغيرة مستقرة تاريخياً. وتشكل جماعات التركمان والشركس والإسماعيليين والإيزيديين واللاجئين الفلسطينيين فسيفساء إضافية ذات وزن سياسي واجتماعي.
تتركّز الأقليات عموماً في الأطراف: فيتمركز الأكراد والتركمان على الحدود التركية، ويستقرّ الدروز قرب حدود الأردن وإسرائيل، وتعيش مجتمعات مختلطة في الجولان. وتتيح هذه الجغرافيا للدول المجاورة منافذ دائمة إلى الداخل السوري.
تستثمر قوى خارجية عديدة في هذه البنية منذ الاستقلال، وتوظّفها في صراعات النفوذ والانقلابات التي انتهت بحكم حزب البعث، ثم بسيطرة نواة عسكرية وأمنية تَرسّخ حكمَ الأسد الأب عام 1970م.
كانت الدولة زمن حزب البعث تُعلِن خطاباً علمانياً، لكنها تُبقي الانقسامات المناطقية والطائفية فاعلة عبر سياسات التمييز في توزيع الاستثمار والوظائف والفرص. ولقد فرضت على الأكراد، مثلاً، ترتيبات استثنائية كالتعداد الخاص عام 1962م، وما تبعه من تجريد واسع للجنسية وقيود لغوية وثقافية. كما حافظت السلطة السابقة على «قشرة أمنية» هرمية فوق مجتمع متشظٍّ، وولدت منظومات ولاء تقوم على مصالح شبكات عابرة للطوائف من جهة لكنها تستند إلى الفساد واقتصاد الظل.
وبذلك تتحوّل الرشوة واحتكار الدولة للموارد إلى أدوات لشراء الولاءات أدوات قمع للموالين والمعارضين على حد سواء، فتتراكم بذور الانفجار الذي يطفو إلى السطح مع ثورة 2011م.
- 2. الاقتصاد السياسي قبل الثورة: المحسوبية واقتصاد الظل
عاد نظام بشار الأسد تشكيل الاقتصاد منذ مطلع الألفية عبر التحرير الجزئي والخصخصة الانتقائية. واقتنصت البرجوازية البيروقراطية الفاسدة هذه الفرصة، لتسيطر على أصول الدولة، وتُهندس اقتصاداً هجينًا يجمع بين التوجيه المركزي والريع الخاص، فيما يمكن أن نسميه حصحصة بنية الدولة لصالح البيروقراطية الحاكمة.
اعتمدت النخب الحاكمة على الولاء السياسي للدخول إلى مجالات التراخيص الكبرى، والأراضي، والصفقات، والائتمان. وهمِّشت هذه الآلياتُ، قطاعاتٍ واسعة من روّاد الأعمال خارج الشبكات المقرّبة، فتدفعهم إلى العمل في اقتصاد الظل أو إلى الهجرة. ليتعمّق، في الوقت ذاته، التفاوتُ بين المدن الكبرى والمناطق الريفية المهمَّشة.
بذلك أجهضت عملية تشكّل طبقة وسطى حديثة أو برجوازية وطنية منتجة؛ بل تغوّلت البرجوازية البيروقراطية الطفيلية على النشاطات المنتِجة، لتُبقي المجتمع في حالة هشاشة دائمة، مع بطالة عالية وفساد مستشْرٍ واحتقان مناطقي وطائفي مكتوم.
- 3. من اقتصاد مأزوم إلى اقتصاد حرب
تفجّر ثورة 2011م، هذه التناقضات، لتدخل البلاد في مسار عسكرة ميليشيوية واسعة وانقسام طائفي وعرقي عميق.
وتراجعت سيطرة الدولة على الأطراف، وتشكلت أنظمة محلية للجباية والسيطرة على الموارد، تصب في جيوب أمراء الحرب المهيمنين على طرق الإمداد والتجارة.
تجزّأت البلاد إلى مناطق نفوذ متعدّدة؛ وارتبط اقتصاد الأقاليم الطرفية بالدول المجاورة عبر اقتصاد الظل، وتقلّصت دوائر الإنتاج والتوزيع المحلية إلى دوائر لا تتجاوز السبعين كم، محمية بسلاح وحواجز الميليشيات. كما خضعت البضائع وخضع الأفراد لرسوم تعسفية وفق مصالح الميليشيات. وتآكلت المنظومة المصرفية الرسمية، وطغى الاعتماد على الحوالات والدولرة.
لقد عمقت هذه البنيةُ اقتصادَ الحرب، وتُحوّلت الهويات المذهبية والعرقية وقودًا يغذي الصراع وأدوات تعبئة وشرعنة لسيطرة الميليشيات على الموارد. وساهمت قوى خارجية – مثل تركيا وإيران وروسيا ودول أخرى – على ترسيخ نفوذها عبر دعم فصائل ميليشيات محلية، وتمويل شبكات تجارية، واستثمار عقاري وطاقوي، مستندةً إلى اقتصاد الظل وسيولة الحدود.
نفذت تركيا عمليات عسكرية متعدّدة في الشمال، وأنشأت مناطق نفوذ مرتبطةً بها اقتصادياً عبر احتكار التبادل والرسوم والمعابر، بينما رعت إيران شبكات ميليشياوية وطائفية واستثمرت في البنى التحتية في مناطق النظام.
