يرتبط النظام الدولي عبر تحالفات تنشأ بين دول ومنظمات تسمى موازين القوى (Balance of Power)، والتحالفات من أقدم المفاهيم في العلاقات والسياسات الدولية. وهي تعزز قدرة الدول على حماية أمنها وحفظ استقلالها، سياسياً وأمنياً وعسكرياً. والعلاقات الدولية خاصة العسكرية، عبارة عن علاقة تعاقدية بين دولتين أو أكثر، تنشأ بموجبها تعهدات ومبادئ مشتركة لتبادل المساعدات في حالة الحرب لصد أي عدوان، يلتزم كل طرف فيها، بالحفاظ على قوته العسكرية دون تنصل من المسؤوليات تجاه بعض وضمن حدود، ومصالح، والتزامات، ومعاهدات، وتسهيلات، وترتيبات مقبولة.
يحدد توازن القوى ملامح نمط علاقات الأطراف المتحالفة، وتتغير قوة التأثير فيه حسب ردود فعل الدول وما يعتريها من أزمات، فمهما كانت قوة أو ضعف الدولة، سنجدها تارة هي الطرف الفاعل (Actor)، وتارة هي الهدف (Target). فمن يمتلك أدوات القوة مجتمعة، (موارد، وقدرات، ومؤسسات ناجحة)، يفرض خياراته، ويخدم مصالحه، ويصبح قوياً ومؤثراً وفاعلاً.
تعتمد الدول في تحقيق نجاح قوتها على عناصر، يمكن اختصارها في: المساحة، والموقع الجغرافي، وعدد السكان، والموارد الطبيعية، والقدرة الاقتصادية، والاحتياطات النقدية، والبنية الصناعية والتكنلوجية، والإمكانات العسكرية، وقدرة الأجهزة الاستخباراتية، والمؤسسات السياسية، والأدوات الدبلوماسية، ومقدار تأثير الدولة ومكانتها بين الدول على المستوى الإقليمي أو الدولي، وإمكاناتها العلمية، وقدراتها الثقافية، ونظام قيمها ومعرفتها التنظيمية للفعاليات، إضافة إلى قدرتها على خلق الوظائف الحكومية وقوة مقر صنع القرار، وبراعتها في العمل الجماعي، بالإضافة إلى القدرات التقليدية في عملية التقييم والحالة المعنوية لشعبها وأخلاقهم القومية وغيرها الكثير...وتقاس قوة الدول حسب إمكاناتها المتاحة، وترتبط عناصرها مجتمعة بنجاح أو فشل موازين القوة حين تحقق أهدافًا مقاسة، كعنصر الدخل القومي، وحجم القوات المسلحة، والناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات استهلاك الطاقة... وللقوة أيضاً، وسائل رمزية فعالة وغير مادية، لها وقعها وتأثيراتها، كاستقرار النظام السياسي للدولة، وجودة أدائها، وكفاءتها في إدارة شؤونها، وصلابتها أو ليونتها الإدارية، وامتلاكها الكوادر والكفاءات التنظيمية المؤهلة، والمهارات الفنية المدربة، ووحدة اللحمة الوطنية، ومدى مساندة الشعب للحكومة، ومقدرتها لتعويض أي نقص.
كما تلعب موازين القوى عبر الوسائل الدبلوماسية، دوراً هاماً في متانة علاقات الدول فيما بينها، فدبلوماسية اليوم، لم تعد ترتبط بالمراسم أو الترتيبات المألوفة، كتوصيل الرسائل، وتنظيم أوضاع المواطنين في الخارج فحسب، وإنما بشرح السياسات، وتوضيح المواقف، والتنسيق السياسي، وإجراء المفاوضات، وعقد المعاهدات، والتوصل إلى تفاهمات، ضمن شبكة واسعة من السفارات والقنصليات والمفوضيات يمثلها دبلوماسيون وملاحق وعناصر مدربة، يعمل كل منهم في إطاره كقوة فاعلة.
