array(1) { [0]=> object(stdClass)#14199 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 216

تطبيق الشريعة عام 1983أدى لخروج جماعي لليهود واندثر وجودهم تقريبًا في السودان

الأحد، 30 تشرين2/نوفمبر 2025

يعتبر كتاب "أطفال يعقوب في بقعة المهدي" التوثيقي لمؤلفه الياهو سولومون ملكا والذي صدر عن جامعة سيراكيوز عام 1997م، من أهم ما تم نشره حول التواجد اليهودي في السودان بداية القرن العشرين. ومن ثم قام بقراءته وترجمته مكي أبو قرجة عام 2004م، ونشر في مركز عبد الكريم ميرغني بأم درمان. هناك أيضاً كتابات سودانية متفرقة توثق وتبحث في الوجود اليهودي بالسودان، ومن ضمنها ما كتبه شوقي بدري في كتابه "حكاوي أم درمان" حيث أشار فيه التعايش الكبير الذي كان بين العائلات والأسر اليهودية مع المجتمع السوداني بكل عاداته وتقاليده، كما تطرق إلى العديد من الزيجات الطوعية التي تمت بين السودانيين واليهود. في هذا السياق، كانت أول إشارة لليهود في السودان ما قام بكتابته الرحالة اليمني اليهودي صالح روبين حيث قام بزيارة السودان في أوائل القرن السادس عشر إبان نشوء دولة الفونج الإسلامية.

وتشير بعض الكتابات إلى أنه عندما أعلن الإمام محمد أحمد المهدي عن نفسه في يونيو 1881م، لم يكن هناك سوى ثماني عائلات يهودية، كانت كلها تعيش في أم درمان وجميعها، باستثناء واحدة، من أصل سفاردي. أشهرهم موسى بن صهيون (كوستي)، نجل الحاخام ماير بيخور كشتي من الخليل، حيث كان من بين اليهود والمسيحيين الذين تم إجبارهم على اعتناق الإسلام خلال فترة المهدية بعد غزو المهدي للخرطوم عام 1885م، وأشار الكاتب ريتشارد هيل في قاموسه للسير في السودان أن الخليفة عبد الله، الذي خلف المهدي قد عهد إلى بن صهيون، المعروف باسم موسى بسيوني بعد إسلامه، بمهام سرية مختلفة وأصبح أحد مستشاريه الماليين. في هذا السياق، يقول الكاتب روبرت كرامر في ورقة بحثية بعنوان "موت بسيوني: تأملات في العرق والدين والهوية في السودان" قدمت إلى المؤتمر السنوي الخامس عشر لجمعية الدراسات السودانية عام 1996 م" لم تكن حياة بسيوني في أم درمان المهدية حياة معاناة متواصلة. بصفته مقربًا من الخليفة عبد الله وعضوًا في مجلسه الاستشاري غير الرسمي "العشرة الكرام"، عُهد إليه باستيراد السلع المصرية الفاخرة عبر سواكن. ... بناءً على إلحاح الخليفة، تزوج بسيوني من سودانية اسمها منة بنت بشارة، وأنجب منها ستة أطفال، أربعة منهم بقوا على قيد الحياة. ... وبعد المهدية، احتفظ بسيوني باسمه الأنصاري لكنه عاد رسميًا إلى اليهودية. وقد استدعي حاخام من الإسكندرية لتحويل ست منة إلى اليهودية، فتزوجها بسيوني مرة أخرى وفقًا للشريعة اليهودية."

من جهة أخرى، يشير تقرير للمخابرات البريطانية بالسودان إبان حكم الاستعمار الإنجليزي على السودان بعد سقوط المهدية، وقام بإعداده سردار الجيش المصري لوكيل وزارة الحربية البريطانية، حصر فيه رعايا دولة الحكم التركي المصري الذين بقوا في السودان بعد تحرير الخرطوم، حيث تم تخصيص جزءًا خاصاً حول تواجد اليهود. أشار هذا التقرير إلى وجود أربع مجموعات لليهود في السودان أكبرها في الخرطوم وكانت خمس أسر هي أسر "موسى بسيوني، إسحاق بسيوني، إبراهيم إسرائيل، خضير، ونسيم حيفاس" ثم كردفان أسرتان وهما "داؤود منديل، وجوزيف سليمان" وبربر أسرة واحدة هي أسرة "مراد بيسي" ثم أسرة بكسلا هي أسرة "المليح زابت". بعد الفتح الإنجليزي المصري للسودان في الفترة 1896-1898م، عادت معظم العائلات اليهودية التي اعتنقت الإسلام خلال فترة المهدية إلى الديانة اليهودية، وقام الذين تزوجوا من نساء غير يهوديات بتحويل أنفسهم وأطفالهم إلى اليهودية. ومع ذلك، ووفقًا لما قدمه الكاتب كرامر من أدلة، بقي العديد من هؤلاء اليهود في حي المسالمة بأم درمان واحتفظوا بأسمائهم الإسلامية. وظل بعضهم، مثل آل منديل وآل إسرائيل وآل حاكم مسلمين، ولم يمنعهم ذلك من الحفاظ على علاقات وثيقة وودية مع يهود مثل آل بسيون، الذين عادوا إلى اعتناق اليهودية بعد نهاية فترة المهدية.