يتقاطع هذا الواقع كله مع الحسابات الأمنية لإسرائيل في الجنوب، ما يجعل الأرض السورية ساحةً مفتوحة للصراع وتقاطعات المصالح.
- 4. اقتصاد الظل كآلية لإعادة إنتاج الانقسام
يتمدّد اقتصاد الظل حاليًا في كلّ أرجاء البلاد: في تهريب الوقود والغذاء، وفي التجارة غير المنظمة بمواد البناء والآثار، وفي الضرائب غير القانونية على الحواجز، وفي شبكات التهريب عبر الحدود. وتُدير هذه الأنشطة ميليشيات وقوى محلية ومجالس تسيطر على المعابر الداخلية والخارجية.
يشكل هذا الاقتصادُ الميليشيوي عقدة تتضافر فيها صراعات الهوية الطائفية والإثنية مع احتكار مصادر الرزق.
فيُدير قادة الميليشيات شبكاتِ التوزيع والتشغيل في مناطقهم، ويُموّلون عبرها الولاءات المحلية بدلاً من الولاء الوطني.
تُنتج هذه الديناميةُ حافزاً قويّاً لاستمرار التجزئة؛ لأن وحدة السوق الوطنية تعني، بالنسبة إلى هذه الفئات، تهديداً مباشراً لسيطرتها وريوعها.
تُحافظ هذه البنية على الهشاشة السياسية والأمنية، وتُبقي البلاد قابلةً للاختراق.
وتستفيد القوى الخارجية من تعدّد مراكز القوة ومن كثافة اقتصاد الظل لتُطيل أمد نفوذها وتُعمّق الانقسامات.
- 5. البرجوازية الوطنية المنتجة كخيار بديل
تُعرَّف البرجوازية الوطنية المنتجة هنا بوصفها طبقةً من روّاد الأعمال والشركات العابرة للطوائف والإثنيات، التي تعمل وفق قواعد واضحة، وتحمي حقوق الملكية، وتحتاج إلى استقرار سياسي ومؤسسات عادلة وأسواق مفتوحة كي تزدهر.
تُظهِر تجارب دول عديدة خارجة من الحروب الأهلية أن هذه البرجوازية وحدها التي تستطيع أن تنقل السياسة من منطق الهويات الطائفية – الإثنية إلى منطق الأداء والإنتاج والوحدة الوطنية.
ونستطيع القول بثقة إنه فقط حين تكون مصالح الاستثمار والتشغيل والربح المشروع وسيادة القانون هي قاعدةَ النفوذ الوطني، تتراجع جاذبية الخطاب الطائفي لصالح المطالبة بدولة قانون ومؤسسات فاعلة.
تواجه سوريا اليوم صراعاً بين مشروعين:
- مشروعٍ يسعى إلى إعادة إنتاج البرجوازية البيروقراطية الفاسدة التي تقوم على المحسوبيّة واقتصاد الظل وتحافظ على الانقسامات الإثنو-طائفية.
- مشروعٍ يستهدف تمكين برجوازية وطنية منتجة تسحب الأساس الاقتصادي للحرب، وتعيد بناء سوق وطنية مفتوحة، وتحوّل التنوّع الديني والثقافي إلى مصدر ثراء لا إلى وقود صراع.
تحتاج البلاد إلى دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة على أسس شفافة، وإلى فتح المجال أمام استثمارات لا تقوم على الولاء السياسي، بل على الكفاءة، كما تحتاج لإصلاحات قانونية تحمي الملكية والعقود وتُخضِع اقتصاد الظل للرقابة وتدفعه إلى الاقتصاد النظامي. كما تحتاج إلى سياسات محلية تشجّع التوظيف عبر الخطوط المجتمعية في المدن والأقاليم، بحيث تتداخل شبكات العمل والمعيشة وتتراجع صلابة الحدود الطائفية.
يمكن أن تعيد البرجوازية الوطنية المنتجة صياغة التجارة عبر الحدود لتجعلها رافعةً للتكامل الإقليمي بدلاً من أن تبقى امتداداً لاقتصاد الميليشيات.
وعندما ترتفع كلفة العودة إلى العنف على مختلف الفئات، وتتزايد مكاسب الاستقرار، يفقد الاستثمار في الصراع جدواه تدريجياً.
خاتمة
تُظهر التجربة السورية أن التعددية العرقية والطائفية لا تشكّل لعنةً بحدّ ذاتها، بل تتحوّل إلى وقود للحرب عندما تُدار ضمن اقتصاد سياسي مبني على المحسوبية واقتصاد الظل واقتصاد الحرب. ويغيّر سقوط الأسد المشهد السياسي شكلاً، لكنه لا يبدّل جوهر البنية الاقتصادية التي تسند سلطات الأمر الواقع المختلفة.
تستنتج هذه الورقة أن مشروع بناء الأمة في سوريا لن يكتمل من دون إعادة تأسيس اقتصادية عميقة تُطلِق طاقة برجوازية وطنية منتجة عابرة للطوائف. ويستطيع هذا التحوّل وحده أن يخفّف صلابة الحدود العرقية والطائفية، وأن يقلّل جاذبية التبعية للخارج، وأن يوفّر قاعدة مادية لاستقرار تعدديّ طويل الأمد في سوريا ما بعد الأسد.