أزمات وتطورات المشهد الدولي في العلاقات
تعيش دول العالم على وقع تحولات كبرى في موازين القوى، أظهرت أن الدول لم تعد تحت هيمنة أمريكية مطلقة، بعد دخول روسيا والصين كفاعلين دوليين في رسم مشهد التحولات. كما دفع الرئيس الأمريكي إدارة العلاقات الخارجية نحو إشعال أزمات مع الأصدقاء والخصوم، بطرحه القومي الذي يسعى من خلاله، للنهوض بالاقتصاد الأمريكي على حساب أي اعتبارات سياسية أو استراتيجية، فبالغ في مطالباته المتكررة مع حلفاء أمريكا، مما يوحي بعدم الثقة في هذا الحليف الأمريكي الذي يبحث عن مصالحه بغض النظر عن مصالح دول وشعوب العالم. كما فاقم النظام الدولي متعدد القطبية، من الصراعات وسباق الدول المحموم نحو التسلح حد الاضطراب، ومراكمة عناصر القوة المادية، وعدم قدرة الدولة على التنبؤ بنوايا الدول المجاورة لها. فأصبحت الوضعية المثالية لأي دولة تطمح للبقاء والفعالية، أن تكون قوية باعتمادها على ذاتها، وتحقيق مصالحها.
لقد عانى العالم العربي من تحديات أمنيه وسياسية وعدم استقرار، وانهيار في مفهوم الدولة الوطنية، نتيجة تنافس وصراعات الدول العظمى وتداعياتها على المنطقة. لقد اهتمت بعض الدول العربية بإقامة تحالفات واتفاقات أمنية بين بعضها البعض ومع الدول الشقيقة والصديقة، لتعزيز أمنها في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، وردع الدول التي تعمل على تهديد أمنها بشكل مباشر، خاصة بعد اندلاع الثورات عام 2011م، ضد بعض الأنظمة العربية وانهيار بعض مؤسساتها الأمنية وصعود تيارات طائفية وأيديولوجية وإرهاب وحروب بالوكالة.
كما ظهر في منطقة الشرق الأوسط صراع آخر للقوى الدولية حول ما تسعى له إيران وإسرائيل، لضمان بقاءهما في ظل نظام عالمي فوضوي، لا وجود فيه لسلطة عليا، فإسرائيل لا تقيم وزناً كبيراً للمؤسسات الدولية ولا تحتكم لقرارات الأمم المتحدة، ولا للقانون الدولي. الجميع أمام حرب إقليمية، لكل أدواته وأحلامه متجاوزاً حدوده الجغرافية، ليصبح صراع نفوذ بين مشروعين توسعيين تدفع دول المنطقة ثمنه غالياً. لقد زعزعت إيران بتهديداتها وتدخلها في الشؤون الداخلية دول الإقليم، بهدف فرض هيمنتها الأيدولوجية الطائفية المذهبية المقيتة. كما رفعت شعارات مشروع عبث المقاومة، فمزّقت بعض المجتمعات العربية، وفتحت جراحه لتنزف. وعبر أساليب القوة المتصلبة والناعمة، كما سعت لمحاربة خصومها خارج أرضها، ونفذت بعض أجندتها السياسية والدينية والاقتصادية والإعلامية والعسكرية عن طريق وكلائها المعلنين وغير المعلنين في المنطقة. من جهة أخرى، عربدت وتعربد إسرائيل بآلة عسكرية غير مسبوقة، وبتفويض أمريكي غربي، عبر مشروعها الاستعماري والاستيطاني، لإعادة رسم المنطقة العربية.
لقد اختلت دول المنطقة برمتها، وأثر سلوك إيران العدائي على توازن القوى، مشكلاً تهديداً كبيراً بعد تطويرها لمفاعلاتها النووية، فزادت حدة التوترات إثر دعمها المسلح المستمر للحركات والجماعات الغوغائية التي تحارب عوضاً عنها في بعض الدول العربية، لقد انتهكت بلداناً ومنشآت حيوية، وهاجمت ناقلات نفطية، فأحدثت تحولات كبيرة في موازين القوى. لقد زادت المخاوف الأمنية، عندما أصبحت إيران وأذرعها مصدر قلقٍ لدول الجوار.
