الصومال بلد يتميّز بتجانسٍ نسبيٍّ في نسيجه الاجتماعي، فاللغة واحدة، والانتماء الديني موحّد، إذ يعتنق الشعب بأكمله الإسلام على المذهب الشافعي، ما يوحي بوجود أرضية صلبة لوحدةٍ وطنية راسخة. غير أنّ هذا التجانس، الذي كثيراً ما جرى الترويج له، يخفي وراءه تنوّعاً لافتاً في اللهجات الصومالية، وتبايناً في ثقافات القبائل، واختلافاً في الأصول والأنساب التي يفاخر بها كلّ مكوّن اجتماعي. ولم يُستثمر هذا التجانس الديني واللغوي في ترسيخ قيم التسامح والتعايش المشتركة كما ينبغي، بل ظلّ رهينة الانقسامات والولاءات العشائرية، في وقتٍ أصبح فيه التنوع الثقافي مصدر فخرٍ وقوةٍ للأمم التي أحسنت تحوير اختلافها إلى قوة إيجابية تبني بها مجتمعات أكثر وعياً ووحدة.
في هذا المقال، سنناقش الجدلية القديمة المتجددة في الصومال حول قضيتي التنوع والتجانس، وما لهما من أثر عميق في ثقافة التسامح والتعايش المشترك، وسنتناول الكيفية التي يمزج بها الصوماليون بين النظام القبلي التقليدي ودوره المتشابك في البنية السياسية الحديثة، في محاولة لفهم انعكاسات هذا التداخل على استقرار الدولة وتماسك المجتمع.
القبيلة في الصومال: بين الجغرافيا والتاريخ وصناعة النفوذ
يعد المجتمع الصومالي بأنه مجتمع قبلي بامتياز، تتجذّر فيه البنية العشائرية التي شكّلت عبر القرون، نواة الكيان الاجتماعي والسياسي في البلاد. فقد كانت القبائل الصومالية تتوزع بين سلطنات وممالك مزدهرة، حكمت مناطقها بسلطة العُرف والتقاليد قبل أن تلوح في الأفق ملامح الدولة الحديثة مع مطلع القرن العشرين.
ومع بداية الاستعمار الأوروبي (1884م)، وجد الصوماليون أنفسهم أمام واقع التقسيم القسري، حين اقتسمت القوى الاستعمارية أرضهم إلى خمسة أجزاء: الصومال الإيطالي، والصومال البريطاني، وجيبوتي، والصومال الغربي الذي أُلحق بإثيوبيا، ومنطقة إنفدي التي ضُمّت إلى كينيا. ورغم هذا التقسيم الجغرافي والسياسي، ظل حلم الوحدة يراود الوجدان الصومالي، حتى تحقق الاستقلال في عام 1960م، معلنًا ميلاد الدولة الصومالية الحديثة، التي وُلدت من رحم النضال والكفاح ضد الاستعمار الغربي، ومن إيمان الشعب بوطن واحد يجمعه التاريخ واللغة والعقيدة والمصير المشترك.
يعدّ المجتمع الصومالي نموذجًا فريدًا في تداخل البُنى التقليدية مع الممارسات السياسية الحديثة، إذ ما زال يراوح بين نظام القبيلة العريق الذي شكّل نسيجه الاجتماعي عبر القرون، وبين التوظيف السياسي المعاصر لهذا النظام في مرحلة الدولة والحرب الأهلية ومراحل مابعد الحرب.
في مسار التاريخ السياسي للصومال، لم تغب القبيلة يومًا عن المشهد، بل ظلت حاضرة بقوة في مفاصل الصراع وموازين النفوذ. تُستدعى عند الأزمات، وتُستخدم كأداة للتأثير والتحشيد، سواء في الخلافات الداخلية بين المكوّنات الصومالية، أو في التوترات الإقليمية مع دول الجوار. وهكذا، تحوّلت القبيلة من إطارٍ اجتماعي يحفظ التوازن والتكافل، إلى عنصرٍ فاعل في معادلات السياسة، تارة تُوحّد، وتارة تُفرّق، تبعًا لطبيعة المصالح والتحالفات.