وشغل اليهود عددًا من المناصب المهمة في الإدارة والاقتصاد السوداني، ومن بين المؤسسات العديدة التي ذكرها إيلي مالكا في كتابه والتي كانت تضم مسؤولين يهودًا، مؤسسة البريد الخديوية، الذي كان يديرها يهودي، ومكتب بريد حكومة السودان، والبنك الوطني المصري، ومكتب جوازات السفر السوداني. كما برعوا أيضاً كأطباء ومحامين وأخصائي بصريات ومحاضرين جامعيين، وعلى سبيل المثال، كان الدكتور سليمان بسيوني، نجل بن سيون كوستي، كبير الجراحين في مستشفى الخرطوم الحكومي وأستاذًا في كلية الطب بجامعة الخرطوم.

وكان معظم سكن اليهود في السودان في مدينة أم درمان وخاصة في حي المسالمة حيث جمع أغلبهم، كما قاموا ببناء أول معبد يهودي في السودان في الخرطوم عام 1889م، من جهة أخرى قاموا بتكوين أول رابطة للجالية اليهودية برئاسة بن كوستي الذي كان ابناً لحاخام تعود أصوله إلى إسبانيا. وخلال تواجدهم في السودان اهتم اليهود في السودان كما كان في مصر بالمجال الفني حيث أنشأوا مسرحًا تعرض فيه مسرحيات من بطولة ممثلين يهود. كما قامت هذه الجالية بتأسيس سينما معروفة كان يزورها السودانيون من جميع المعتقدات والأديان، وهي سينما كلوزيوم، التي كانت تعرض أفلامًا أجنبية، حيث أنشأها اليهوديان ليكوس وأنطون في عام 1935م، وكانت هذه السينما تعرض فيلمين في البرنامج الواحد. وبمرور الوقت أصبح اليهود جزءًا من نسيج المجتمع السوداني، ومن ثم قاموا بتأسيس نادي ترفيهي حمل اسم “النادي اليهودي بالخرطوم”، أو ما يعرف باسم “مكابي”، وذلك إلى جانب تأسيسهم فريق رياضي خاص بهم، فيما تنوع حضورهم الثقافي والفني. وفي عام 1958م، تم إقامة حفل لمسابقة ملكة جمال الخرطوم فازت به عزيزة آدم منديل وهي يهودية الأصل. لقد كان مجتمع الطبقتين الوسطى والعليا في السودان يتكون من جماعات مترابطة ومتميزة في آن واحد. فإلى جانب الجالية اليهودية، كانت هناك جاليات يونانية وسورية وإيطالية ومصرية وأرمنية وبريطانية وهندية مزدهرة في الخرطوم وأم درمان. وكان لكل من هذه الجاليات نادي اجتماعي خاص بها، في العاصمة، يلتقون فيه للعب الورق والتواصل الاجتماعي في المساء.

في هذا السياق، كان مؤلف كتاب "أطفال يعقوب في بقعة المهدية" يهودي مقيماً بالسودان وهو من اليسار، ودرس بجامعة الخرطوم وكان كادراً بالحزب الشيوعي السوداني، وناشطًا سياسيًا يدير ماكينات الطباعة السرية الخاصة بالحزب الشيوعي السوداني وتوزيع المنشورات، كما كان مناضلاً شجاعاً ضد دكتاتورية النظام العسكري للرئيس إبراهيم عبود، وبعد عودته لإسرائيل ترأس الكنيست الإسرائيلي في فترة من الفترات. والياهو المؤلف هو ابن كبير الحاخامات للجالية اليهودية بالسودان سولومون ملكا، والذي جاء للسودان من منطقة طبرية بفلسطين وطاب له المقام بمدينة أم درمان عام 1906م، وكان عمره 28 عامًا. ويعتبر كتاب الياهو الذي كان يعمل موظفًا كبيرًا في شركة جلاتلي بالخرطوم مرجع أساسي لحياة يهود السودان، وأتاح للباحثين الكثير من المعلومات المهمة عن هذه الجالية. ويشير الياهو في كتابه إلى أن التوافد الكبير لليهود على السودان حدث مع بداية القرن العشرين، حيث عملوا كتجار وموظفين في الحكومة الاستعمارية ومؤسساتها آنذاك، كما قام التجار منهم بتكوين الشركات وقاموا ببناء ثروات وأنخرط أبنائهم في المدارس الأجنبية وكمبوني وكلية غردون (جامعة الخرطوم الآن). فضل اليهود في ظل هذا التغلغل الكبير في الاقتصاد السوداني، إخفاء أسمائهم ذات الصبغة اليهودية واستبدالها بأسماء عربية، ومن هنا انتشرت عشرات الأسماء العربية لتجار يهود مثل المغربي، البغدادي، الإستانبولي، وغيرها.