أما إسرائيل فتعمل منذ عقود، على وأد أي محاولة عربية أو إسلامية لامتلاك سلاح ردع، كما تعارض أي تفكير تسعى إليه دول المنطقة، لضمان تفوقها العسكري النوعي. وسيبقى أمن الشرق الأوسط والخليج مضطرباً طالما تهدد إسرائيل إيران وتهدد إيران إسرائيل، (الحليف الأمريكي الأول)، وربما تؤدي تلك المخاوف إلى تفاقم العداءات الأمنية في منطقة الخليج. وهذا ما شهدناه مؤخراً، بين المشروعين المتنافسين، حيث قامت هاتين الدولتين بحرب الإثنى عشر يوماً، لا "لتصفية الحسابات" بقدر ما هي حرب على المنطقة بأكملها. لقد قصفت إسرائيل أهدافا محددة في إيران، كما قصفت مواقع في سوريا ما بعد الثورة، مما عمق الجراح وعمم الفوضى بانتهاك إسرائيل سيادة الأوطان ومخالفة القرارات الدولية. كما بادرت بانتهاك مفاعلات إيران النووية بما تجاوز الحدود، لتعيد ضبط الميزان بالقوة.
لقد وجهت إسرائيل رسائل صارمة لدول المنطقة، مفادها، نحن بالمرصاد لمن يحاول أن يقترب من خطوط التسليح الحمراء، ومن يبني قوة توازي قوتها العسكرية. إنه هوسها القديم المتجدد، الذي يقوم على احتكار التفوق العسكري، وتجريد غيره من أي قدرة عسكرية تتفوق عليه، لتبقى وحدها من يملك زمام القوة، وهذا مكمن خطر إسرائيل. لقد سعت ومازالت إلى تحقيق أهدافها من حربها مع إيران، لتفتح الطريق أمام فرض التطبيع، وانتزاع تفويضاً دولياً وإقليمياً يجعل منها "شرطي المنطقة الوحيد"، بحيث تحدد شروطها وتعاقب من تشاء، متى ما أرادت وكيفما تريد. رغباتها الجامحة تقول: أنا المرجع الوحيد دولياً في كل ما يحيط بمنظومة التسليح العربي أو الإسلامي.
أما إيران فقد سعت إلى الهيمنة بعد تطوير قدرات أسلحتها العسكرية الصاروخية بعيدة المدى، وطائراتها بدون طيار. كما تسعى لتحقيق الردع غير التقليدي، بتطويرها السلاح النووي، من خلال مفاعلاتها التي تدور حولها الشبهات، لتنتهي بحرب استنزاف بينها وبين الكيان الإسرائيلي وأمريكا خلال الأسابيع القليلة الماضية. فخلال أحداث إيران وإسرائيل الأخيرة، لم تكن دول منطقة الخليج العربي خارج المعركة (الإسر/ إيرانية)، فقد قامت إيران بقصف دولة قطر الشقيقة. ما حدث من فوضى، يدعو دول المنطقة إلى وقفة جادة وفعلية للحد من رغبات الطرفين وإيقاف همجيتهما الجامحة، حتى لا تتفرد إحداهما بتفوقها العسكري في المنطقة.