أما بالنسبة للتصنيف فقد شهد المجتمع الصومالي عبر تاريخه الطويل تصنيفات متعددة، اختلفت باختلاف الزاوية التي يُنظر من خلالها إليه، فمن منظور الأصل العرقي، يُقسَّم الصوماليون إلى ثلاث مجموعات رئيسية الحامية ذات الجذور الكوشية، والآسيوية التي ترتبط بالهجرات القديمة من الجزيرة العربية وبلاد فارس وإفريقيا وأوروبا وغيرهم.
ومن زاوية النسب، درج علماء الأنثروبولوجيا على تقسيم المجتمع الصومالي إلى مجموعتين رئيسيتين: "سب" و"سمالي"، وهما التصنيفان اللذان شكّلا عبر القرون الإطار العام للانتماءات القبلية الصومالية. وتتناقل الأجيال الصومالية رواياتٍ تاريخيةً تؤكد أن الغالبية العظمى من الصوماليين ينحدرون من مجموعة "سمالي"، فيما تنتمي البقية إلى قبائل "السب"، التي غالبًا ما تضم بين صفوفها المكوّنات الأقل عددًا في البلاد.
ويظهر تقسيم آخر أكثر ارتباطًا بطبيعة الحياة والمهن، يعكس تنوّع النشاط الاقتصادي في البلاد. فالفئة الأولى هي المجموعات الرعوية، التي تشكل الغالبية الساحقة من السكان، وتعتمد على تربية الإبل والماشية، وتنحدر في معظمها من أصول كوشية حامية وتسكن الأقاليم الوسطى والشمالية وأجزاء محدودة في جنوب البلاد، أما الفئة الثانية فهي القبائل الزراعية، وأبرزها قبائل دِجل ومرفلي وجرير، المعروفة أيضًا باسم البانتو، استقرت في الجنوب حيث الأراضي الخصبة وضفاف الأنهار الكبرى. في حين تتكوّن الفئة الثالثة من المجتمعات الساحلية التي تحترف بالصيد والتجارة البحرية، وتشكّل مزيجًا من أصول آسيوية وعربية وفارسية، بل وبعضها من بقايا الجاليات الأوروبية التي تركها الاستعمار في المدن الساحلية مثل مقديشو وبراوة ومركا وغيرهم.
الجدير بالذكر في هذا السياق، أن جميع هذه التصنيفات تؤكد أن المجتمع الصومالي ليس كتلة واحدة متجانسة كما يُصوَّر أحيانًا، بل نسيج متشابك من الأعراق والمهن والثقافات، صاغه التاريخ والجغرافيا والتفاعل الإنساني عبر قرون، ليشكّل لوحة فريدة تجمع بين التنوع الثقافي والعمق الحضاري، بيد أن بعض المؤيدين لفكرة وحدة تجانس الصومال كأمة واحدة ما زالوا يروّجون لفكرة أن الصومال أمة متجانسة تمامًا في كل شيء، وهي رؤية مثالية لا يمكن أن تتحقق في أي مجتمع، مهما بلغ من درجات الانسجام والوحدة.
مرّ مفهوم القبيلة والعشائرية في الصومال بمراحل متباينة؛ إذ كانت القبيلة، في حقبٍ سابقة، محور الحياة الاجتماعية والسياسية، ومصدر الحماية والانتماء، بل والدولة المصغّرة التي تنظّم شؤون الفرد داخل كل قبيلة. غير أنّ قيام الدولة الحديثة أضعف هذا الدور تدريجيًا، بعدما بدأ المواطن يعتمد جزئيًا على مؤسسات الدولة بدلًا من القبيلة. والمؤسف حقًا تم إعادة القبيلة إلى الواجهة مرة أخرى بعد انهيار الدولة المركزية عام 1990م، لتستعيد دورها القديم بوصفها الملاذ الاجتماعي والسياسي، في مشهدٍ يعكس مدى هشاشة الدولة الحديثة والتي وُلدت يتيمة الملامح في بدايات تشكّلها الأولى.