وكان الحاخام اليهودي مغربي الأصل سلمون ملكا قد وصل إلى الخرطوم مع زوجته واثنتين من كبرى بناته عام 1908م، وذلك بطلب من القيادة اليهودية في مصر التي كانت تشرف على الجالية اليهودية التي تعيش في السودان. وقدم هذا الحاخام إلى السودان لخدمة الجالية الصغيرة الموجودة من ذي قبل، إلى جانب الأعداد المتنامية من اليهود ممن وفدوا على البلاد من دول أخرى في الشرق الأوسط كمصر والعراق وسوريا، ووصلوا على متن قطارات فوق السكة الحديدية التي أنشأها الاستعمار البريطاني والتي تصل الإسكندرية في مصر بالخرطوم في السودان. وتوفي الحاخام ملكا عام 1949م، وأحتاج إيجاد بديل مناسب له سبع سنوات حيث خلفه الحاخام مسعود الباز، الذي قدم إلى البلاد من مصر عام 1956م. في هذا الإطار، حافظت الجالية اليهودية في السودان على علاقات وثيقة مع الجالية اليهودية في مصر، حيث كانت تربط معظمهم روابط عائلية. ولأن والد مالكا كان الحاخام الأكبر للسودان، فقد ارتبط ارتباطًا وثيقًا بحاييم ناحوم أفندي، الحاخام باشي لمصر والسودان من عام 1925 إلى عام 1960م، والذي كان قد عينه في المنصب. كما كانت للنخبة اليهودية السودانية علاقات وثيقة مع عائلة قطاوي، التي ترأست الجالية اليهودية في القاهرة حتى عام 1946م، ومع عائلة موسيري، التي كان أعضاؤها نوابًا للرئيس. وكثيرًا ما كان يقوم اليهود السودانيون بإرسال أبنائهم للدراسة في مصر، سواءً لمواصلة تعليمهم اليهودي أو للتخرج من كلية فيكتوريا.

وتشير المؤرخة البريطانية ديزي العبودي وهي من أحفاد اليهود الذين عاشوا في السودان إلى أنه كانت هناك نحو 250 أسرة، في ذروة الوجود اليهودي في السودان في أربعينات وخمسينات القرن الماضي، وتناقصت أعدادهم بشكل كبير بعد تكوين دولة إسرائيل في 1948م، وما أعقب ذلك من صراع عربي / إسرائيلي. وتأثر وجودهم في السودان بعد الاحتلال وإعلان دولة إسرائيل حيث أصبح هناك عداء تجاه اليهود في السودان وأصبحوا غير مرحب بهم كما كان من قبل. وبحلول عام 1960م، كان معظم اليهود العاملين في المهن المختلفة قد غادروا البلاد واستقروا إما في إسرائيل أو المملكة المتحدة أو الولايات المتحدة أو سويسرا. ازداد هذا الوضع تعقيداً بعد حرب عام 1967م، والتي أدت في نهاياتها إلى احتلال إسرائيلي واسع للأراضي العربية فيما عرف بالنكسة.  كان آخر رئيس للجالية اليهودية في السودان هو إسحاق موسى العيني، ابن موسى إسرائيل العيني المولود في السودان، حيث أنتخب لهذا المنصب عام 1965م، وظل فيه حتى عام 1970م، حين هاجر إلى إنجلترا. بحلول ذلك الوقت، وفي أعقاب حرب الأيام الستة، لم يبقَ في السودان سوى عدد قليل من اليهود.

وفي عهد الرئيس جعفر نميري الذي حكم السودان من 1969 حتى 1985م، تناقصت أعداد اليهود بشكل جذري مع هجرات جماعية كبيرة من اليهود من البلاد. وكان الرئيس نميري قد قام بتأميم ممتلكات الأجانب في السودان بشكل عام، وتضمن ذلك ممتلكات اليهود من أراضي وشركات. وكان اليهود في السودان يقومون بعمليات التحويلات المالية والكمبيالات للشركات البريطانية والإغريقية، وقام نظام الرئيس نميري بحلها. ومع التناقص والهجرات الجماعية الكبيرة لليهود، تم بيع المعبد اليهودي بالخرطوم وهدمه في عام 1987م، حيث أصبح مقراً للبنك الأهلي السوداني.

في هذا السياق، شمل التأميم شركات عائلة الحاخام سلمون ملكا المعروفة بجلاتلي هانكي وتحول اسمها إلى شركات مايو التجارية، وكذلك تم تأميم منزله الذي يطل على النيل الأزرق في الخرطوم، حيث أصبح مقراً للاتحاد الاشتراكي حزب الرئيس النميري، وقد أصبح فيما بعد مقراً لوزارة الخارجية حتى الآن. إضافة إلى ذلك كان إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية في عام 1983م، بعداً مهماً جعل الكثير من اليهود الذين كان يعمل جزء كبير منهم في تجارة الخمور على الخروج بشكل جماعي من السودان. مع نهاية حكم الرئيس نميري في عام 1985م، اندثر تقريبًا الوجود اليهودي في السودان غير أن كثير من الأسر السودانية ذات أصول عبرية، تتجنب تناول هذا الأمر.

 

يوفوني كوهين ملكة جمال الخرطوم عام 1956 م

مقالات لنفس الكاتب