تحول التوازنات الإقليمية ومستقبل دول مجلس التعاون الخليجي
يعد توازن القوى جزء لا يتجزأ من إدامة الأمن وتعزيزه لدول مجلس التعاون. لقد أثرت سياسات إيران الإقليمية وبرنامجها النووي على ميزان القوى، فأصبحت محور دراسات العلاقات الدولية، منذ اندلاع الثورة عام 1979م. لقد أفضى هذا التحول في ميزان القوى التقليدي، إلى إحداث فجوة في قوة الخليج العربي، ما جعل التأثير الخارجي ممثلاً في الولايات المتحدة، محورياً لفرض أجندة الأمن الإقليمي. مع ذلك، فشل ميزان القوى الذي حددته أمريكا في فترة ما بعد حرب العراق عام 2003م، في مواجهة التحديات والتهديدات الأمنية الناشئة، مثل صعود الجماعات المتطرفة، كتنظيم داعش ونشوء شرخ بين السنة والشيعة، إضافة للعداءات العرقية، والمساس بالسيادة الوطنية لبعض دول المنطقة. ترتبط مصالح أمن منطقة الخليج ارتباطاً وثيقاً بالتغيرات المنهجية، أما مصالح أمريكا في المنطقة فترتبط استراتيجياً بإدامة هيمنتها العالمية في سياستها الخارجية، وتواصلها المباشر وغير المباشر، لمنع أي قوة قد تنقلب على مصالحها في الخليج. مع ذلك، ورغم علاقة أمريكا بدول المجلس وثيقة، إلا أن ضماناتها الأمنية متقلبة وغير موثوقة على المدى البعيد، مما جعل دول الخليج تبحث عن بدائل أخرى للحفاظ على أمنها الوطني.
دول الخليج العربي بحاجة إلى تحقيق توازن القوى عبر تحالفات متينة ترتبط مع قوى عظمي متعددة، ومتنوعة، ومختلفة. لذا، سعت دول المجلس إلى زيادة قواتها وترسانتها العسكرية من أجل تحقيق التوازن، والسيطرة، واستعادة هيبتها في المنطقة. وعملت دول الخليج نتيجة تحولات توازن القوى العالمي ونتيجة انقسامات، ومواجهات جيوسياسية، على إعادة تشكيل شراكاتها وتحالفاتها الاستراتيجية بما يخدم مصالحها وزيادة نفوذها على المسرح العالمي، مقدمةً مصالحها الوطنية، لتحقيق علاقات استراتيجية في المجالات ذات الأولوية القصوى للتعاون. دول المجلس تعمل بنشاط، على إعادة تشكيل شراكاتها الدولية القائمة، والنظر في شراكات جديدة، لمواجهة الاضطرابات وتحولات توازن القوى العالمي.
كما تلعب دول الخليج دوراً حاسماً في النظام العالمي المنقسم، دون الانجرار إلى المنافسات والصراعات والتوترات الجارية بين القوى العظمى، وتقتصر رغبة دول المجلس على أن تصبح جزءًا من القوى العالمية المتوسطة، كالهند والبرازيل، ومجموعتي العشرين و(بريكس). تعزز ذلك بتوسيع شراكاتها الحيوية من أجل استقرارها وازدهارها الوطني، وبما تملكه من قوة مالية ذات تأثير مهم على القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية دولياً، وباستضافة المؤتمرات الدولية على أراضيها، وخفض مستوى التوترات، ومعالجة الخلافات القائمة بين القوى الكبرى.
تبنى دول الخليج العربي شراكاتها على أساس براغماتي، من أجل تحقيق مصالحها المشتركة مع الآخرين ولمعالجة قضاياها الدولية المُلِحة، حتى لا تتراجع فاعليتها في المحافل الدولية المتعددة الأطراف. لقد زادت دول الخليج "من مشاركتها في الدبلوماسية العالمية، وحققت نتائج ممتازة، من خلال التوصل إلى اتفاقيات استراتيجية مع القوى العالمية المؤثرة، ويمكن لها تعزيز دورها باعتبارها حلقة وصل بين مختلف الجهات الفاعلة." مواقف مجلس التعاون على الساحة الدولية مشرفة، حين أحرزت تقدمًا ملحوظًا في خططها التنموية، ودورها في تبادل الرهائن، فضلاً عن استضافاتها لمحادثات سياسية بشأن أوكرانيا والسودان، وبناء الاتفاقات الفاعلة كوساطة قطر في ملف أفغانستان، وتعزيز زيادة التوصل إلى اتفاقيات استراتيجية مع قوى عظمى.