لقد عجزت النخب الصومالية، رغم ما توفر لها من فرص تاريخية، عن إحداث القطيعة المطلوبة مع نموذج الدولة البدائية التي تستمد شرعيتها من القبيلة والعشيرة، وفشلت في ترسيخ مفهوم الدولة الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة أمام القانون. ولسوء الحظ هكذا ظلّ الولاء للقبيلة طاغياً على المشهد قبل الانتماء الوطني، ما أعاق نشوء مؤسسات راسخة تعبّر عن روح الدولة الجامعة لا عن موازين القوى التقليدية.
ويعزى هذا الإخفاق، في جوهره، إلى هيمنة البنية الرعوية على المجتمع الصومالي، ولا سيما ثقافة الإبل والنوق التي تمثل رمزًا للقوة والمكانة في المخيال الصومالي، أي ما بات يعرف اصطلاحاً بعقلية رجل الإبل وما يصاحبها من نزعةٍ خشنة في إدارة الخلافات وحسمها بالعنف. وقد سيطرت هذه الثقافة على مفاصل الدولة، فغلبت عليها أساليب الصراع القبلي ومنطق الغلبة، في حين جرى تهميش التيارات الأخرى الأكثر استقرارًا وتحضّرًا، مثل المجتمعات الزراعية وأهل السواحل، الذين كان يمكن أن يشكّلوا قاعدة راسخة لبناء مؤسسات الدولة الحديثة. وهكذا تمددت القبلية في جسد الدولة، لتُمارَس بشكلٍ أوسع وأعمق خلال مرحلتي الحكم المدني والعسكري وبشكل متفاوت (1960- 1999م).
القبيلة في مرحلة الحرب الأهلية:
لا شك أن الحرب الأهلية اندلعت نتيجة الصراع بين القبائل الصومالية على السلطة حيث حصر الرئيس الصومالي اللواء سياد بري السلطة في يد قبائل معينة أثناء فترة حكمه (1969-1991م) ، مبعدا قبائل أخري ذات نفوذ كبيرة داخل الصومال، بجانب سياساته القمعية التي مهدت إلي ظهور جبهات مسلحة في السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي تحارب النظام رافعة لافتات وطنية ولكنها صورة مصغرة للقبيلة التي تبحث عن نصبيها في السلطة والثرة لتمثل مرحلة انهيار الدولة في عام 1990م، ذروة الانقسامات والدخول إلى نفق نظرية (الكل ضد الكل) وفق ما يحلو لتوماس هويس (1588-1679م) المنظر البريطاني أن يسمى في مرحلة العبث والدولة والفوضى المطلقة، إذ تمكّنت الجبهات من تمزيق كيان الدولة واستبدالها بكيانات قبلية تتناحر فيما بينها.
ومنذ عام 1991 وحتى 2000م، بٌذلت جهود مضنية لاستعادة الدولة الصومالية، سواء عبر المجتمع الدولي والإقليمي، أو من خلال المبادرات المحلية. وعلى مدى أكثر من عقد، عُقدت عشرات المؤتمرات والاجتماعات، لكنها لم تكلل بالنجاح، إذ بقيت القبائل المسلحة وأمراء الحرب حجر عثرة أمام إقامة دولة شاملة ومستقرة. غير أن الانفراجة الحقيقية جاءت بعد انعقاد مؤتمر “عرته" للسّلام في جيبوتي، الذي نجح بفضل التوافق بين القوى التقليدية للقبائل ومكونات المجتمع المدني، في تأسيس الدولة الصومالية بنسختها الحالية، المعروفة رسميًا باسم "الجمهورية الثالثة".
ومن المفارقات التاريخية أن مؤتمر السلام في جيبوتي، الذي أرسى أسس الجمهورية الثالثة، اعتمد في توزيع السلطة والثروة على منهجية القبيلة والعشيرة، المعروفة باسم "أربعة ونصف" وتقوم هذه المنهجية على تقسيم الصوماليين إلى أربع مجموعات رئيسية متساوية، بالإضافة إلى مجموعة "الأخرون"، والتي تضم خليطًا من القبائل والأقليات، وتُعطى نصف الحصة التي تمنح لكل مجموعة من المجموعات الأربع.