مستقبل استقرار دول مجلس التعاون في زيادة قدراتها العسكرية، ورغم أنها ذات سيادة وقدرات عالية في تحقيق توازن القوى فيما بينها مقارنة بدول الإقليم، إلا أنها مصنفة ضمن دائرة صراع القوى الكبرى منذ وقت طويل. هي اليوم، مطالبة بالتحول من التعاون إلى التكامل، وهي بحاجة إلى الموازن الخارجي، الذي تمثله غالباً الولايات المتحدة، من أجل حماية أمنها واستقرارها من التهديدات الداخلية أو الخارجية سياسياً واستراتيجيًا وأمنياً، لضمان ميزان مصالح مناسب لإرساء السلام والأمن في منطقتها، ويحفظ أمنها في المقام الأول بما يتناسب مع المستجدات التي طرأت وطبيعة التهديد. دول الخليج بحاجة إلى تحديد أهدافها وقضاياها ومصالحها الأمنية المشتركة؛ وتطوير قدراتها وعلاقاتها الأمنية وإيجاد شراكات متعددة على المستويين الوطني والدولي، من خلال إقامة تعاون وعلاقات مناسبة مع جميع الجهات والإقليمية والفاعلة خاصة.
معوقات وتحالفات مجلس التعاون الخليجي:
لدول مجلس التعاون مصالح ومقومات مشتركة تسهم في دعم ترتيباتها الأمنية لردع أي تهديدات محيطة بها. ترتكز قوتها الاقتصادية على ما تملكه من احتياطات للنفط والغاز الطبيعي، ناهيك عن أهميتها الجغرافية، إضافة لامتلاك عدداً من قدرات القوة التي تعزز من مواردها، من أجل تحقيق أهدافها، وتوظيف أدواتها المتاحة بأساليب مختلفة: كالضغط العسكري، وتركيزها على علاقاتها، ومتانة اتصالاتها الدبلوماسية الخارجية الأكثر نجاعةً، كما تتشابه أنظمتها السياسية والاقتصادية، إضافة إلى تاريخها المشترك، وتقارب عادات شعوبها الاجتماعية. مع ذلك، تعرضت دول مجلس التعاون لهزات عنيفة، رغم العوامل المشتركة التي تميزها. فمن جهة، برز تنافس القوى العظمى على المنطقة بشكل جلي، ومن جهة أخرى، واجهت وتواجه دول الخليج تحديات أمنية داخلية، تركزت في بعض اختلافات وجهات النظر الداخلية بين أعضائها، نحو التهديدات المحيطة. وهذا ما أثار تساؤلات حول النظرة الموحدة بين دول المجلس، نتيجة تباعد بعض المصالح أو تضاربها، كامتناع بعض دول المجلس عن إرسال قواتها ضمن قوات درع الجزيرة إلى البحرين إبان أحداث التمرد عام 2011م، وتكرر المشهد في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن ممثلة في (عاصفة الحزم) عام 2015م.
تحتاج دول الخليج العربي نتيجة الأزمات، لبناء تحالفات متينة ونظام أمني إقليمي قادر على الدفاع عن منطقته وضمان أمنها واستقرارها، من أجل حماية ممراتها الملاحية ومصادر طاقتها العالمية، وتحقيق مصالحها المشتركة. ونظراً لأن دول المجلس بحاجة إلى إعادة تقييم استراتيجياته والتحديات التي تواجهه، ووضع تصور للتغلب على التهديدات المحيطة به، بنت دوله مجتمعة، تحالفات مع الدول الكبرى، خصوصاً بعد الأحداث التي زعزعت أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، كالحادي عشر من سبتمبر، عندما استدعى قيام تحالف دولي بهدف مكافحة التنظيمات في المنطقة، وتوحيد الجهود في مواجهة الإرهاب بوسائل سياسية وفكرية وإعلامية وعسكرية.
لقد عمل الحلفاء على دعم مجلس التعاون سياسياً وأمنياً واقتصادياً وعسكرياً، وتطوير قدرات دول الخليج الدفاعية لتشكل عامل ردع يسهم في إرساء أمنها، متعهدين باتخاذ تدابير تعاونية وملائمة لجميع الأطراف. لقد وقعت دول المجلس اتفاقيات دفاعية مشتركة بين أعضائها، واتسمت تحالفاتها بكونها انتقائية وغير ممتدة. كما اعتمدت دول المجلس على ركائز مهمة، تتمثل في منظومة مجلس التعاون، والعلاقات الدفاعية الثنائية مع الدول الغربية، وأخرى ضمن اتفاقيات الدفاع المشترك للجامعة العربية من خلال بناء قدراتها العسكرية. وترتبط دول مجلس التعاون باتفاقيات دفاع مشتركة عن كل ما يمس أمن دولها واستقرارها، بعد أن استُنزفت الولايات المتحدة دون جدوى، من غزوها وحروبها في أفغانستان والعراق وتحالفها ضد داعش... إضافة لاهتماماتها العلنية بمناطق أخرى في العالم.
لقد شاركت وتشارك كل أو بعض دول مجلس الخليج العربي في اتفاقيات ومعاهدات دفاع ثنائية مع الدول الغربية والآسيوية ككوريا الجنوبية، من أجل تحقق نوعاً من الردع، كما ارتبط بعض أعضاء دول الخليج إلى تعظيم شراكتها مع حلف شمال الأطلسي "الناتو NATO"، عبر تعاون ثنائي، في المجالات الدفاعية والأمنية، من خلال مبادرة إسطنبول للتعاون. وللمجلس اهتمامات وعلاقات متينة بالدول العربية، من خلال الاطلاع على الإحصائيات الاقتصادية وبرامج التنمية التي تمولها بعض دول الخليج. كما اهتمت دول الخليج بتشكيل ما يسمى بالناتو العربي، بهدف تحقيق التوازن العسكري والبشري بين دول الخليج، وتنسيق الجهود العسكرية بين دول التحالف وتسهيل تموضع القوات لحماية الدول الأعضاء في الحلف والممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز ومضيق باب المندب، إضافة لتوحيد المواقف العربية، سياسياً وعسكرياً تجاه النفوذ الإيراني في المنطقة ووضع استراتيجية عملية لمواجهتها.
مقومات نجاح دول الخليج العربي:
رغم أنه من الطبيعي عدم توافق ست دول في العديد من القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية، والنقدية، والعسكرية، كبريطانيا عندما خرجت من دول الاتحاد الأوروبي، إلا أن دول مجلس التعاون تلتقي في مكون العرق والدين واللغة والانسجام المشرق ولها أهداف متشعبة، تعنى بها وتسعى إلى تحقيقها، من أجل أمنها، هي بحاجة ماسة إلى ترتيبات أمنية مرنه وإبداعية، تستند على ما تم إنجازه وتعكس واقع اليوم، وتستشرف المستقبل، معتمدة على شراكات متنوعة وفعالة. دول الخليج بحاجة إلى توحيد هدفها الأساس الذي أنشئت من أجلة، لضمان نجاح أمنها واستقرارها، بحيث يتمتع جميع أعضائه بنفس الحقوق ويحملون ذات المسؤولية. إضافة إلى تعزيز منظومتها العسكرية من خلال بناء برامج شراكة وتعاون ومصالح مع دول خارج الإقليم.