- المجموعة الأولى: قبيلة هوية، ذات الكثافة السكانية الكبيرة، تسكن في الأقاليم الوسطى والعاصمة وأجزاء من جنوب الصومال.
- المجموعة الثانية: قبيلة دارود، ذات الوجود السكاني الممتد في إقليمي بونتلاند وجوبلاند، والأقاليم الوسطى.
- المجموعة الثالثة: قبائل دجل ومرفلي، التي تقطن ولايتي جنوب غرب الصومال وجوبلاند، إضافة إلى العاصمة.
- المجموعة الرابعة: قبيلة در، التي تتركز في الشمال ضمن أرض الصومال وأجزاء من الجنوب.
- الآخرون: مجموعة متنوعة من القبائل والأقليات، تُعطى نصف الحصة في السلطة مقارنة بالمجموعات الأربع الرئيسية.
يستدعي هذا الواقع الذي تتشكل منه الدولة الصومالية منذ ذلك الوقت إلى كتابة سطور هذه المقالة إلى تساؤل نقدي: كيف يمكن لدولة حديثة أن تبني مؤسساتها على أسس قبلية؟، حتى وإن كانت منهجية "أربعة ونصف" قد حققت نوعًا من التوازن؟ إن اعتماد هذه الصياغة القبلية للسلطة يعكس استمرار هيمنة الولاءات التقليدية على البنية السياسية، مما يطرح تحديًا كبيرًا أمام أي مشروع دولة وطنية شاملة تقوم على المواطنة والمساواة.
لقد تحولت القبيلة إلى مشكلة جوهرية في مسار بناء الدولة الصومالية، وهو ما يثير الاستغراب بشكل خاص، إذ أن الفيدرالية التي تم الاتفاق عليها بين ممثلي القبائل في مؤتمر "مبغاثي في نيروبي عام 2004م " كُرست كأساس للحكم، لم تُخفف وطأة الانقسامات بل عمّقتها. فقد صارت الفيدرالية عشائرية الطابع، حيث تحكم كل دولة ضمن الاتحاد قبيلة معينة، بينما تواجه القبائل الأخرى التهميش والإقصاء.
وبدلاً من أن تسهم هذه الفيدرالية في التوصل إلى تسويات سياسية عادلة، أفرزت صراعات حول الصلاحيات واهتزازًا في العلاقة بين الولايات، حتى وصل الأمر إلى إبرام علاقات خارجية مهددة للسيادة الوطنية، إلى جانب تقاعس بعض الولايات عن التعاون مع السلطات الاتحادية.
الخاتمة: لا شك أن الصومال يتمتع بتجانس نسبي ملحوظ، رغم وجود اختلافات نسبية في الثقافة والأصل واللهجات والتيارات الإيدلوجية. وهذه الاختلافات، لو وُظفت لصالح الوحدة الوطنية، كانت لتشكل فسيفساء غنية من التنوع تُثري الوطن وتقوي نسيجه الاجتماعي. غير أن الادعاء المطلق بالتجانس يُفشل في مواجهة التحيزات القبلية والعشائرية، ويجعل من التنوع مصدر انقسام بدل أن يكون قوةً موحِّدة. وعلى الرغم من أن الصومال ما زالت تواجه مشاكل كثيرة ومتنوعة، بدءًا من هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها، وغياب جيش وطني قادر على حماية حدودها وسيادتها، إضافة إلى محدودية الإمكانيات المادية اللازمة لبناء الدولة، إلا أن مشكلة القبيلة ستظل عامل تهديد مستمر أمام استعادة الدولة لمكانتها بين الشعوب كأمة تصون الحقوق والمواطنة، ويُقيّم المواطن على أساس القانون وليس الانتماء القبلي أو النفوذ العشائري.