تحتاج دول مجلس التعاون من أجل تحقيق مصالحها المشتركة، وخلق توازن استراتيجي مع القوى الإقليمية التي تهدد أمنها، إلى أن تعقد اتفاقياتها عبر الأمانة العامة لدول المجلس، خاصة وأن مصالحها تمس الأمن القومي العربي قاطبة. دول الخليج العربي بحاجة إلى تعزيز اختلال موازين القوى، لكي تحظى بقدر من القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والديمغرافية، في النظام العالمي الجديد. دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة إلى مجموعة من المعطيات لضمان نجاحها واستقرارها، نوجزها في العناصر التالية:
- التوصل لشراكة دفاعية مختلفة مع الولايات المتحدة الأمريكية، عوضاً عن الاتفاقات الإبراهيمية.
- توسيع اتفاقيات دول الخليج الخاصة مع الناتو، وتطوير تعاونها مع أوروبا وروسيا الاتحادية والصين. وتحسين علاقاتها وشراكاتها الثنائية والدفاعية مع الدول الصديقة، على غرار شراكات دولة الإمارات وكوريا الجنوبية.
- إنشاء منظومة أمن جماعي شامل بالمنطقة لوقف سباق التسلح وإقامة منطقة خالية من السلاح النووي.
- توسيع الشراكات مع دول العالم اقتصادياً وتجارياً واستثمارياً وسياسياً.
- انتقال دول الخليج من التعاون إلى التكامل، لضمان قدراتها، وإثبات مكانتها عسكرياً وصناعياً، من أجل مستقبل آمن ومستقر.
لكل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي، الحق في أن تبني لذاتها ومواطنيها رؤية قومية واستراتيجية عامة وقوية وشاملة، ضمن عناصر قوتها، لتعزيز توجهات أصحاب القرار فيها، بناءً على معادلة سياسية، في ظل أوضاع عالم الغاب اليوم. فلا أمان محض مع الدول العظمى ولا مع الدول المارقة على القانون، وهذا ما يتضح جلياً في حرب الإثنى عشر يوماً الإسر/ إيراني. الحق يأتي مع القوة، كما أن العدل فكرة مثالية لا وزن لها، إن لم يكن لها سند في موازين القوى، فلا يكفي أن تكون صاحب حق، بل يجب أن تكون قادراً على انتزاعه، فالعالم لا يحترم الضعفاء، سيما في عالم تحكمه المصالح لا المبادئ، ذلك لأن التاريخ لم يخلد قضية انتصرت بالضعف والتردد، ولم يكتب يوماً عن شعب استعاد حقوقه بالاستجداء.
عالم اليوم، لا ينصف مظلوماً لمجرد أنه مظلوم، مهما كانت قضيته عادلة، ولا يلقي بالاً لأي دولة تكتفي بالصراخ والتذمر والشكوى، إنه يتحرك وفقاً لمعادلات القوة والمصالح، ويحترم من يملك زمام أمره، ويحدد مساره، ويفرض وجوده، وله تأثيره بين الأمم. عالم القوى لا يقدر من يخون وطنه، ولا يحظى باحترام خصمه، ولا بثقة شعبه، ولا بتقدير التاريخ، والعدو لا يغفر لمن يعبث بمقدرات بلاده، ولا ينظر بعين الاحترام لمن يقايض سيادة أرضه مقابل مصالحه الضيقة. يبق الخائن مزدرى، ويستخدم غالباً، كأداة مؤقتة، ما يلبث العدو متى ما انتهت مهامه، أن يتجاهله ويحذر منه.
من أجل البقاء، ترتكز موازين القوى على القوة، فلا بقاء للضعيف ولا سيادة ولا وزن ولا مستقبل ولا احترام لمن لا يملك قراره. الدول القوية ليست فقط فيمن يملك قوة السلاح، بل القوة في الإرادة، ووحدة الصف، وفي الوعي السياسي، والاقتصادي، والقدرة على فرض الواقع، لخلق مكانتها على الخارطة الدولية. فمن أراد أن يكتب له المجد، فليكن مستعداً لدفع ثمنه، بثباته، بإرادته، وباستعداده للدفاع عن وطنه وحقوقه، بكل ما أوتي من قوة.






